• ×

12:01 مساءً , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

النمام الذي يتسمى ب(فاعل خير)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
النمام الذي يتسمى ب(فاعل خير)

بقلم الأستاذ/ عبد الله علي قاسم الفيفي


الحمد لله حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرما،وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ـ أما بعد :
اليهود (لعنهم الله) لهم طريقة عجيبة في تحريف الكلم عن معانيه ومواضعه، فهم يبدلون الكلمة بغير معناها المعروف، ويستخدمون بعض الكلمات التي يفهم لها معنى خاص جميل ويقصدون به معنى آخر قبيح، وقد كشفهم الله سبحانه وتعالى وفضحهم في القران الكريم، فحين كانوا يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك، حين يقولون له ( اسمع غير مسمع ) فمعناه الحقيقي الدعاء ،أي انك تقول لصاحبك اسمع غير مسمع ما لا تحب، ولكنهم هم يقصدون بها اسمع غير مسمع ما تحب، بل مسمع ما تكره، ويقولون أيضا (راعنا ) ومعناه الحقيقي انظرنا، ولكنهم يقصدون بها وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه راعن، أي مجنون مشتقة من الرعونة، قال الله تعالى ( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بالسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا واطعنا واسمع وانظرنا لكان خير لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يومنون إلا قليلا ) وهكذا هو ديدنهم، فقد كانوا أيضا في سلامهم وتحيتهم إذا قابلوا أحدا من المسلمين، بدل أن يقولوا له:السلام عليكم، يقولون: السام عليكم، والسام بمعنى الموت، أي هم يدعون على المسلم بالموت، وهو عن حسن نية وعدم تنبه لما يقولون، يدعوا لهم في المقابل بالسلامة، فيقول وعليكم السلام، لذلك أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بان يجيبوهم إجابة ذكية، تحتمل هذا وهذا بحيث لا يتجاوز الرد على قوله و(عليكم) فقط، بمعنى أن الكلمة التي قلتها إن كانت خير أو غير ذلك فهي تعود عليك، قال صلى الله عليه وسلم ( إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم ) وهكذا هو طبعهم وسيرتهم وأسلوبهم، يغيرون الكلم عن مواضعه، ويخادعون الآخرين، وذلك على مر الدهور، لذلك نجدهم يطلقون اليوم على استذلال الشعوب وقهرهم واستعبادهم استعماراً، وكيف يكون استعماراً وهم يرضخونهم لإرادتهم وجبروتهم، ويمتصون خيرات بلادهم، فإنما هو تهديم وتدمير واستعباد، وكذلك يطلقون كلمة التبشير على دعوتهم إلى ضلالهم وكفرهم، وإخراج العباد من عبادة الملك الديان إلى الشرك والإلحاد، ويطلقون على المتمسك بأخلاق دينه المحافظ على أداء عبادته رجعيا متأخرا، والمتفلت من تعاليم دينه وأخلاقه الفاضلة تقدميا، وهكذا كثير من العبارات المضللة والكلمات المحرفة، ما لوا تتبعناها لما استطعنا، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) فالكثير من المسلمين أصبحوا يقلدونهم في طريقتهم هذه، فيبدلون الكلمات الجميلة الراقية في معنى فاحش منكر، انقلبت لديهم موازين المعاني وما ترمز إليه، بقصد أو غير قصد، ولكن النتيجة واحدة، ولنتمعن في واحدة من هذه الأساليب التي لم تكن معهودة، والتي ابتدأت تتسرب وتنتشر في مجتمعات المسلمين، تجد احدهم لشيء في نفسه، إما لحقد أو حسد أو لأي سبب من الأسباب، يسطر رسالة إما لمن من بيده ضر أو نفع لأحد الأشخاص، بما منح من سلطة في الدنيا عليه،أو ينشرها بين الناس بأي وسيلة تتاح له، هذه الرسالة قد شحنها بكل ما في القاموس من سب وشتم، وكذب ونميمة وافتراء وغيبة، يصف صاحبه فيها بابشع الصفات وأقبح المنكرات، يرميه بالكفر والنفاق وضعف الإيمان، وخيانة الأمانة والتفريط في المسئولية، وغيرها من الصفات التي اقلها يوجب الحد، أو يخرج من الملة، ثم يمهر هذه الرسالة، التي تقطر بكل هذا الفحش والمنكر والتكفير والبهتان، بتوقيعه الذي تسمى به، وهو ( فاعل خير ) ولا يظهر اسمه الحقيقي، فأين إذا فعل الخير من كل هذا، وإذا كان هذا فعل الخير فماذا أبقى للشر، انك لا تشم رائحة ولو بسيطة من الخير الذي نسب نفسه إليه، بل هو شر مركب، أو مجموعة شرور، فبكل حرف وبكل كلمة وبكل معنى شر مستطير .
إن الله سبحانه حرم الغيبة والنميمة، والكذب والافتراء والبهتان، ورمى الغافل بما ليس فيه، ووسم المسلم بالكفر أو النفاق، أو اتهامه بالسرقة وخيانة الأمانة، أو عمل المنكر وارتكاب المحرمات، وهذه الرسالة أو معظمها تكون مليئة بكل هذه المنكرات والفظائع، فأين الخير الذي تستحسه من بين هذه الشرور، حتى اقتبس منه اللقب الذي أطلقه على نفسه (فاعل خير )،انه أسلوب دخيل على المسلمين، وأسلوب منكر لئيم، لا يتخذه إلا اجبن الخلق وأكثرهم لآمة (اليهود)، ( الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ) ويلوون به ألسنتهم.
إن من يتستر خلف مثل هذه الرسالة أو المقالة،فهو فاعل شر وجبان رعديد، قد اتصف بصفات اليهود الملعونين، فمهما أوهم نفسه أن قصده خيرا، وانه إنما يسعى إلى الإصلاح، فقد اخطأ الطريق وجانب الصواب، فهذا الأسلوب لا يعترف به الإسلام، وهو اقل ما يطلق عليه اسم النمام الذي يتوافق مع فعله، تلك الصفة القبيحة البشعة، التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بشارة لمن اتصف بها (لا يدخل الجنة نمام )، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين قال : انهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما انه كبير، أما احدهما فكان لا يستبرى من بوله وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم اخذ جريدة رطبة فشقها وغرز في كل قبر واحدة، وقال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ) فقوله صلى الله عليه وسلم وما يعذبان في كبير، أي ليس بكبير تركه عليهما، أو ليس بكبير في زعمهما، لهذا قال في رواية أخرى (بلى انه كبير ) فهذا الذي يتوارى خلف رسالته أو مقالته فيما يسطره فيها من منكر، فقد يكون من اقرب المقربين ومن الصق الناس لمن كتب عنه، فلو انه صدق صديقه ووجه النصيحة له مباشرة، دون تسميع أو تشهير لكانت النتيجة أفضل، ولكسب الأجر والجزاء الحسن، ولكنه ليس من الأصدقاء الصادقين، ولا ممن يسعى إلى الإصلاح والنصح، بل هو شيطان ماكر، يسعى إلى الشر والى إلحاق الضرر، فهو في تعامله صاحب وجهين، وجه الصداقة والابتسام، والكلمة الحلوة الخادعة، وإظهار الود والمحبة، وهو يخفى وجها قبيحا حاقدا، يختبل الفرص ويتحين الغرات ليوقع بصاحبه، قال صلى الله عليه وسلم ( تجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هولاء بوجه وهولاء بوجه ومن كان ذا لسانين في الدنيا فان الله يجعل له لسانين من نار يوم القيامة ) ومعنى ذا لسانين أي يتكلم مع هولاء بكلام وهولاء بكلام مخالف .
والنميمة ليست فيما يطلقه الإنسان بلسانه من وشاية وسعى بين الناس فحسب، بل تدخل في كل اسلوب يتم به نقل هذه الوشاية، إما كتابة أو إشارة أو غير ذلك من الأساليب الكثيرة، يقول الإمام شمس الدين الذهبي رحمه الله : إذا كانت النميمة تطلق في الغالب على من ينم قول الغير إلى المقول فيه، بقوله: فلان يقول فيك كذا، فليست النميمة مخصوصة بذلك، بل حدها كشف ما يكره كشفه، سواء كره المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو ثالث، وسواء كان الكشف بالقول، أو الكتابة، أو الرمز، أو الإيماء أو نحوها، وسواء كان من الأقوال أو الأعمال، وسواء كان عيبا أو غيره، فحقيقة النميمة إفشاء السر، وهتك الستر عما يكره كشفه ،ثم يقول رحمه الله : وينبغي للإنسان أن يسكت عن كل ما رآه من أحوال الناس، إلا ما في حكايته فائدة للمسلمين، أو دفع معصية، لذلك ليست في إلحاق الأذى بمسلم، وتشويه سمعته، وإيغار الصدور ضده، وسوء الظن به، أي مصلحة للمسلمين، والرسول صلى الله عليه وسلم نهى اشد النهى أن ينقل إليه احد قولا عن آخر، ولو كان هذا القول صحيح، لما قد يتركه من تأثير في قلب السامع، وتسائل يجعله غير مرتاح أو منسجم مع المقول عنه، قال صلى الله عليه وسلم ( لا يبلغني احد من أصحابي عن احد شيئا فاني أحب أن اخرج إليكم وأنا سليم الصدر ) فان يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يتأثر بما يقال له عن احد الناس، فمن يا ترى يكون كرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يدانيه في حسن الخلق وسلامة الصدر .
ليتقى المسلم الله فيما يقوله وفيما تخطه يمينه، ولا يستخدم ما أنعم الله عليه به من فضل العلم في استغلاله في إلحاق الضرر بالغير، واكتساب الإثم والسعي بالنميمة والمنكر بين الناس، فقد تكون النميمة بالكتابة اشد وقعا، وأكثر تأثيرا منها باللسان، فاللسان قد ينسى كثير مما قاله، ولكن الرسالة تبقى في يد من أرسلت إليه، يقلبها أكثر من مرة، ويتمعن في كل كلمة، ويدقق فيها وفيما بين سطورها، حتى ترسخ في عقله وتسيطر على تفكيره، وقد تدفعه إلى ما لا تحمد عقباه، ويكون شريكه وشيطانه هو مسطر هذه الرسالة.
فهذا الأسلوب ليس اسلوب الإصلاح، ولا اسلوب التقويم، وليس هو اسلوب المسلم الصادق، بل هو اسلوب اليهود والمنافقين، فالمسلم جري الإرادة، صادق الكلمة، يصدع بالحق ولا يخشى لومة لائم، ومن حق المسلم على أخيه أن يصدقه القول، ويصارحه بما يجده عليه، من ملاحظات وهنات، فالكمال لله وحده، فان أنت صارحت أخاك استبقيت وده، واستبقيت إخوته وحفظت عرضه، فلعله يصحح وضعه، أو يظهر لك ما كان خافيا عليك من أمره، فحسبته على خلاف ما هو عليه .
إن البعض من ضعاف الإيمان، ممن لا يردعه إيمانه عن أذى الناس وظلمهم، يسعى إلى تدبيج الرسائل فيها الكثير والكثير من الافتراءات، وان كان خالطها بعض الحقيقة، ولكنه لا يراها مقبولة إن لم يخلطها بكثير من الدعاوى الباطلة الظالمة، وقد يكون لهذه الرسالة وقع عند من أرسلت إليه، فتصادف هوى في نفسه، فيأخذها بما فيها من دون تمحيص أو تحقق، فيلحق الأذى بمن قيلت فيه، وهو برى من كثير مما ورد فيها، وغافل عما مكر به،فيكون الظالم والمحرك له هو صاحب هذه الرسالة الفاجرة، ولو فكر ونظر لما أقدم على ما أقدم، ولراجع نفسه وغايته، وما قد يترتب على رسالته من عواقب وظلم، هو صاحبه والمتسبب فيه، وما قد تنصب ضده من سدود مليئة بالنيران، بسبب دعوة من تسبب له بالظلم والأذى، قال صلى الله عليه وسلم ( الظلم ظلمات يوم القيامة ) وقال صلى الله عليه وسلم ( واتقى دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب )
قال الشاعر :


لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا = فالظلم يرجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبـه = يدعو عليك وعين الله لم تنم
فظلم هذا الظالم كما يقال مع سبق الإصرار والترصد، فهو يجمع المعلومات ويسوغها، ويعيد ترتيبها، ويستخدم موثرات البلاغة في زيادة وقعها، ثم يرسلها أو ينشرها،فهو لم يخف الله في أي مرحلة من مراحلها، ولو فكر بفداحة ما أقدم عليه وما سيترتب عليه من ظلم وشكوك وردة فعل، وهو يتقى الله لما فعل، وقد يندم بعد أن يرسلها ولكن لن يستطيع ردها، فهي كالرصاصة عندما تضغط على زناد البندقية، لن تستطيع ردها عن هدفها الذي هدفت عليه بعد أن تنطلق، فأنت قد أوقعت الظلم، وأعملت التعدي ونويت الشر، أثرت أم لم توثر .
ومن نقل إليه شيء من هذا، فالأجدر به أن لا يستمع إليه، ولا يلقي له بالا، فقد يكون وسيلة يحقق بها المرسل الأذى بصاحبه، بل يجب على المسلم أن يأخذ في ذلك بما أمره الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى ( ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم ) فالماشي بالنميمة لا يطاع ولا يوخذ بقوله، سواء نم بلسانه أو بقلمه، وقد قيل إن من حملت إليه نميمة لزمه تجاهها ستة أحوال :
الأول :أن لا يصدق القائل، لأنه نمام فاسق، وهو مردود الخبر، والثاني : أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح فعله ، والثالث : أن يبغضه في الله عز وجل، فانه بغيض عند الله، والبغض في الله واجب، والرابع : أن لا يظن في المنقول عنه السوء، لقوله تعالى ( اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ) الخامس : أن لا يحمله ما حكى له على التجسس والبحث عن تحقق ذلك، قال تعالى (ولا تجسسوا) ، والسادس : أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فلا يحكى نميمته .
حكى أن رجلا ذكر لعمر بن عبد العزيز رجلا بشيء، فقال عمر يا هذا ان شئت نظرنا في أمرك، فان كنت صادقا، فأنت من أهل هذه الآية (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وان كنت كاذبا، فأنت من أهل هذه الآية ( هماز مشاء بنميم ) وان شئت عفونا عنك، فقال العفو يا أمير المومنين لا أعود إليه أبدا.
قال تعالى : (يا أيها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم ).
أيها المسلم اتقى الله في نفسك، واسمع ما يأمرك به دينك، وتمسك بأخلاق إسلامك، قال صلى الله عليه وسلم ( المسلم اخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه،التقوى هاهنا، بحسب امرى من الشر أن يحقر أخاه المسلم ) وقال صلى الله عليه وسلم ( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله التقوى هاهنا ـ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ بحسب امرى من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) فما ترمي به أخاك من ادعاء باطل فهو الظلم بعينه، وما أقبحه من ظلم وقدح في صدق الإخوة التي يوجبها الإسلام، بل إن من أوجب الواجبات والصق الحقوق، انك إن اطلعت على أمر من أمور أخيك أن تنصحه وتسعى إلى تقويمه بينك وبينه، و إلا فتستره وتدعو له بالهداية والتوفيق، قال صلى الله عليه وسلم ( لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة ) لنتجنب ظلم الآخرين وإيقاع الشر والأذى بهم، ونتجنب صفات المنافقين وصفات اليهود والنصارى، المنافية لأخلاق الإيمان الصادق وصفات الإسلام .
جعلنا الله أخوة متحابين متناصحين، وهدانا إلى أحسن السبل وأفضل الطرق، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .

أخوكم/عبد الله بن علي قاسم الفيفي

بواسطة : faifaonline.net
 3  0  881
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:01 مساءً السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.