• ×

08:26 مساءً , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

فضيلة الشيخ : فرحان الخسافي الفيفي | الحلقة الأولى

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image



عودةً لمشروعنا المبارك بضيوفهِ و متابعيه نستضيف هذه المرة شخصية من نوع آخر حياته كلها مثابرة و إجتهاد حدد الهدف وقاوم الصعاب حتى أراد الله تعالى له النجاح في حياته العلمية والعملية .

فضيفنا تتلمذ على يده كل من المشائخ التالية أسمائهم :
1)فضيلة الشيخ الدكتور علي بن عبدالرحمن الحذيفي المدرس بالجامعة الإسلامية وإمام وخطيب المسجد النبوي الشريف
2 ) الدكتور سعيد الحجاج
3 ) الدكتور سفر الحوالي
4 ) الشيخ محمد بن عبدالرحمن العامري رئيس استئناف بديوان المظالم



ضيفنا الكريم من مواليد عام 1357 هــ و بدأ تعليمه في صامطه ثم كلية الشريعة بالرياض
بدأ حياته العملية حسب التسلسل أدناه :
1 ـ معلماً في معهد بلجرشي
2 ـ معلماً بمعهد الطائف العلمي
3 ـ موجهاً تربوياً في تعليم البنات بالطائف بالمرتبة السابعة
4 ـ رئيساً للتوجيه التربوي بقرار ملكي بالمرتبة الثامنة
5 ـ مساعداً لمدير التعليم بالطائف بقرار ملكي بالمرتبة التاسعة
6 ـ مديراً للتعليم بالطائف
7 ـ بأمر سامي تم إنتدابه للعمل ضمن أعضاء التوعية في الحج 1397هــ
8 ـ ثم إنتدب لديوان المظالم ( محقق شرعي )
9 ـ عين مساعداً لمدير عام التعليم بالمنطقة الشرقية بالمرتبة العاشرة
10 ـ عين مديراً لفرع ديوان المظالم بالغربية بالمرتبة العاشرة
11 ـ عين مديراً عاماً لفرع ديوان المظالم بالمرتبة الثانية عشر




بدأنا الحديث معهُ :

||| فضيلة الشيخ حدثنا عن المولد و النشأة ؟
ولدت في بيتنا المسمى "الخشراه" منتصف عام 1357 هــ وترتيبي هو الثالث من أولاد الوالدين . علماً أنه في زمن والدي رحمه الله لم يكن هناك أي إهتمام بتسجيل المواليد وإنما كان الناس يرجعون في التواريخ إلى الحوادث المهمة لذلك عرفت ان سنة ميلادي هي في عام 1357 هــ في شهر رجب وذلك من خلال وثيقة محررة من جدي في نفس العام وإسمي هو :
فرحان بن سليمان بن حسن بن سالم بن أحمد بن اسعد بن سليمان بن متعب بن احمد بن شريف بن أحمد بن شريف بن حسن بن شريف الخسافي الفيفي .

النشأة :

نشأت في كنف والدي إلى أن توفي رحمه الله عام 1369هــ وكان شأني في حياتي قبل وفاة والدي كشأن أي طفل يعيش مع والديه لا يحس بأي مسؤولية ولا يشعر بما يعانيه أبواه في سبيل إسعاده فعندما يفقد أباه أو أمه يختلف الوضع تماماً حيث يجد نفسه مسئولاً مهما صغر سنه مسؤولية تجعله يفكر ويعمل و يبذل كل ما في وسعه للقيام بما يحقق له ولأسرته عيشة كريمة لا سيما إذا كانت ظروف الحياة والمجتمع الذي يعيش فيه صعبة وكما كانت في تلك الفترة لقد كانت حياة أسرتي بعد وفاة والدي صعبة للغاية حيث كان إعتماد الناس في ذلك الوقت على الحرث والرعي وهذا يحتاج إلى جهد كبير وصبر ومصابرة وتحمل المشاق العظيمة ولقد كانت مصيبتي وإخواني بفقد والدي عظيمة وجسيمة لولا الله تعالى ثم والدتي الكريمة حفظها الله التي ضحت بالغالي والرخيص من حياتها في لم شملنا وتوجيهنا وبذل ما في وسعها في جلب الرزق وفي حرث البلاد حتى بلغنا سن الرشد وبإختصار فقد كانت الحياة المعيشية في ذلك الزمن صعبة صعوبة لايتصورها الجيل الحاضر وحتى نحن الذين عاصرناها نكاد نقول : هل كان ذلك الوضع من نسج الخيال أم هي الحقيقة ؟



س 2 . متى بدأت لديكم فكرة التعليم أهو حب للعلم أم دفعكم لذلك والدكم رحمه الله ؟
بدأت لدي فكرة التعلم قبل وفاة والدي بأشهر قليلة حيث كان فضيلة الشيخ على بن قاسم قد إفتتح مدرسة في النفيعة تابعة لمدارس الشيخ عبدالله القرعاوي رحمه الله وكانت الرغبة عندي شديدة جداً لا سيما أن زميلي في الطفولة الشيخ سليمان بن قاسم يدرس في تلك المدرسة و ثم بعد ثلاثة أشهر من الدراسة توفي والدي وأصبحت الأسرة في حاجة ماسة إلى مساعدتي لها من اجل تأمين لقمة العيش وذلك بالرغم من شدة طموحي ورغبتي في تعلم القرآن الكريم ولكن ظروف الحياة كانت تحول دون رغبتي حيث كنت أعمل بالأجر اليومي الذي يبدأ من الصباح إلى غروب الشمس في الحرث والزراعة وكنت أتوق للتعليم عندما تواتيني الفرصة وبدافع داخلي من نفسي . ثم في عام 1374 هـ أبديت لفضيلة الشيخ علي بن قاسم رغبتي في الدراسة فأرشدني إلى التوجه إلى صامطة للدراسة في المدارس السلفية التابعة لفضيلة الشيخ عبدالله القرعاوي رحمه الله فطلبت منه مساعدتي في إيصالي إلى صامطة وفعلاً ذهب معي حينها فجزاه الله عني خير الجزاء .



س3. و ماذا عن الــــدراســــة فــــي صامــــطة؟
في عام 1374 هـ تم إلتحاقي بالمدرسة السلفية بصامطة التابعة لمدارس فضيلة الشيخ عبدالله بن محمد القرعاوي رحمه الله ـ وكان بتلك المدرسة سبعة فصول ، الفصل الأول خاص بالطلاب المبتدئين ، والثاني لمن يحسن مبادئ القراءة والكتابة ، والفصل الثالث يدرس فيه المواد السابقة بالإضافة إلى القرآن الكريم ومبادئ التوحيد والفقه والفصل الرابع يدرس فيه نفس المواد السابقة بتوسع والأربعين النووية في الحديث ، وكذا الفصل السادس والسابع ، وأقدر أن الفصل الخامس والسادس والسابع يعادل الدراسة المتوسطة في العلوم الشرعية .



س 4. مــــاهي المـــواد التي كنتم تدرسونها ومن هـــم مؤلفيها ؟
المواد :القرآن الكريم والتجويد والنحو و الفقه و الحديث و المطالعة والتاريخ والجغرافيا والحساب .
بعض الدروس كانت من مؤلفات الشيخ حافظ بن احمد الحكمي رحمه الله وخاصة في قواعد الإملاء والسيرة النبوية وبعضها من إملاءات المعلمين مثل مادة التاريخ والجغرافيا والحساب .



س 5 . كـــم سنة قضيتموها في الإبتدائية وما هو إسم تلك المرحلة ؟
من فضل الله علي أنني أستطعت في خلال السنتين 1374 ــ 1375 هـ تجاوز الفصل الأول والثاني والثالث وبدأت في الفصل الرابع في أوائل عام 1376 هـ وتسمى تلك المرحلة بالتمهيدي للكليات والمعاهد العلمية التابع حالياً لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .



س6. شيخنا الكريم بعد الإبتدائية أو كما أسميتها ( القسم التمهيدي ) أين درستم ؟ وما هي انظمة االدراسة في ذلك الوقت من ناحية الدرجات والنجاح والرسوب وغير ذلك ؟

درست بعد المرحلة الإبتدائية في المعهد العلمي بصامطة المرحلة المتوسطة والثانوية وأنظمة الدراسة حينذاك نفسها انظمة المعاهد العلمية التابعة للكليت العلمية والتي أصبحت الآن ( جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ) حالياً .



س7. كيف كان إلتحاقكم بالمعهد العلمي بسامطة ؟
كان ذلك في عام 1376 حيث كان المعهد العلمي بسامطة إمتداداً لمدارس القرعاوي في بدايته ومن خلال القسم التمهيدي بالمعهد .
فبإلحاح مني على فضيلة الشيخ حافظ بن احمد الحكمي مدير المعهد العلمي في ذلك الوقت تمت الموافقة على قبولي بالمعهد العلمي بصامطة ، حيث أمر ـ رحمه الله الشيخ علي البهكلي بإختباري أنا وآخرين في دروس الفصل الرابع بالمدرسة فكانت إجابتي ضعيفة وخاصة في مادة النحو والفرائض لأنني لم أدرس إلا الدرس الأول من النحو والفرائض . وهنا دائماً اتذكر سؤاله لي أين وصلت في النحو والفرائض ؟ فذكرت له أنني قد وصلت في النحو باب الإعراب وكان المطلوب متن الأجرومية وفي الفرائض أسباب الإرث فإبتسم رحمه الله وضرب بيده على ظهري وكما لو كان يعتذر عن قبولي ولكن إصراري على فضيلة الشيخ حافظ ومراجعتي له المستمرة صباح مساء لدى دخوله المسجد وعند خروجه منه وحتى يدخل داره ، جعله يوافق رحمه الله على دخولي المعهد وواصلت الدراسة بنجاح كل عام .
ولا أنسى ما قاله لي بعض زملائي الذين قالوا لي أنك لن تستطيع أن تتجاوز أول تمهيدي لما يعرفونه عني من أن معلوماتي لا تؤهلني لتجاوز تلك المرحلة ولا يمكن الإستمرار فيها بعد السنتين وكان لكلامهم عندي هزة نفسية وإصرار على الجد والإجتهاد .



س8. بعد المتوسطة حصلت على وظيفة إمام ومرشد للربوعة ولكن فضيلة الشيخ علي بن قاسم حال دون توجهك لإستلام الوظيفة ... هلا حدثتنا عن تلك الواقعة ولماذا فضيلة الشيخ يمنعك من الوظيفة؟

نعم .. بعد إكمالي المرحلة المتوسطة عام 1380هـ مررت أثناء عودتي للدراسة على مدينة جازان فوجدت إعلاناً في المحكمة الكبرى بجازان عن وظيفة إمام ومرشد للربوعة فتقدمت للمحكمة طالباً ترشيحي على تلك الوظيفة ولم يكن لي منافس فتم تعييني على تلك الوظيفة وبعد إستلام قرار التعيين توجهت إلى فيفاء من أجل إعلام والدتي وإخواني ومن ثم مباشرة العمل في الربوعة فقابلني فضيلة الشيخ علي بن قاسم في رأس ذراع الفحاح وكان معه فضيلة قاضي الحناية الشيخ مرعي الحدادي فإستغرب عودتي للبلاد في بداية العام الدراسي وأخذني إلى جانب الطريق وسألني عن الطلبة واحوالهم وعن أسباب عودتي في هذا التوقيت فأفهمته بانني قد حصلت على وظيفة بالربوعة وقررت قطع الدراسة فهاله الأمر وقال لي : الربوعة لا تصلح لك وأصر على العودة للدراسة وشرح لي اهمية إكمال المرحلة الثانوية وأستعد بمساعدتي في الحصول على وظيفة في فيفاء بعد الثانوية . ولمكانته عندي وإحترامي له لم أستطع مخالفة امره فهو لدي بمنزلة الوالد والمربي ولم أجرأ على مخالفته غير انني تحاملت عليه وقلت له : أنت ساعدت الأخ سليمان في توظيفه عندك في المحكمة ، فرد علي : سليمان قد ندم على ترك الدراسة وسوف يعود قريباً ، فعدت معه إلى صامطة وعدت للدراسة تقديراً وإحتراماً لفضيلته جزاه الله عني خير الجزاء وأجزل مثوبته وهذه الواقعة لن انساها له مدى الحياة .



س9. حدثنا عن ظروفكم المعيشية كطلاب وطرق المواصلات لصامطة والصعوبات التي كنتم تواجهونها ؟

لقد كانت هناك عدة صعوبات تواجهنا أثناء الدراسة وهي كثيرة ومتعدده وكلها تكمن في الغربة وعدم وجود مواصلات . فقد كنا نغترب السنة كاملة لا نعرف شيئاً عن اهلنا وهم لا يعرفون عنا شيئاً ومع قلة في ذات اليد ، ومع عدم وجود السكن ، ما عدا الفصول الدراسية المبنية من القش او المساجد وفي منطقة شديدة الحرارة ولا تتوفر فيها وسائل التبريد ، وكانت المنطقة بصفة عامة مرتعاً للملاريا وخاصة في فصل الشتاء حيث كنا نعاني من حمى الملاريا الشئ الكثير نظراً لعدم توفر المستشفيات في ذلك الوقت .
وكنا نذهب من فيفاء إلى صبيا مشياً على الأقدام أو على الدواب كالحمير والجمال ، ثم من صبيا إلى جازان فإلى صامطه ركوباً على السيارات .





عبدالله يحي مريع :
فضيلة الشيخ رجل مصر على الوصول لهدفه ( النجاح ) رغم كل الصعوبات ورغم المواقف ورغم الجوع وفي هذه المواقف عبر لنا هذه الأجيال بفضل الله تعالى كل شئ مسير لنا فما بالنا لانتألق لاننجح ولا نصل المعالي ؟
ومن المواقف والصعوبات التي واجهت فضيلة الشيخ ضيفنا الكريم نسوق لكم بعضها :


مـــــواقـــــف( 1 )


في إحدى رحلاتي من فيفاء إلى صامطة كانت لي قصة عجيبة . كنت قد أستاجرت راحلة من عيبان إلى صبيا وقمت بالإستعداد للسفر في أول النهار لأنني كنت أفضل السفر نهاراً نظراً لصغر سني ولعدم معرفتي للطريق فلما تهيأت للسفر طلب مني أحد الأخوة من ابناء فيفاء التأخر إلى العصر حيث انه سوف يرافقني إلى صبيا ففرحت بمرافقته وتأخرت إستجابة لطلبه ، وبعد صلاة العصر بدأت الرحلة من عيبان ، وأظلم علينا الليل قبل الوصول إلى العيدابي ، لكننا إستمرينا في السير وفي الطريق بعد خروجنا من العيدابي تركني صاحبي وغادر ، وكانت الليلة حالكة الظلام ولكني اكملت طريقي تاركاً الدابة تسير بي لأنها تعرف طريقها . وذلك إلى أن وصلت إلى وادي يسمى المجمع ــ وهذا الوادي هو مجمع لعدة اودية وأرض يكثر بها السباع . ولكني لم أعرفه من قبل فنمت في ذلك الوادي بعد أن غلبني النوم وكنت قد ربطت الدابة بجانبي ، ولم أستيقظ إلا قريباً من وقت الظهر ، بعد ان ضربتني الشمس الحارقة ، فقمت وركبت دابتي وانا في حالة سيئة من الجوع والعطش ، وحتى وصلت إلى قرية تسمى ( الجرور ) حينها عمدت إلى مسجد القرية بحثاً عن الماء ، فوجدت ماء في الزير التابع للمسجد ولكني حينما أردت الشرب إذا بالماء لا ينزل من حلقي لإنسداده عندها واصلت السير إلى صبيا ودخلت قهوة تابعة لإمرأة تسمى ( عمرية ) وقد كنت وقتها اعاني من إرتفاع في درجة الحرارة وصعوبة في البلع وبلغ بي الجهد مبلغه وبقيت هنالك إلى أن حضر شخص لا أذكره إسمه من قبيلة العُمريين وأحضر رزاً مسلوقاً وساخناً وطلب مني أن أشاركه في الأكل فأخبرته بعدم إستطاعتي للبلع ، فطلب مني المحاولة وعند اول لقمة أدخلتها فمي إذا بحلقي ينفك وإستطعت البلع ولله الحمد حينها قمت فوراً بطلب وجبة غداء وقهوة وعندها تحسنت صحتي وفي اليوم الرابع غادرت إلى جازان ومنها إل صامطة .
فحين أتذكر هذه الرحلة اتذكر لطف الله بي وحفظه لي بعد ان تركني صاحبي في تلك الرحلة المخيفة فتذكرت نزولي في ذلك الوادي الملئ بالسباع ، ولم أستيقظ إلأ قريب الظهر

( 2 )


ومن المعاناة التي لا تنسى في الذهاب والإياب من فيفاء إلى صامطة ومن صامطة إلى فيفاء ما ذكره فضيلة الشيخ الدكتور سليمان بن قاسم في كتابه ( ذكريات من حياتي ) حيث قال :
في آخر شهر شعبان عام 1375 هـ سافرت انا وزملائي من صامطة إلى فيفاء وكنا مجموعة أذكر منهم الزميلين : الشيخ علي فرحان الفيفي والشيخ فرحان سليمان الفيفي وكانت سنة قحط وبالناس فاقة وجوع ولكننا لم نكن نعلم عن حالة الناس شيئاً لأننا منقطعون للدراسة في المدرسة ولا نعلم بما يحصل للناس خارج المدرسة وخرجنا من صامطة صباح ذلك اليوم الذي أردنا فيه السفر فشربنا الشاي مع حبات مطبق قليلة قبل أن نركب السيارة إلى المحطة الأولى جازان وحتى جازان قبيل الظهر ودخلنا مطعماً هناك وطلبنا أكلاً فلم يعطنا إلا شيئاً قليلاً لكل واحد رغيف بحجم الكف ، وإيداماً عبارة عن صلصة فقط ورفض ان يزيدنا فقال لنا كبيرنا الشيخ علي فرحان نكتفي بما أعطانا ونركب إلى المحطة الثانية صبيا وهناك سنجد وجبة مشبعة ( كبسة ومرسة ) وركبنا سيارة شحن ( بيد فورد ) وبعد أن إكتمل الركاب إتجهت بنا لصبيا وكانت الطريق سبخه مما يلي جازان ورمال مرتفعة ومعاميل مما يلي صبيا وكانت تغرز في التراب بين مرة وأخرى وكان على الركاب أن يقوموا بحمل الصاجات ووضعها تحت العجلات حتى لا تغوص في التراب وفي بعض الحالات لا بد من دف السيارة بالأيدي من قبل الركاب وإستمرت الرحلة على هذا المنوال حتى غربت الشمس وتعطلت السيارة قبل الوصول إلى صبيا لكننا أصبحنا نرى المدينة فأخذنا امتعتنا ودخلنا المدينة وإتجهنا إلى إمرأة نعرفها تصنع الطعام للمسافرين فلما دخلنا عندها رفضت استقبالنا فإتجهنا الى امرأة اخرى وكانت الطف من الأولى فرحبت بنا وطلبنا منها تعمل لنا عشاء فاعتذرت لعدم وجود اي شئ يمكن طبخه فأحبطنا لأننا في حاجة ماسة للأكل فذهبنا إلى السوق نبحث عن أرز أو دقيق أو حب يطحن فلم نجد شيئاً ، وحينئذ تبادلنا الرأي فقال لنا كبيرنا الشيخ علي بن فرحان لنقوم بإستئجار دواب ( حمير ) ونهيأها للصباح وفعلنا ذلك ولما احضرنا تلك الدواب ربطناها بالقرب منا وطلبنا من المرأة التي نزلنا عندها ان توقظنا عند القيام للسحور حيث ثبت دخول رمضان ونمنا ولم يوقظنا أحد ولم نستيقظ إلا بعد ارتفاع الشمس فبحثنا لعلنا نجد شيئاً نأكله فلم نجد شيئاً فأرتحلنا إلى الحسيني وهي قرية تبعد عن صبيا شرقاً حوالي عشرة كيلومترات لأن فيها الشيخ حسن الحازمي وهو رجل كريم وصهر لأهل فيفاء وذهبنا إلى الحسيني ووصلنا قبل الظهر ولم نجد الحازمي ولم نجد في القرية احد من اهلها سوى امرأة عجوز وسألناها عن الحازمي فقالت : انهم قد رحلوا يبحثون عن الكلأ لدوابهم بسبب القحط فقال لنا كبيرنا الشيخ علي بن فرحان نواصل السير إلى الجرور وهي دمنة تقع شرقي الحسيني وتبعد حوالي خمس كيلومترات ولما وصلناها لم نجد فيها أحداً فقد أرتحل اهلها لشدة الجفاف والقحط ثم واصلنا السير ولما وصلنا دمنة ( قعاس ) والتي تبعد عن دمنة الجرور شرقاً حوالي خمس كيلومترات رأينا عشة فأتجهنا إليها فوجدنا رجلاً وطلبنا منه أي شئ ناكله فقال : إنهم لا يجدون شيئاً والناس ياكلون من ثمر ( الضبر ) شجرة معروفة هناك معمرة تثمر مراً لكن الجوع أمر منه فيأكلونه في السنين العجاف ثم واصلنا السير إلى قرية ( العيدابي ) وهي تبعد عن قعاس حوالي خمس كيلو مترات فلم نجد فيها احداً وواصلنا السير وفي وادي قصي الذي يبعد عن العيدابي حوالي خمس كيلومترات وجدنا سدراً قد بدأ يتمثل ثمره فأخذنا ناكل منه وواصلنا السير إلى عيبان وهو يبعد عن العيدابي حوالي خمسة عشر كيلومترات ووصلنا عيبان قبل غروب الشمس وبحثنا عن اكل فلم نجد شيئاً فأخذنا قليلاً من التمر ومعلبات اناناس وخرجنا من عيبان إلى مفتح السرب المعروف فأكلنا من التمر والأناناس وكان الجو حاراً وبطوننا فارغة فما وصل بطوننا حتى اصبنا بالإستفراغ ولم تمسك بطوننا شيئاً ثم واصلنا الصعود إلى اعلى الجبل مشياً على الأقدام ونحن نحمل دروسنا وملابسنا ووصلنا اعلى نقيل الشجنة عندما بدأ يدق الطبل في المركز لإيقاظ الناس للسحور ووصلنا إلى بيوتنا قبل الفجر وأذكر أنني لما طرقت الباب وكانت الوالدة قد قامت لإعداد السحور وفرحت بوصولي فرح الوالدة بولدها وكان معي زميلي فرحان بن سليمان الفيفي فطلبت منا الإنتظار حتى تصلح أكل السحور فأخبرناها أننا جائعون وطلبنا أي شئ نأكله فأحضرت لنا بقية من خبز العشاء ولبناً رائباً فلم اعلم كم اكلت وأخذت في سبات عميق إلى آخر النهار هذه الحالة تصور حالة الناس فس ذلك الوقت وما يعانونه من ضنك وشدة وايضاً تصور كيف أن الله يمنح العون والقوة فالمسافة التي قطعناها سيراً على الأقدام من صبيا إلى عيبان طويلة وفي وقت قياسي من الضحى إلى قبل غروب الشمس رغم ما نعانيه من الجوع والتعب ومع وجود الدواب معنا اي الحمير إلا اننا كنا نمشي أغلب الطريق لأن بها من الأعياء والهزال الشئ الكثير ثم صعدنا إلى الجبل مع تلك الحالة التي نحن فيها ونحن نحمل دروسنا واغراضنا ، هذا شئ لا يصدق في وقتنا الحاضر لأنه لا يستطيع أحد أن يمشي في وقتنا الحاضر جزءاً من تلك المسافة فضلاً عن المسافة كلها ومع ما بنا من المعاناة فسبحان الله واهب العون والقوة .

(3)
موقفي مع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


في يوم من الأيام أرسلت من قبل رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آنذاك إلى قرية أحد المسارحة لإستلام أغراض تخص زواجه , من شخص يدعى علي بن ناصر في مقابل أجرة قدرها ريالان ولشدة الحاجة رغبت في الحصول على هذا المبلغ فغامرت في الذهاب والخروج من صامطة إلى احد المسارحة بعد صلاة العصر في وقت كانت السماء فيه ملبدة بالغيوم وعندما أظلم علي الليل أصبحت لا أدري إلى أين أتجه وكنت حينها أرى بعض الأضواء فأذهب إليها علني أجد من أسأله عن الطريق لكنني كلما اقتربت من هذه الأضواء إبتعدت ولم أصل إلى مصدر هذا الضوء إلى أن أصبح الصباح وحينها شاهدت أطراف القرية فواصلت السير إليها ومن ثم توجهت إلى المكان الذي يتواجد به علي بن ناصر ولم أصل إليه إلا الساعة التاسعة والنصف صباحاً تقريباً وبعد ان تناولت طعام الفطور لديه مشى معي إلى الرجل الذي لديه الأغراض التي تخص الشيخ علي بن حمد وعدت إلى صامطة ولم أصل إلا مع غروب الشمس . وعلى الرغم من المصاعب والمخاطر التي واجهتها في هذه الرحلة الشاقة والخطيرة فإن الشيخ لم يفِ بما وعد ولم يدفع الأجرة التي غامرت من اجلها ريالان وكنت في أمس الحاجة لها ... لكنني حين علمت بوفاته بعد حين سامحته نسأل الله ان يعفو عنا وعنه .


س10. من هم زملائك القدماء الذين تعلموا على يد القرعاوي وما زالوا أحياء ؟

من زملائي الذين تعلموا على يد القرعاوي أو في مدارس القرعاوي فضيلة الدكتور الشيخ سليمان بن قاسم سلمان آل طارش ، والأستاذ حسن بن فرح الأبياتي ، وفرحان بن محمد جبران الخسافي ، وحسن بن أحمد يزيد ، وسلمان بن احمد يزيد ، ويحي سلمان المشنوي ، والشيخ يحي علي الحكمي ، والشيخ حسين ضيف الله والشيخ يحي بن محمد الحكمي ، والشيخ يحي بن حسين ضيف الله ، والشيخ إبراهيم بن حسين ضيف الله وغيرهم كثيرون .



س 11. شيخنا الفاضل : قبل إختتامنا هذه المرحلة من حياتك نود منك أن تحدثنا عن القرعاوي ومدارسه ومتى إنتهت مرحلة القرعاوي ؟

لقد كان من فضل الله تعالى على اهل الجزيرة العربية أن هيأ الله لها بفضله الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود في إستعادة ملك أبائه وأجداده فأنتشرت الدعوة في مناطق المملكة لتصحيح العقائد والقضاء على العادات المخالفة للشريعة وإعادة الناس إلى التوحيد الخالص من البدع والخرافات متخذاً منهج الداعية المجدد محمد بن عبدالوهاب في الدعوة والإصلاح المؤيدة والمدعومة من الإمام محمد بن سعود جد آل سعود والذي اعاد بإذن الله تعالى الشريعة الإسلامية غضة طرية كما أنزلت فاستضاءت نجد وما حولها ردحاً من الزمن ثم اعاد الإمام عبدالعزيز رحمه الله للأمة الإسلامية دعوة ذلك المجدد الفذ فأنار للناس الطريق المستقيم ببعث المرشدين والوعاظ إلى كافة أنحاء المملكة وأحاطهم بالدعم والمؤازرة وقد انتدب الله تعالى بفضله وكرمه الداعية المجاهد العالم الحكيم الحليم الشيخ عبدالله بن محمد القرعاوي رحمه الله رحمة واسعة لمنطقة جازان في وقت كانت قد شاعت فيه العقائد الشركية والدعوات المضللة والعوائد السيئة التي كانت قد تأصلت في معظم الناس وأصبح التخلص منها أمراً شاقاً ولكن بفضل الله ثم بحكمة الشيخ وحلمه وجهاده المستمر أستطاع رد الناس إلى دينهم السليم والقضاء على البدع والخرافات فانتشر التوحيد وتعلم الناس فحل العلم بدل الجهل والعدل بدل الظلم والألفة والمحبة في الله بدل العداوة والبغضاء فعم الخير جميع منطقة جازان بل تجاوزها إلى عسير ونجران والبلاد المجاورة ولا انسى فترة إقامتي في صامطة النهضة العلمية وإقبال الناس على التعلم رجالاً ونساءً كباراً وصغاراً وحتى تحولت البيوت المعمورة من القش في ذلك الحين إلى مدارس ، فما تمر بدار إلا وتسمع من يقرأ القرآن أو يتحفظ في متن من المتون أو مدرس يشرح الدروس لأهله وكانت المنافسة شديدة في التحصيل للعلم . كل ذلك بفضل الله ثم بجهود الشيخ عبدالله القرعاوي فهو المشير والمفكر والمنفذ ،وبدعم ومؤازرة من الملك عبدالعزيز رحمه الله .
وقد أثمرت تلك الدعوة في فترة وجيزة من عام 1358 هــ إلى 1380هــ ولا زالت ثمارها تتواصل بفضل الله ثم بفضل طلاب الشيخ الذين اتخذوا من أسلوبه منهجاً في الدعوة والإصلاح وذلك بالإضافة إلى العديد من المعاهد العلمية في المنطقة والتي هي إمتداداً لمدارس الشيخ عبدالله القرعاوي والتي أثمرت بدورها ثماراً طيبة جداً في النهضة العلمية بالمنطقة . الحديث عن مدارس الشيخ عبدالله بن محمد القرعاوي يحتاج إلى بسط كثير لشرح بدايته في الدعوة إلى الله في منطقة جازان وأسلوبه في إستقطاب الناس وتاثيره فيهم وحرصه على لم الشمل بالمودة والأخوة الإسلامية وبالتضحيات المادية والمعنوية .
وتاريخ الشيخ عبدالله القرعاوي حافل بالإنجازات العظيمة وقد ألف عنه فضيلة الشيخ علي بن قاسم بن سليمان كتاباً سماه السمط الحاوي ، كما ألف عن حياته وجهاده الشيخ موسى بن حامد السهلي والشيخ عمر جردي كتاب اسماه النهضة الإصلاحية في جنوب المملكة العربيه السعودية لصاحبها فضيلة الشيخ عبدالله بن محمد القرعاوي .
وإنتهت مدارس القرعاوي في عام 1377هــ تقريباً ولكنها لم تنته ثمارها اليانعة أسأل الله رب العرش العظيم أن يجزيه خير الجزاء ويعظم له الأجر والمثوبة ولكل من آزره وساعده على جهوده وجهاده .




في حلقتنا القادمة من حوارنا مع الشيخ الفاضل سنتناول حياته بعد إنتقاله للدراسة في الرياض وما أحاط بها أيضاً من المشاق والصعوبات كونوا معنا ومن كانت له إستفسارات ستصلنا عبر نموذج مراسلة مدير العلاقات العامة بالصفحة الرئيسية ونقوم بإرسالها للشيخ


بواسطة : faifaonline.net
 11  0  2543
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:26 مساءً الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.