• ×

01:01 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

ذكريات مع الأديب الراحل الأستاذ/ سلمان بن محمد الحكمي الفيفي رحمه الله رحمة واسعة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ذكريات مع الأديب الراحل الأستاذ/ سلمان بن محمد الحكمي الفيفي رحمه الله رحمة واسعة

بقلم : الأستاذ/ يحيى بن سليمان قاسم الفيفي .


وقد حرك هذه الذكريات لفتة الوفاء التي تبناها النادي الأدبي في الحدود الشمالية حين دعا الدكتور عبد الله بن أحمد الفيفي لإحياء أمسية عن الأديب الراحل/ سلمان بن محمد الحكمي الفيفي وتلك المبادرة غير مستغربة من أهل عرعر لما عرف عنهم من شيم الرجولة والوفاء والتي يلمسها كل من عاش في تلك الربوع ، وهذا ما دعا الأديب الراحل للإقامة فيها رغم بعدها الجغرافي والطبوغرافي عن جبال فيفاء مسقط رأسه ومرتع صباه ورغم حنينه المتوقد لفيفاء والذي لم يخبو يوما فتراه يبثه في أشعاره وفي شتى المناسبات ، فجزى الله القائمين على النادي وأهالي عرعر الأوفياء والدكتور عبد الله الفيفي خير الجزاء عن هذه اللفتة الكريمة المباركة.
والأديب الراحل لي معه ذكريات جميلة أحببت أن أشارك بها بهذه المناسبة فقد عرفت الأستاذ/ سلمان في فترة طفولتي في صورة أشبه بالخيال لفارق السن فقد سكن والدي حفظهما الله مدينة الرياض وفي فترة من الفترات في حدود عام 1387هـ كنا نسكن في منزل مجاور للمنزل الذي يسكن فيه الأستاذ سلمان مع أخيه الشيخ/ يحيى محمد حفظه الله في حي العود وهو من الأحياء القديمة المعروفة في الرياض ، وكان الأستاذ سلمان حينها في يدرس على ما أظن في كلية اللغة العربية وفي تلك الفترة تقريبا سجلت في المرحلة الابتدائية ثم افترقنا بانتقالنا إلى منزل في حي آخر ثم انتقالنا إلى منطقة أخرى من مناطق الخليج العربي فيما كان يعرف آنذاك بالإمارات المتصالحة والتي هي الآن دولة الإمارات العربية المتحدة.
ثم عدت بعد تخرجي من المرحلة الجامعية للعمل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في عام 1405هـ في الإدارة الهندسية بالرياض فتعرفت مرة أخرى على الأستاذ سلمان وكان حينها مديرا للمعهد العلمي في عرعر التابع للجامعة فعرفته تمام المعرفة بحكم موقع عملي فكانت الأمور الفنية التي يحتاجها المعهد تمر على الإدارة الهندسية ولفت انتباهي ما تلقاه كتاباته للجامعة - رغم رسميتها - من اهتمام فيتناقلها المتذوقون للأدب في الجامعة لما تفيض به من أدب راقِ وأسلوب شيق سواء النثرية منها أوالشعرية ، بل ذكر لي بعض الزملاء الذين هم أقدم مني أنه جاء أحد خطاباته للجامعة في فترة سابقة والذي كان في شأن من شؤون المعهد واحتياجاته ولكن لم يكن عل الشكل المألوف للخطابات الرسمية بل كان على شكل قصيدة شعرية جميلة ولم يخرجها سياقها الشعري عن الوضوح والتركيز المطلوب في الخطابات الرسمية فتناقلت الأيدي ذلك الخطاب القصيدة وكل مسؤول يحيله للآخر عله يجد من يجيبه بنفس الأسلوب حتى وصل لوكيل الجامعة لشؤون المعاهد العلمية آنذاك الشيخ/ عبد الله بن سعد السعد رحمه الله فشرح على الخطاب القصيدة بأن يجاب نثرا.
وفي أحد الخطابات التي اطلعت عليها وكان يفيض بالعبارات الأدبية الجميلة بخط يده الجميل وكان في وقت قلصت فيه ميزانية المشروعات للظروف الاقتصادية التي كانت تمر بها المنطقة فشكى الأستاذ سلمان للجامعة مايجده من تأخر المشروعات في المعهد رغم أهميتها ورغم تكرار طلبه فيقول في خطاب رقيق يفيض بالعتب الراقي المتأدب حفظت منه بعض العبارات الجميلة حيث يقول رحمه الله: \" فما بالي أطلب وألح في الطلب وينفذ لغيري كأنني آخذ بالقرنين وغيري يحلب ، ومدير الإدارة الهندسية سلمه الله أرقي عليه وأنفث وهو يغزل لي وينكث ، ومع ذلك لازلت أطلب واستجدي حتى كدت أن أحترف الكدية أو أشحذ المدية \" ولقي ذلك الخطاب قبولا واهتماما من الجميع ومدير الإدارة الهندسية الذي ورد ذكره في الخطاب بينه وبين الأستاذ سلمان مودة واحتراما عظيمين فلم يكن لهذا الخطاب إلا زيادة المودة بينهما وأدلل على ذلك بأنه عندما عزم مدير الإدارة الهندسية على الانتقال للعمل وكيل مساعدا لوزارة الشؤون الإسلامية أقام له زملاؤه في الجامعة حفل توديع وأبلغت الأستاذ سلمان بذلك فحرص على الحضور ولكن لم يتمكن لتعارض الموعد مع موعد الاختبارات النهائية في المعهد فأرسل مشاركة عبارة عن قصيدة جميلة يقول في مطلعها :


ياشعر هل لك في وداع الأمثلٍ = ممن عرفت من الرجال الكُملِ
من أخوة الدين الحنيف ومن له = سيما الكرام من الرعيل الأولِ
ونعيت الأستاذ سلمان لمدير الإدارة الهندسية فحزن عليه كثيرا وعتب علي أكثر لأنني لم أبلغه بوجود الأستاذ سلمان في الرياض في فترة مرضه الذي توفي على إثره.
والأستاذ سلمان رحمه الله غزير الشعر سريع البديهة يأتيه الشعر طيعا وليس أدل على ذلك من قصيدة التوديع التي أوردت مطلعها في أعلاه فقد أتحفنا بها في وقت وجيز رغم انشغاله بلجان الاختبارات في المعهد ، كما يدل على ذلك ما ذكره لي العم الشيخ/ علي بن قاسم حفظه الله حيث أطلعه العم على الحورات الشعرية التي دارت بينه وبين الشيخ راشد بن خنين المستشار بالديوان الملكي حيث تقابلا في قصر السلام في جدة فاستثاره الشيخ راشد ببيت شعر كتبه على قصاصة ورق قال فيه:

علي بلا فيفا وفيفا بدونه = فكيف استطاعا العيش بعد التفرق
فأجابه العم علي على نفس الورقة :

مقادير ربي في اجتماع وفرقة=ومكة أولى يا أخي بالتعلق
وعارض تلك الأبيات عدد من الأدباء ولكن الشاهد أن العم علي يقول أنه اتصل بالأستاذ سلمان في إحدى الليالي في وقت متأخر واسمعه تلك المحاورة التي دارت بينه وبين الشيخ إبن خنين وبعض القصائد التي عارضتها فإذا بالأستاذ سلمان يتصل في صباح اليوم التالي ليملي على العم علي قصيدة رائعة يقول في مطلعها:
على شاطئ الأخطار أسرجت زورقي = وأطلقته في عيلم متدفق

يسير مع التيار حينا وينثني = إلى لجة من موج هوجاء مغرق
نصبت شراع الريح ينصاع مرغما = إلى مغرب حينا وحينا لمشرق
حتى يقول:

وقد ذكراني ديرة سف ترابها = فؤاد مليء بالأسى والتمزق
لك الله يا أرض الرباب وليتني = ربيبك مد العمر ياشبه جلق
أغازل حبات اليعاليل غازلا= نسيجا من أفوف السحاب المرقرق
وعلى ذلك المنوال نسج قصيدة جزلة غزيرة المعاني من اثنين وعشرين بيتا وفي وقت قصير لا أظنه يتجاوز الساعات العشر وقد أورد العم علي تلك المحاورة في ديوانه المطبوع باسم \" ومض الخاطر\" .

وقد توفي أديبنا الكبير الأستاذ/ سلمان بن محمد الحكمي الفيفي - رحمه الله في مدينة الرياض يوم الثلاثاء السادس عشر من شهر رمضان من عام 1421هـ ودفن في مقبرة النسيم بعد صلاة التراويح وقد زرته رحمه الله أكثر من مرة في منزل إبن أخته الدكتور/ عبد الله بن أحمد الفيفي في إسكان أعضاء هيئة التدريس بجامعة الملك سعود وقد كان في صراع مع المرض العضال الذي أصابه في الكبد وجاء الطبيب يؤكد له استفحال المرض لديه ودنو أجله فلم يزده ذلك إلا ثباتا ويقينا فلم يظهر الجزع بل كان يحسن الظن بالله كثير الحمد له يخفي آلامه و يلاطف زائريه كباراً وصغاراً يتحامل على نفسه فيأبى إلا أن يستقبلهم واقفا ويودعهم واقفا ، وقد كتب هذه القصيدة في أيام مرضه الأخير وأحسبها آخر قصيدة كتبها :



تأزنــــي الطعنة النجلاء في كبدي = فأتقيــــها بذكـــر الواحــــــــد الصمد
أحس يا بارئـــي التمزيق في بدني = فاجعل لهيــــب المدى يا رب كالبرد
كأن قلبي على الســــــــفود يحرقه = في جاحــــم النار يوما كـــــف مفتئد
يقول لي حضــــرة الدكتور لا أمل = فقلت لكن على ذي العرش معتمدي
ثم السـلام علــــــيكم ليس بي وجل = مما أتاني من الرحــــمن يا ولــــدي
ولا ألومــك يا دكتــــــور لا عتــبٌ = رغم الجلافة والإعــــراض والصيد
لا تيأســــــن أيها الآسي فأنت على = ما قـــدر الله لم تــــــنقص ولم تزد
إن المنايا لكل الــــــــناس مرصـدة = فهل هناك من ينــــجو من الرصد ؟
والموت حــــــق فلا أخشى بوادره = وسوف ألقاه بالتوحـــــــــــيد والجلد
وكيف أخشى سهام الموت تفتك بي = ولست أملك لا روحــي ولا جسدي
وليس خلـــــــفي من أخشى تيتمهم = بعدي ولا لي من المـــال ملء يدي
وقد أخذت من الدنـــــــيا بهارجها = وغرني مثل غـــيري كــــــثرة الزبد
في كل جارحــــــــــة ذنب يؤرقني = رباه لم أستـــــقم وامتد بــــي أودي
يا رب لو عَــــدُّ ذنبي كالمحيط لما = رددتني خــــــــائبا غرقان في العدد
يا منقذي من لهيــــب النار يا أملي = يا خالقي صب نور العفو في خلدي
والمسرفون على أنفســــهم فزعوا = فقلت : لا تقنــــطوا من رحمة الأحد
يا سعد من نعــــمة الإسلام تغمره = ومن خلا قلـــــــبه من وصمة الحسد
يا قابـل التوب امح الذنب عني فقد = مزجت بيــــــن طريق الغي والرشد
لكن يقيني بعــــــــــفو الله يحفزني = أن لا أخــــاف من التعذيب يوم غد
فالله معتصـــــمي بل منتهى أملي = والله ملتــــــجئ واللـــــــــه مستندي
يا رب إن كان خيرا لي البقاء فهب = لي من دوائــــك ما يشفي من الكمد
فأنت أذهبـــــــت عن أيوب محنته = في شـــــــــدة الكرب مناً منك بالمدد
يا ذا الطبيب الذي أعلنت فاجعتي = أما تــــــرى أننـــــي كالضيغم الحرد
لم أهتزز عندما قالوا كذا مرضي = بل زادنـــي قــــــوة إذ لم يطل أمدي
وقد يموت المرء من غير ما مرض = بل كان يختال في النعماء والرغد
لكن موت أخـــــــي قد شل مقدرتي = وكاد يخنـــــــــقني حبل من المسد
بكيت سرا وجهـــــرا عندما سمعت = أذني بنعي أخـــــــي لله يا عضدي
والحمد لله ملء الكــــــــــون خالقنا = ثم الصلاة على الهــادي مدى الأبد


رحمك الله يا سلمان رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته وجعل ما أصابك
في موازين حسناتك وجمعنا الله بك في دار كرامته في غير ضراء مضرة
ولا فتنة مضلة.
هذه بعض ذكرياتي مع الأديب الراحل ، وأعيد فأكرر شكري للنادي الأدبي في مدينة عرعر على لمسة الوفاء هذه والشكر موصول لسعادة الدكتور/ عبد الله بن أحمد الفيفي على إحياء تلك الأمسية وعلى جمعه تراث شاعرنا الفذ.

 5  0  1771
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:01 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.