• ×

09:03 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

الوقت ومفهوم البشر

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الوقت ومفهوم البشر
بقلم أ. محمد بن سالم سليمان الفيفي



[HR]

كثيراً ما نسمع كلمات من هذا القبيل \" لا تهدر الوقت \"، \" اغتنم الوقت \"، \" الوقت كالسيف أن لم تقطعه قطعك \" ... الخ. وعدم إهدار الوقت شيء مطلوب لأن الوقت هو حياتنا، وإذا نظرنا للناس عند تعاملهم مع الوقت عندها ينقسم الناس إلى ثلاثة أقسام؛ قسم وسط وقسمين على طرفي نقيض ... القسم المتوسط في هذا الأمر لا خلاف معه ولا لوم عليه لأن الوسطية مطلوبة في كل أمور الحياة صغيرها وكبيرها ... الخلاف والإشكال ينصب على من يهدر وقته ولا يقيم للوقت وزناً ... يعيش ساعات الشدائد كساعات الرخاء، مهمل في كل شيء يتعلق بالحياة ... مستهتراً في أموره كلها قدم إلى الدنيا وعاش فيها سنوات طويلة ثم ذهب ولم يقدم شيء ذو فائدة لا له ولا لمجتمعه ... عاش كالبهائم ملأ الدنيا ضجيجاً ثم رحل عنها في صمت، وهؤلاء كثر وهم جل أبناء مجتمعنا تبحث عن الأشياء المفيدة في حياتهم فلا تجد شيء ... ثقافتهم دون الصفر، وعلومهم الضحلة قد تجمدت فأصبحت كالصحاري الجليدية؛ خيم عليها صمت كصمت القبور، ومعارفهم لا وجود لها لأن ركام السفاهات قد أخفى كل شيء في حياتهم، فأصبحت تلك المعارف وتلك العلوم مدفونة تحت أطنان الحمق والسفه الذي يعيشونه ... لا هدف لأجله يعيشون، ولا همه لهم في تخليد أسمائهم بعد مماتهم؛ أو تقديم ما به يسعد مجتمعهم بعد رحيلهم، فساروا على درب التخلف، ولحق بهم أبنائهم وأحفادهم من بعدهم فهم على خطى أبائهم يسيرون، وعلى درب أجدادهم ينطلقون.
ثم أولئك الذين يرون أن الوقت ليس إلا للعبادة وللعبادة فقط - حتى نسوا لماذا جعلهم الله من البشر وليسوا من الملائكة - نسوا أن هنالك أوقات يكون فيها ترك العبادة لله عبادة ... الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان للعمل وللعبادة، وبهذا انقسمت حياته بإرادة الله إلى قسمين قسم ملائكي وقسم حيواني، إذاً فلا معنى لأن يقضي جل وقته راكعاً وساجداً لأسباب منها أن هذا من اختصاص الملائكة الذين لم يخلقوا إلا لهذا، ومنها أن البشر قد تنوعت أعمالهم ما بين عبادة لله في أوقات معينة، وسعي في الأرض لجلب الرزق في أوقات محددة، وإراحة للبدن بالنوم في أوقات أخرى وهذه هي الحياة، ومنها أن محاولة الإنسان صرف وقته كله في العبادة خروج عن الغاية التي من أجلها أوجده الله، فالله خلق الإنسان ليعمر الأرض بوجوده عليها، ولو كان خلق للعبادة فقط لنتفت هذه الغاية ... قد يحتج البعض بقوله تعالى: ] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [ { الذاريات: 56 }، إن هذه العبادة التي أرادها ليست أفعال الصلاة والصوم وغيرها من العبادات فقط، إن الذي أراده الله في هذه الآية بالإضافة لأفعال العبادة في أوقاتها فقط، أن تكون حركات الإنسان وسكناته في الحياة عبادة له، يتوجه بها إليه سبحانه وتعالى حتى لو كان ذلك الفعل هو النوم أو غيره، والدليل على ذلك قوله تعالى: ] قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ { الأنعام: 162 }.
فالحياة أفعال في أوقات اليقظة وهي المحيى في الآية، والموت هو الخلود للنوم إذاً فحتى النوم فيه عبادة؛ ولا يعقل أن يراد بالموت في الآية مغادرة الإنسان للحياة لأن هذا ينتفي عقلاً فكيف يأمر الميت بأن يصرف موته لله وهو لا يستطيع التصرف الأصل، وليس باختياره.
الخلط بين الغاية من خلق الإنسان، وبين الطاعة والعبادة بأفعال معينة لا شك أنه خلاف إرادة الله، لأن الله أراد من الإنسان أن يربط وجوده به في كل أفعاله حتى في أثناء الجماع وهو فعل مستقبح ولذة محضة، فمن أوجد الأفعال والأقوال في البشر أوجد لها نية متعلقة بها تقودها إلى الخير أو إلى الشر، إذاً فهذه هي المحافظة على الوقت بأن يتذكر به خالقه في كل حين؛ لا أن يرى أن الحياة كلها معصية إلا فعل العبادة القولية أو الفعلية المحضة دون الحياة بأسرها ... المحافظة الحقيقة على الوقت هي أن ينوي الإنسان بكل أفعاله وجه الله تعالى حتى في سيره وتأمله ووقوفه ونومه وشربه وأكله، وأما غير هذا فغلو وتطرف وجنوح عن الحق.



 6  0  702
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:03 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.