• ×

11:26 صباحًا , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

تأملات في الزمن

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تأملات في الزمن
بقلم الأستاذ : محمد بن سالم سليمان الفيفي


[HR]

رحلة الزمن هذا هو الوجود رحلة عبر الزمن باختلاف أبعاده، وأماكنه. فالزمن له أفلاك
عديدة يسير فيها فبسببها قد يسرع أو يتباطأ بحسب التقدير الإلهي في الحجم والكتلة.
رحلة الزمن رحلة عبر الكون كله، ووجود الكون رحلة عبر الوجود الأزلي تمتد بامتداد الوجود إلى انقضاء الزمن المحدد له، وبذلك يضمحل الوجود ويحل محله العدم الأول.
متى كانت بداية الزمن؟ هذا علمه عند الله سبحانه وتعالى فهو المتفرد بمعرفة تلك البداية وتلك النهاية، لكن ما الحدث الذي جعل الوجود رحلة تقطع الزمن منذ بدأ ذلك الحدث ... الحدث هو ذلك الانفجار الأعظم الذي قال الله عنه:  أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا  { الأنبياء: 30 }، فالله محدث هذا الكون وبحدوثه بدأ الزمن رحلته يعبر الوجود من الماضي إلى المستقبل فقط.
رحلة الزمن هل من الممكن أن تتوقف؟ سؤال لا إجابة له لأن الزمن ليس منفرداً بل هو مصاحب للوجود، فلن يتوقف ما لم يتوقف الوجود، وما دام أنه يساير الوجود فليس هناك ما يوقفه ... الزمن قد يكون له شيء يدل عليه مثل تعاقب الليل والنهار، وقد يوجد بلا دليل يدل عليه ومع ذلك فهو مستمر في المضي قدماً.
ثم هل من الممكن أن يوجد الزمن في العدم أم أنه لا ارتباط له إلا بالوجود؟ هل الوجود والزمن شيئان مترابطان - كترابط الروح والجسد - إذا انعدم أحدهما انعدم الأخر فلا يكتمل وجودهما إلا باندماجهما، أم أن كلاً لوحده؟ ... القاعدة تدل على أن كلاً لوحده لأن الزمن لا وجود له في العدم فوجود الزمن مرتبط بحدوث الوجود، إذاً فالزمن لا بدله من الوجود لكي يكون موجوداً، ولكن الوجود ليس من المستحيل أن يوجد في غير الزمن. قد يكون للعدم وجود في الزمن، ولكن لا يمكن أن يوجد الزمن في العدم.
رحلة عجيبة يتصاحب فيها الوجود مع الزمن، فالوجود مصطحب للزمن معه على الدوام، فرحلة الزمن عبر الوجود رحلة زمنية لا تنتهي إلا بالانتهاء الكلي للوجود، لكن الوجود رحلة عبر الكون لا يشترط فيها وجود للزمن ... تلك الرحلة التي ليس لها إلا اتجاه واحد فقط تسير فيه من الماضي إلى المستقبل، ولا يمكن بحال من الأحوال الرجوع فيه إلى الماضي إلا في ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون للزمن تركيب أخر يسمح له بأن يوجد في العدم لكي تكون له أبعاد كأبعاد الوجود، أو أن يكون للوجود تركيب أخر يسمح بوجود الزمن في العدم بأبعاد كأبعاد الوجود أيضاً وكلا الأمرين لا وجود لهما.
الثاني: أن يتوقف الزمن وهذا أيضاً محال لأن توقف الزمن لن يحدث إلا مع توقف الوجود.
الثالث: الانطلاق عكس الزمن بسرعة تفوق سرعة الزمن وهذا لا وجود له في عالم البشر.
رحلة الزمن رحلة عجيبة غريبة تقطع الوجود قادمة من الماضي متجهة إلى المستقبل ... لماذا هذا البعد الواحد بالنسبة للزمن، والذي يسايره فيه الوجود المتعدد الأبعاد؟
الجواب قوله تعالى:  وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ  { الذاريات: 47 }، إذاً فالاتساع في الوجود هو سبب البعد الواحد للزمن وسيره في اتجاه واحد إلى الأمام ببطءٍ متناهٍ حتى لو كانت سرعته في العدم مهولة ... وأما رجوع الزمن إلى الخلف إذا حدث ذلك فقد يكون بسرعة مهولة يعجز العقل عن استيعابها، تعيد الوجود والزمن إلى نقطة الصفر، أو نقطة البداية، أو نقطة الانطلاقة الأول ... تشبه في ذلك الخلايا المطاطية التي تستمر في السير قدماً إلى الأمام مادام المؤثر موجوداً وإذا توقف المؤثر رجعة إلى نقطة البداية بسرعة مذهلة ... ما هو ذلك المؤثر الذي يدفع الزمن إلى المستقبل؟ إنه الانفجار الأعظم قال تعالى:  أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا  { الأنبياء: 30 }، فالفتق هو الانفجار فلا زال الزمن يتقدم إلى المستقبل بفعل ذلك الانفجار ولكن إلى متى؟ العلم عند الله وحده.
ولكن بعد التوقف وزوال المؤثر سيعود الزمن والوجود إلى ما كان عليه قبل البدء قال تعالى:  يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ  {الأنبياء: 104}، إذاً فعودة الزمن في رحلة إلى الماضي رحلة محتومة، ولكن ستكون سرعتها مختلف فلن تكون بطيئة أبداً كما هي الآن ... وهنا يطفو سؤال جديد. هل لا زال الزمن ذي بعد واحد بعد هذه الآية؟ أم أن له بعدين مختلفين في الامتداد والسرعة؟
فليرحل الوجود والزمن في تلك الرحلتين العظيمتين ... رحلة الزمن رحلة عبر الأيام عبر الضياء والظلام، ورحلة الوجود رحلة عبر الزمن وعبر الاتساع. هذا هو لغز الوجود والزمن فهل من إجابات لتساؤلات البشر عن هذا الإعجاز في ملكوت الله؟


 0  0  813
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:26 صباحًا الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.