• ×

09:00 مساءً , الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016

أمانة الكلمة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أمانة الكلمة
كتبها : سليمان بن حسن الفيفي


[HR]
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجه وعظيم سلطانه أحمده وأشكره وأخلع وأترك من يفجره والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة صاحب الشفاعة والحوض وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا أما بعد :

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته


___أحبتي القراء لا يخفى على الجميع الأمانة العظيمة التي تحملها الإنسان والكلمة هي ضمن هذه الأمانة .
فحينما عرضها الله ـ تعالى ـ على السموات فأبت أن تحملها وعرضها على الجبال فأبت أن تحملها وعرضها على الأرض فأبت أن تحملها ثم عرضها على الإنسان فتحملها فكان ظلوما جهولا .
فالكلمة أمانة في ذمتك عند الله ـ تعالى ـ ولا شك أن الإنسان مؤتمن على كل كلمة تصدر منه سواء تكلم بها لسانه أو كتبتها يده في رسالة جوال أو في رسالة ورقية أو عبر المواقع والإيميلات في الانترت فهي كلمة له أجرها إن كانت خيرا وعليها وزرها إن كانت شراً .

وإنه ليوجد من يقول على الله بلا علم، فيفتي في الدين بجهل، ويتكلم في المعتقدات والعبادات بلا ورع ولا تقوى ، وهو عند نفسه مصيب، وغيره مخطئ ، فإن وافقته على رأيه وفتواه فأنت ولي صالح، وإن خالفته فأنت ضال منحرف، وأي لفظ يأتي على لسانه يتلفظ به، وأي خاطرة تحضره يلقيها على عواهنها ، وإذا سل قلمه على صفحات الإنترنت فالويل لمن قصده، فلا تسمع إلا سبًّا وشتماً ، فليس عليه من الله رقيب ولا حسيب ، فهو إما ساب أو شاتم ، أو مضلل مفسق ، أو مبدع ، أو مكفِّر لا يبصر الحسنات ، لا يعترف بالصواب، لا يرى الإيجابيات، لا يعجبه الفضل، بل يجمع الأخطاء ويقتنص الزلات، ويفرح بالعثرات .
والله ـ تعالى ـ يقول : (( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )) (قّ:18) ، فكل ما يتكلم به الإنسان محصى ومسجل عليه ، وسيجده في صحيفة أعماله يوم القيامة ، نسأل الله السلامة .
وقد أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام إلى أهمية الكلمة وخطورتها ، فقال :(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا )) ، فبالكلمة يدخل الإنسان الإسلام ، وبها يخرج منه ، وبنطقها قد يقام عليه الحد ، أو يغفر له الذنب ، فهي إذن سلاح ذو حدين ، قد يؤدي إلى الحياة الطيبة والإعمار في الدنيا والسعادة في الآخرة ، وقد يؤدي إلى الخراب والهلاك الدنيوي والعذاب والجحيم الأخروي .
وما دام أن الكلمة بهذه الخطورة ، فهي إذن أمانة يجب رعايتها والقيام بها على الوجه المطلوب حتى ينجو المسلم من تبعاتها ، حيث غفل عن ذلك كثير من الناس ، فأصبح أهون ما عليه إخراج الكلمة دون تأن أو تحر لتبعاتها ، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم نفى كمال الإيمان عمن لا أمانة له ، فقال (( لا إيمان لمن لا أمانة له )) ، ومن ذلك : أمانة الكلمة .

وقد تكون الكلمة التي يخرجها القلم أخطر من الكلمة التي يتفوه بها اللسان ، لعظيم أثر القلم وسرعة انتشاره في هذا الزمن عبر الانترنت فكم من إنسان اليوم يتوارى خلف شاشة الكمبيوتر وتنطلق أصابعه بكل قبيح من خلال لوحة المفاتيح ! ، وكأنه قد نسي أو تناسى أنه وإن خفي ما كتبه على الخلق ، فإنه لا يخفى على من لا تخفى عليه خافية ، وعند الله تجتمع الخصوم يوم القيامة .

ومما يساعد على انتشار الكلمة رسائل الجوال فقد أخذت الحظ الأكبر في سرعة الانتشار فمجرد أن تكتب رسالتك ثم تعطيها أمر إرسال إلى مجموعة من الناس فإذا بكل واحد يبادر بنشر هذه الرسالة إلى مجموعة آخرين وهكذا ولا يدري المرسل الأول أنه يتحمل وزرها إن كانت شراً ووزر كل من أرسلها ونشرها ووزر كل من عمل بمقتضاها إلى يوم القيامة .

وقد ينسى أن هذه الكلمة قد تبلغ الآفاق ، فإن كانت كذباً وافتراء ، فقد عرض نفسه للوعيد ، كما في حديث الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم وجاء فيه قول جبريل له : (( وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ وَمِنْخَرُهُ إِلَى قَفَاهُ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ فَتَبْلُغُ الآفَاقَ )) .
أيها الأحباب : وإن من أخطر المصائب على الأمة تكلم من لا يحسن، وفتوى من لا يتقن، وتصدر من لا يفهم ، وما أكثر هذا في زماننا وهناك من تجده مشغول بعيوب الناس متشائماً مكدراً منغصاً، و لديه حاسة قوية في تصيّد الأغلاط، فإذا سمع خطبة لم يذكر منها إلا الأغلاط وإذا قرأ كتاباً غفل عن فوائده وأخذ يعد لك الأخطاء ، وإذا مدحت له شخصاً قال لكن فيه كذا وكذا، فلا يرى إلا الجانب المظلم .
فما أجمل الإنسان إذا كان سليم الصدر، حسن المنطق، رفق بالناس، متواضع لعباد الله ، بعيد عن الغيبة، طاهر السريرة، صافي المنهج ، صحيح اليقين ، كريم النفس ، مقبول عند العام والخاص .



وما من كاتب إلا سيفنى=ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء= يسرك في القيامة أن تراه

 10  0  801
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:00 مساءً الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016.