• ×

10:55 مساءً , الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016

ثقافة الصراخ

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ثقافة الصراخ
بقلم الاستاذ : يحيى يزيد سلمان الفيفي


[HR]

أصبحت ثقافة الصراخ ورفع الصوت بقدر الإمكان هي الثقافة السائدة عند كثير من الناس, - حتى لو استدعى الأمر بعد ذلك زيارة طبيب الأنف والإذن والحنجرة لفحص الحبال الصوتية - فما إن ينشب خلاف بين أفراد أو جماعات إلا وتسمع الصراخ يدوي في أرجاء المكان , وذلك لاعتقاد البعض أن رفع الصوت يعد ركناً مهماً من أركان كسب القضية وإظهار الطرف الآخر بمظهر المعتدي , إضافة إلى اعتقادات أخرى منها .
أن الأكبر سناً هو الأصدق في دعواه دائماً , على افتراض أن كبر السن يجعل الإنسان يعرض عن الدنيا ويقبل على الآخرة , فهو يفتح أبواب الخير ويغلق أبواب الشر فلا يمكن أن يختم حياته بالخصومات وجلب الضر للناس والاعتقاد الآخر أن أصحاب الهيئات والمكانة الاجتماعية والأنساب العريقة دائماً هم الأصوب والأصدق في دعواهم , وأن من يخالفهم أو يدافع عن ممتلكاته من بطشهم يكون محدث فوضى ومثير شغب .

ففي المحاكم صراخ وعويل , وفي الشارع صراخ وتهديد , وفي مجالس الصلح صراخ وتقطيب جبين , سباق محموم , وتنافس غير شريف من يكسب الرهان , كل يزأر ويزمجر , من يرفع صوته أكثر !! ينثر كل واحد منهم الأيمان الكاذبة ذات اليمين وذات الشمال , سعياً لكسب العطف والحصول على أكبر قدر من التأييد ضد خصمه .

تعج المحاكم بدعاوى كيدية , أساسها الطمع والجشع , وأسها حب الظهور وقهر الضعيف , هذا يقتطع أراض وذاك يحلف في ديون مالية , وثالث يأتي بشاهد لم ير ولم يسمع( يعني شاهد ما شاف حاجة ) .

عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :\\\" لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم , لكن البينة على المدعي , واليمين على من أنكر \\\" [ حديث حسن رواه البيهقي ]

والمعنى لو كان من أدعى شيئاً عند الحاكم يعطاه بمجرد دعواه بلا بينة , لكان هناك من بني آدم من يغدو إلى المحاكم خماصاً ويروح بطاناً بأموال الناس ودماءهم .
وبعض الناس آتاهم الله تعالى براعة في الإقناع , وبلاغة في اللسان , وقوة في البيان , فا استخدموا تلك النعمة في عكس ما خلقت من أجله , فأخذوا في التدليس على القضاة , بسحر كلامهم فيقضي لهم لأنه بشر يقضي على نحو ما يسمع . وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه :\\\" إنكم تختصمون إلي , ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض , فأقضي له على نحو مما أسمع منه , فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً , فإنما اقطع له قطعة من النار \\\" متفق عليه , و في لفظ :\\\" فإنما أنا بشر , وإنكم تختصمون إلي , ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من أخيه , فمن قطعت له من أخيه شيئاً , فإنما أقطع له قطعة من نار , فليأخذها أو ليذرها \\\".

إن أصحاب المكائد الباطلة يجب أن تضيق عليهم الأرض بما رحبت وألا يجدوا لهم أرضاً تقلهم , ولا سماء تضلهم في واقع الحياة, مهما رفعوا أصواتهم , ومهما أجلبوا بخيلهم ورجلهم , وأن يتم التعامل معهم بذكاء إياس , حتى لا يكون أمامهم إلا الاعتراف بالواقع , فلا يجدون مهرباً من قول الحق .

قال أبو الحسن المدائني : تنازع إلى إياس رجلان , ادعى أحدهما أنه أودع صاحبه مالاً , وجحده الآخر , فقال إياس للمدعي : أين أودعته هذا المال ؟ قال : في موضع كذا وكذا , قال : وما كان في ذلك الموضع ؟ قال : شجرة . قال : فانطلق فالتمس مالك عند الشجرة , فلعلك إذا رأيتها تذكر أين وضعت مالك .

فانطلق الرجل , وقال إياس للمطلوب : اجلس إلى أن يجيء صاحبك .
فجلس , فلبث إياس ملياً يحكم بين الناس , ثم قال للجالس عنده : أترى صاحبك بلغ الموضع الذي أودعك فيه ؟ قال : لا
قال : يا عدو الله إنك لخائن .
فأقر عنده فحبسه , حتى جاء صاحبه , ثم أمره بدفع الوديعة إليه .

 3  0  951
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:55 مساءً الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016.