• ×

09:03 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

ثقافة الهلع

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ثقافة الهلع
بقلم الأستاذ : علي بن جابر الفيفي


[HR]

مشكلة كبيرة إن تحوّل التهافت النفسي إلى فكر ؟ والحالة المرضية إلى ما نظنّه حراكا ثقافيا ! وصار الجمهور يواجَهون باعترافات كان يفترض أن تُقال في مصحة ، ويحللها طبيب نفسي ليكشف من خلالها ماهيّة العقد والمكبوتات في نفس صاحبها ، فتتحوّل تلك الاعترافات التي هي أشبه بهذيان محموم ، وتداعيات عُصابيّ إلى مقالات تبرزها أعمدة الصحف ، وزوايا الملاحق على أنّها رصيد تجربة ، ونتاج فكر ، وتمظهر لمخزون معرفي غزير !

من تلك المقالات التي أعتبرها الفصل الثاني من \"عصفورية\" غازي القصيبي ، أو ما لم ينشر من اعترافات بطلة تركي الحمد في \"جروح ذاكرته\" ، الفقاعة التي أطلقها حمزة المزيني في صحيفة الوطن قديما ، ليواجه بها ما أسماه بـ\" ثقافة الموت \" وتبعه في نفخها قوم آخرون ، من أمثال محمد آل الشيخ في صحيفة الجزيرة ، ومحمد المحمود من صحيفة الرياض ، وهم يظنّون أن موعد التعليق على تلك التداعيات التي تنم عن قدر كبير من الهلع قد فات أوانه ، ولا يعلمون أن الفقير إلى عفو ربّه قد أنشأ ملفّا خاصاً وجمع فيه تلك المقالات لهم ولغيرهم ، وأصبح يقرؤها آناء الليل وأطراف النهار لعلّه لا يرضى ، ليرى بعينيه حجم الهوّة التي أراد هؤلاء المستغربون حفرها ، ما بين مجتمعنا النظيف ، وقيمه النظيفة ، ليملؤوها _أي تلك الهوّة _ بعقدهم ، ودمان عقولهم ، التي أصبحت تستورد أي شيء ! دون النظر إلى مكوّناته ، أو حتى تاريخ صلاحيّته !

هذا الورد اليومي ، الذي تتنزل فيه الشياطين ، جعلني أتيقّن أننا في حديثنا عن الليبرالية السعودية ( وهي ليبرالية مشوّهة ) نتحدث عن أمراض متراكمة ، وعقد مترسّخة ، وأوساخ نفسية لم تكنسها أحلام الليل ، وتداعيات النهار .

ووصفي لليبرالية السعودية بالتشوّه ، هو وصف ناجم عن تصور مستقرئ لكثير من إفرازاتها ، وعلى سبيل المثال : فإن أبسط مدلولات (دالّ) الليبرالية هو المطالبة بالحريّة ، وهذا يعني ضرورة تلبّسهم بقدر كاف من الدفاع عنها ، والمناداة بها ، ولكن الواقع يُظهر هؤلاء \"الدون كيشوتيين\" وهم يحاربون الحرية بسيوفهم الخشبيّة ، وما فعلوه تجاه كلمة قالها أحد كبار العلماء في إحدى الفضائيات (الشيخ سعد الشثري) لأكبر برهان على ما ذهبنا إليه ، والليبرالية بذاتها مِسخ ، وهي في السعودية مشوّهة ، فلكم أن تتصوّروا مِسخاً عملت له عمليّة تشويهية ؟ ثم خرج من المعمل ليجري في بيداء الصحف السعودية تماما كما كان يجري \"أحدب نوتردام\" ، ولكن الفرق هو أن ذلك الأحدب لاذ بالكنسية ، بينما هؤلاء لم يلوذوا بالمسجد !

يسخر هؤلاء من المشايخ الذين ذهبوا إلى الجبهة ، ليثبّتوا جنودنا البواسل ، ويزيدونهم قوّة إلى قوّتهم ، بتذكيرهم بمشروعيّة هذه الحرب ، وبما أعدّ الله لهم من الأجر إن انتصروا ، ومن الثواب إن استُشهدوا ، فعادوا _ أعني المشايخ _ وقد زادت أقدام جنودنا رسوخاً في الحق ، وزيارة الجنود من قبل العلماء ليست بسنّة وليدة اليوم ، بل جميع الأمم تفعلها ، في جميع العصور ، والأماكن ، والأديان ، ولكنّا بـُـلينا بأقوام هلِعين قنِطين ، سوّدوا صفحات الأوراق بأنواع الظلم ، همّهم هو القضاء على جمال الحياة ، واستبداله بأي قبح مصدره الغرب المشوّه ، وكأنّ ثأرا ما يؤزّهم لحرب الفضيلة والفضلاء !

إنّه الخوف ، وعدم الاطّراد مع المبادئ ، فهم يدعون إلى أفكار ثم لا يستطيعون التضحية من أجلها ، بينما العلماء يدعون إلى ما هم على استعداد للموت من أجله ، فهذا الشيخ \"ابن حميد\" _على سبيل المثال_ يترأس مجموعة من خيار علماء السعودية لمتابعة حال جنودنا في الجنوب ، ودعمهم الدعم الروحي الذي هم في أشد الحاجة إليه ، فلا يثنيهم فحيح المدافع ، وهزيم الجنود ، عن مباشرة صفيح المعامع ، وجحيم الحدود .

دعونا نفتّش عن سر هذا الهلع لدى هؤلاء الليبراليين ، يقول حمزة المزيني في مقالة بعنوان \" ثقافة الموت في مدارسنا \" وهو يتحدّث عن برنامج أقيم في إحدى المدارس كانت فقرة من فقراته تذكّر الطلاب بحقيقة الموت : \"ومن هنا فلا غرابة أن يتعرض كثير من الناس للأمراض النفسية والوساوس. فهذه الطرق لبث الرعب والقلق في نفوس الناس من أهم المصادر لأكثر هذه الأمراض \"
هكذا يراكم الدكتور المزيني الاتهامات ، لأنّه لا يشك أن أحدا سيسأله عنها ، وأنا أعوذ بالله أن تكون نتيجة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لنا بأن (نكثر) من ذكر هادم اللذات ، سببا في الأمراض النفسية والوساوس والرعب والقلق !
لا شك عندي أن هذا الكلام ناتج عن عقل مُلئ رعبا من الموت ، وهلعاً من حقيقة القبر ، وإلا ما هو سبب هذا الذعر ، وهذه التهم التي وجّهت لمثل هذا البرنامج ؟ أتدري يا أستاذ حمزة أنه لو سمع جدّنا \"عنترة\" بكلماتك هذه ، أنه سيجعلك عبرة لسّكان مضارب بني عبس ؟ لأن الهلع من الموت ممقوت لدى العقول السليمة حتى وإن كانت ذات تاريخ جاهلي صميم ، فكيف وأنت ابن التوحيد ، رضعت _ أو هكذا ينبغي _ لبان الشجاعة من عقيدة كالجبال ، في وطن الرجال .
ما هذا الهلع المرضيّ ؟ أتريد أن تقنعنا أن المسألة لا تعدو فكرا وتوجيها ؟ إنّها يا عزيزي \"أمّ الرّكب\" ، إنّي أرى أسطرك وهي ترتعد ، تماما كارتعاد أرجل الإمبراطور \"كاسكو\" الذي قام على قدميه جاهلا أنّه تحوّل إلى \"لاما\" ! في الفيلم الكرتوني \" حياة الإمبراطور الجديدة \" أنصحك بمشاهدته ، فهو جيّد لمثل حالتك .

ويسخرون من العلماء لأنّهم ذهبوا إلى الجبهة ؟ هذا هو السر ، إن العلماء فعلوا الشيء الذي لا يستطيعه هؤلاء المحترمون ، هؤلاء الذين لا يجيدون إلا كنس ممرات معارض الكتاب بأثوابهم ، رائحين غادين يلتقطون الصور مع فلان وفلانة ، وعلان وعلانة ، يصنعون المشاكل مع رجال الهيئة والأمن والدفاع المدني ! أما أن يذهبوا ويثبّتوا أبطالنا في الجبهة ، فدون ذلك خرط القتاد ، والذي أخشاه _ لو ذهبوا إلى الجبهة _ أن تتحوّل مبادئهم التي ينادون بها إلى أسمدة عضوية تساعد على نموّ المحاصيل الزراعية ، مع أوّل قذيفة يسمعون دويّها هناك ! .

يقول محمد آل الشيخ في مقالة بعنوان \" فوبيا الموت \" : \" بل إن هذه الثقافة _ يعني التذكير بالموت الذي وصّى به المصطفى عليه الصلاة والسلام _(عقبة) كأداء في طريق النمو والتحضر. فمن يستعبد التفكير في الموت عقله وهواجسه كيف ننتظر منه أن يبني حضارة في دنياه؟ \" .

جيّد يا أستاذ محمد ، سنصدّقك إن لبست اللبس العسكري ، كما فعل الأسد العريفي ، وذهبت لتبلور فروضاتك الراجحة هناك في أرض الجبهة ، إن ثقافة الموت _ على حدّ وصفك ، والتي هي التذكير به كما أمرنا الذي لا ينطق عن الهوى هي المسببة في تشييد هذا الذي أنت على ترابه ، وتسمّيه الوطن ، لو كان الملك عبد العزيز وأتباعه هلعين من الموت كهيئتك ، لم تُفتح الرياض ، ولم توحّد هذه البلاد المباركة ، فلا مصلحة _ من وجهة نظري _ في أن تفضح نفسك ، وتعري ما انطوت عليه من رهابات .

ويأتي محمد بن علي المحمود متذاكيا في مقالة بعنوان \" الموت كثقافة \" فيقول : \" يحتل الموت كنهاية ، وكبداية أيضا موقعا محوريا في منظومة الأديان كافة . فالدين أي دين ليس مجرد خطاب في الدنيوي ، وإنما هو في الأساس ، وقبل الدنيوية خطاب في الماورائي ، وماورائية الموت على نحو خاص . واهتمامه بالدنيوي مهما اتخذ موقعا متميزا ؛ يبقى تميزه محصورا في المستوى الوسائلي ؛ لأن الحياة لا ترقى أن تكون موضوعا بذاتها ، فهي وفق هذا التصور تبدأ حقيقتها في لحظة النهاية . هكذا يزعمون ! \"
سأبدأ من الأخير وأقول : يا أستاذ محمّد من هم الذين \"هكذا يزعمون \"؟ لأني قرأت في كتاب الله تعالى : \" إنّما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ..\" وقرأت أيضا : \" ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر \"؟ فمن هم الذين (كهذا) يزعمون ؟ قل لي بربّك ؟ هل الله ( مثلا ) ممّن يزعمون ؟ _تعالى الله_ .

يقول هذا المتذاكي في الكلام أعلاه \" لأن الحياة _ يعني في تصوّر محمد صلى الله عليه وسلم الآمر بذكر الموت _ لا ترقى أن تكون موضوعا بذاتها\" ولعلّه يدري أو لا يدري أن هذه الكلمة بالذات من أشرس مبادئ الماديّين ، وأنّها نفس الكلمة التي عاش من أجلها \"جان بول سارتر\" ، ومات من أجلها ، وهي جعْل الحياة الدنيا (موضوعا ) بذاته .. فلا أهمية لوجود عالم آخر ( ما ورائي ) يكفي أن نعيش هذه الحياة الدنيا ، ثم نجعل الدهر الرحيم يهلكنا بطريقته الخاصة .

أتساءل : هل كُتب هذا المقال في مدينة الرياض أم في باريس ؟ وهل نشر في صحيفة الرياض السعودية أم في صحيفة لو فيغارو الفرنسية؟

يقول أيضا في نفس المقال : \" واضح أن الحياة لا تنتهي . حياة الكائن الحي _من حيث هو فرد_ هي التي ينتهي بالموت \" عجيب !، الحياة لا تنتهي ! بل (واضح) أن الحياة لا تنتهي ! إذن الحياة ( الدنيا طبعاً في نظره باعتبار أنّها موضوع بذاته !) سرمدية ، أين البعث إذن ؟ أين النشور ؟

ومن عادة هذا الكاتب أنّه إن جاء ليتحدث عن دين الإسلام ، وما جاء في الشرع من تعليمات وأحكام ، يبدأ بالتحذلق وكأننا أغبياء لا نفهم ، فيأتي بالكنيسة ، والأديان عموما ، والإيديولوجيات ، وغيرها من الكلمات التي يغطّي بها موقفه المأزوم فيقول :
\" وهذا ما يفسر حقيقة أن النهضة لم تقم في ظل الثقافة الكنسية التي كانت تهمش الحياة ، وتعزز من شعائرية طقوس الموت ، وأن النهضة لم تبدأ ، إلا عندما بدأت هذه الثقافة المميتة تتوارى ، وعندما بدأ التفاؤل بمستقبل الإنسان كجنس وليس كفرد يصل درجة الإيمان الديني \"

هنا أتت الكنيسة ! وكأنّه يربط بين انهيار الكنيسة ( دين النصرانية ) والمسجد الذي يعزز ثقافة الموت ( في نظره ) الذي هو رمز الإسلام ، إذن ما دمنا نتذكر هادم اللذات ، ونكثر من تذكره ، ونتيقّن أن الدار الآخرة هي الحيوان ، فإن هذا دليل على قرب حدوث انهيار ديني ، يقضي على مادّة هذه النصوص وهو الإسلام بكليّته !

أما التفاؤل بمستقبل الإنسان كجنس وليس كفرد .. فهذا ما دعا إليه \"فردريك نيتشه\" بنصّه وفصّه ، ومَن قبله ومَن بعده من طوابير الملاحدة ، بتقديس الإنسانية ، وتأليهها ، وإعلان موت الله _ تعالى الله _ نجد ذلك أصرح ما يكون في كتاب \" هكذا تكلم زرادشت \" عندما يقول نيتشه :\" لماذا يعبدون الله ؟ ألا يعلمون أنّه قد مات ؟\"..تعالى الله ..

أختم بالتذكير بمقولة رئيس تحرير صحيفة إيلاف الإلكترونية عندما زعم أنّه سيأتي على البشرية يوم تصنع فيه مصلا ينجيها من الموت ، ودواء يقيها سكراته الفظيعة ، لعلّك نسيت هذا الهراء يا عثمان العمير ؟ إن ما قلته وكتبه إخوانك في الليبرالية يجعلني أقترح على مدينة السينما \" هوليود\" أن تنتج فيلماً خاصاً بكم ، عنوانه \" جبناء ولكن\" ، تمتعون فيه ذائقة المشاهد العربي بأدوار الهروب ، والجزع ، والخوف ، والهلع تنسيه بطولات \"جيمس بوند\" ، وخرافيات \"توم كروز\" في مهمّته المستحيلة !

الموت أيّها الليبراليون السعوديّون ليس ثقافة ، بل هو حقيقة ، يجب وعيها ووضعها في مكانها الصحيح ، وبما أن الشرع المطهر قال لنا ( أكثروا ) فالصحيح هو الإكثار وليس التقليل ، ولكم أن تتأمّلوا ما أوصلكم إليه تجاهلكم لحقيقة الموت من خوف وهلع (مَرَضيّ ) ، يجعلكم تلوذون بمكاتبكم ، وأعمدة صحفكم ، وتتركون أبناء البلد في الجبهة يواجهون الموت بصدور عارية ، وشجاعة متناهية ، ليس لهم إلا الله ثم هؤلاء المشايخ الذين اتخذتموهم سخريّا ، بينما جعلهم الملك قدوات لجيشنا ، وبارك خطواتهم وزير الدفاع والطيران .


البريد الإلكتروني للكاتب
Ah2ah2ah2@maktoob.com

 10  0  1121
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:03 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.