• ×

05:17 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

التناصح حول إطلاق النيران في المناسبات

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
التناصح حول إطلاق النيران في المناسبات


بقلم : الأستاذ/ عبد الله علي قاسم الفيفي

الحمد لله المستحق للحمد والثناء، المتفرد بالمنع والعطاء،وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ـ أما بعد :
نحن ولله الحمد نعيش في بحبوحة من العيش، وفي نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، أعظمها واجلها نعمة الإسلام، ونعمة الأمن والأمان، والناس من حولنا في أمواج متلاطمة من الفتن والمصائب والخوف، وقلة ذات اليد ما الله به عليم، ( أولم يروا أنا جعلنا حرما أمنا ويتخطف الناس من حولهم افبالباطل يومنون وبنعمة الله يكفرون ) فنحن ولله الحمد بما وفقنا الله إليه من ولاة أمر يحكمون فينا بشرع الله،ويطبقونه في كل الأمور، وبما أغدق به علينا من ثروات، جعلتنا في درجة عالية من رغد العيش ومباهج الحياة، وتوفر جميع وسائل الراحة فوق ما يحلم به أي إنسان، وذلك فضل من الله لم يمنحنا إياه لميزة فينا تميزنا بها عن غيرنا، فالله سبحانه هو الغني عن عباده، لا يمنح ولا يمنع إلا لغاية واحدة هي الامتحان والاختبار، ومعرفة ردود الأفعال، فالإنسان دوما يعيش في هذا الامتحان، ومع كل إنسان ملك موكل به يرصد عليه ردود أفعاله، فان كان في نعمة وراحة بال، وامن وأمان، فهل يودي حق كل ذلك، من العبادة والشكر والذكر، والمحافظة على أداء الحقوق فيها، وكذلك من سلب هذه النعم أو بعضها، هل يصبر ويحتسب ذلك عند الله، ويقنع بما هو فيه ويرضى بحاله، فالمومن يجب أن يبقى على وتيرة واحدة، من قوة الإيمان، وأداء الحقوق المستحقة في كل حالة من حالته، وعلى كل وضع من أوضاعه، قال الله تعالى على لسان سيدنا سليمان عليه السلام، عندما طلب إحضار عرش ملكة سبا، فاحضر له في الحال، (فلما رءاه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني ء اشكر أم اكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فان ربي غني كريم ) قال صلى الله عليه وسلم ( عجبا لأمر المومن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمومن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) فالمومن يشكر الله على السراء والنعم، والأمن والأمان، والراحة والسعادة والخلو من المكدرات،وكذلك يصبر ويحتسب، إن سلبت هذه النعم، أو كان في حاجة أو خوف وجوع، وأما غير المومن فيغتر بما هو فيه، فلا يشكر على نعمة وهبت له، بل يعتبرها حق من حقوقه، لا يلزمه في مقابلها أداء شكر، أو عبادة للمنعم المتفضل، وان سلب إياها، أو أدبرت الدنيا من بين يديه، وولت بنعيمها وبهجتها وحلاوتها، شكى وتذمر وكفر بأنعم الله، ولم يدري ما المقصود بكل ما هو فيه من إقبال أو إدبار، ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما أبتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي اهانن ) فالمومن لا يغتر أبدا بالحالة التي هو عليها والتي هو فيها، بل يحولها لصالحه شكرا على النعم، وصبرا على النقم، ليناله الثواب والأجر المرصود لذلك، بل إن العاقل يخشى إن توالت عليه النعم، ورأى الدنيا مقبلة عليه بحسنها وسعودها، أن يكون ذلك مكر به، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، يخشى أحدهم اشد ما يخشى إذا رأى الدنيا مقبلة عليه، وهو في سعة رزق ورغد عيش، ودعة وصحة وعافية، يخشى أن يكون ذلك استدراجا له ، والرسول صلى الله عليه وسلم حذر أكثر ما حذر، الاغترار بالدنيا في إقبالها، والالتهاء بها وبنعيمها، عن أداء الحقوق اللازمة من شكر الله حق الشكر، وأداء حقه من العبادة والذكر، قال صلى الله عليه وسلم ( إن الدنيا حلوة خضرة وان الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ) وعن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال ( أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشي من البحرين) فقالوا: اجل يا رسول الله فقال ( ابشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ).
فالدنيا إن أقبلت على الإنسان يخشى عليه الاغترار بها، وان تكون سبب في هلكته، وإنما تكون هلكته بعدم شكر النعمة وعدم إيفائها حقها، فيوثّر ذلك على دينه وعلى معاده في الآخرة ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ( جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله فقال : إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ) وهذا ما هو مشاهد في مجتمعاتنا، تفتحت عليهم الأرزاق والأمن والخيرات من كل حدب وصوب، فقل من يودي حق كل ذلك من الشكر، وأداء الحقوق اللازمة فيما بين يديه، بل إن الكثير إذا توالت عليه النعم كانت سببا مباشرا في طغيانه وإسرافه، ودخوله في معمعات من المخالفات الشرعية والاخلاقيه، التي لو لم يكن على هذه الحال من وفرة المال لما سعى إليها ولما فكر فيها، ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) فالدنيا بإقبالها تغر الكثير من الناس، وبالذات من ضعاف الدين، وتودي بهم إلى التهلكة، والى المخالفات التي تضر بهم، وتلحق بهم الأذى والنقص في دينهم وفي معادهم.
إن الذي يدعونا إلى أن نقول هذا هو ما نلاحظه من أشياء تحدث في مجتمعاتنا، فيها الكثير من البطر والأشر والإسراف، والمخالفات مما ليس فيه أي محمدة أو فخر، بل هو أثم ووزر وكفران للنعم، ومنكر عظيم وأذية للناس، يجب التنبيه إليه ولا يحسن السكوت عليه، فما يحدث من إطلاق للنيران في المناسبات والأعياد، شيء قد زاد على حد المعقول، إن كان هناك حد معقول، والا فهو من أساسه لا داعي له، بل هو منكر فظيع، وصل إلى مرحلة يخشى الإنسان العاقل على المجتمع بكامله ،أن يصيبه بسببها والسكوت عليها وعدم التناصح، أثم وغضب من الله كبير، ونكبة تعم الجميع، وأعظم هذه العقوبات نزع البركة، وعدم الاستجابة للدعاء، وهي من العقوبات التي رتبها الله سبحانه وتعالى على عدم التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، قال صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم).
قال صلى الله عليه وسلم ( أن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل انه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فانه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون / كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون / ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون / ولو كانوا يومنون بالله والنبي وما انزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون ) ثم قال ( كلا والله لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتاطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا أوليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم)0
إن التناصح والتآمر بالمعروف، والوقوف في وجه المنكر، والحد من المخالفات، لهو واجب لا يعفى منه المومن، فلو كل أدى ما عليه من الواجب في هذا المجال، في محيطه مع أهله وأبنائه ومن يلزمه حق رعايتهم، ومع جيرانه ومعارفه، فيذكر الناسي ويعلم الجاهل، لزال الكثير من المخالفات والمنكرات، التي قد تكون سببا في أن يعم البلاء وغضب المولى كل المجتمع والعياذ بالله 0
إن ما يحدث من إسراف وقلة ذوق في إطلاق النيران في الهواء، مما يفسره البعض بأنه تعبير عن الفرح والسرور، لهو منكر شنيع وإثم كبير،يخشى أن يعم المجتمع بسببه الكثير من العواقب الوخيمة، التي أن وقعت قد لا يسلم منها أحد وهو ساكت عن أداء حق النصح والتنبيه، والساكت عن الحق شيطان اخرس، كما قال صلى الله عليه وسلم، فهذا الشيء عمل مزر ومنكر فضيع، وإسراف وبطر ليس له ما يبرره، وقلة ذوق وإحساس وهمجية مفرطة، تصل في بعض الأحيان إلى درجة ممجوجة،لا يراع فيها حق الآخرين في الراحة والطمأنينة، وأموال تنفق ليست لله ولا في سبيله، فلو أجرينا عملية حسابية بسيطة للمبالغ التي تهدر في هذا المجال، لهالنا تلك المبالغ التي تطلق عبثاً، وليس فيها محمدة ولا فخر، إن هذه المبالغ التي تهدر في هذا المجال العابث لو طلب من أحدهم عشرها ينفقه في سبيل الله، لنصرة دينه، أوفى إطعام جائع، أو كسوة فقير، أو كفالة يتيم، أو بناء مسجد، أو فعل معروف، لبخل به ورءاه مبلغا كبيرا وخسارة جسيمة، فسبحان الله! أما في سبيل الشيطان فينفقه أضعافا مضاعفة وهو فرح فخور، مع ما فيه من المخالفات، ومعصية لله ثم لولاة الأمر، وفيه الكثير من الشرور والمصائب والمساوي، واحتمالات الأذى الكثيرة والمتوقعة، التي لا تخفى على صاحب عقل، مما يوجب على كل ذي غيرة أن ينظر ويتفكر، لهذا التصرف الأرعن من بعض جهالنا، والذي لا يرضاه الكثير منا ،ولكن السكوت والسلبية نوع من الرضا، بل لو يسمع العاقل ما يقال عنا وعن مجتمعنا، من بعض من هم بيننا أو ممن هم حولنا وجيراننا، وما نوصم به من همجية وقلة ذوق،وإسراف وبطر،فما يحدث لا أظنه يحدث بهذا الشكل الممجوج في أي مجتمع آخر، وهو أمر لا يصح السكوت عليه، فكل مطالب بان يدلي بدلوه في محيطه ونطاق ولايته، في بيته ولدى جيرانه، من أداء حق التناصح كما يوجبه الدين، حتى يتصحح الوضع، وليس ذلك بمستحيل إذا صفت القلوب وصدقت النيات .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون / ولقد جآءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون ) صدق الله العظيم.
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه،،،

بواسطة : faifaonline.net
 3  0  1032
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:17 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.