• ×

03:20 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً

بقلم. محمد بن سالم بن سليمان الفيفي



قال تعالى: \"وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً\" (الإسراء:23).
إن مقام الوالدين وشأنهما من أعظم الأمور الإنسانية التي فرضها الله على عباده، ومهما جرى القلم بالكلمات في إحصاء واستقصاء فضلهما فإنَّه يبقى عاجزاً عن تصوير حقّهما على الأبناء، وكيف لا يكون كذلك؟وهما سبب وجودهم بعد الله سبحانه وتعالى.
إن ما يبذله الوالدان على المستوى المادي والمعنوي والاجتماعي لرعاية أبنائهما وتربيتهم التربية الحسنة يفوق كل تصور، لقد تحمّلا في سبيل ذلك أقسى المتاعب وأشد الصعاب، ثم الإجهاد النفسي والإرهاق الفكري والبذل الجسدي، وهذا البذل لا يمكن لأي إنسان أن يعطيه إنسان آخر بالمستوى الذي يعطيه الوالدان لأولادهما.
ولهذا فقد اعتبر الإسلام عطاءهما وبذلهما في سبيل الأبناء عملاً جليلاً، وفعلاً عظيماً استوجبا عليه الشكر والعرفان الجميل، وأوجب للوالدين حقوقاً وواجبات - على الأبناء - لم يوجبها لأحد على أحد إطلاقاً، حتى أن الله سبحانه وتعالى قرن طاعتهما والإحسان إليهما ومودتهما بعبادته وتوحيده وعدم الإشراك به، فقال تعالى: \"وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً\" (النساء: 36).
لأن الفضل على الإنسان بعد الله يعود للوالدين، والشكر على الرعاية والتربية والعطاء يكون لهما بعد شكر الله تعالى: \"وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ\" (لقمان:14).
وقد اعتبر الله عقوق للوالدين والخروج عن طاعتهما وبرهما تجبراً ومعصية حيث جاء ذكر يحيى في معرض بر الوالدين فقال الله عنه: \"وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً\" (مريم:14).
ولا شك أن حق الأم لهو من أكبر الحقوق على الأبناء لكونها حملت هذا الابن كرهاً ووضعته كرهاً قال تعالى: \"وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً\" (الأحقاف: 15).
وكذلك كانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم لرجلٍ أتاه فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: \"أمك\". قال: ثم من؟ قال: \"أمك\". قال: ثمّ من؟ قال: \"أمك\". قال: ثمّ من؟ قال: \"أباك\".
وكذلك لا يقل حق الأب أهمية عن حق الأم، فهو الأصل والابن هو الفرع، فقد أمضى حياته وأفنى عمره اجتهادً للحفاظ على أسرته وتأمين العيش الهانئ لأولاده، فتعب وشقي وخاطر واقتحم الصعاب في سبيل حياة سعيدة لأسرته.
وعلى الإنسان أن يدرك كيف يتعامل مع والديه كي لا يكون عاقاً لهما وهو غافل عن ذلك، فعليه احترامهما وتقديرهما واستشعار الخضوع والذل في حضرتهما قال تعالى: \"وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً\" (الإسراء:24). وأما بعد الموت فلا يتوقف بر الوالدين على حياتهما حتى إذا انقطعا عن الدنيا انقطع ذكرهما، بل إن من واجبات الأبناء إنفاذ برهما بعد الموت، وصلت من كان يصلاه في حياتهما، والدعاء لهما والترحم عليهما والتصدق عنهما كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: \"أو ولد صالح يدعو له\"
كما أن عليهم حق البرِّ لهُمَا بعد الموت في أمور ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه قال: يا رسول الله هل بقى من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما قال: \"نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما\".
\"فيدعوا لهما، ويتصدق عنهما، ويحج‏ُ عنهما، فيصلهم الأجر والثواب، وله مثل ذلك فيزيده الله سبحانه وتعالى ببرِّه وصلاته خيراً كثيراً\".
إن نكران المعروف، وعدم مكافأة المحسن لهو من مساوئ الأخلاق، وكلما كان الجميل والإحسان أعظم كان الجحود أكبر جرماً وأفظع إثماً، ومن هذا المنطلق نقف على عظم الجريمة التي يرتكبها كل من عق والديه، فقد أجمع العلماء على أن العقوق من الكبائر الموجبة لدخول النار؛ فالعاق لا إيمان له، ولا خير في قلبه الذي لا يردعه عن الإساءة لأفضل الناس وأعظمهم منزلة في حياته.
وقد حدّد الله تعالى المستوى الأدنى لعقوق الوالدين قال جلّ وعلا: \"إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً\" (الإسراء: 23).
وهي كلمة تستعمل في الاحتقار والاستقذار والإنكار. قال الباجي: والمراد بها هنا الإنكار وأصل الأف وسخ الأظفار.
أي لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم. والأُف والتُّفُّ: وسخ الأظفار، ويقال لكل ما يستثقلُ ويضجر منه: أُفٍّ له. قال مجاهد: لا تقذرهما كما كانا لا يقذرانك.
وقوله عز وجل: \"وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ\" (الإسراء: 24). قالَ عطاء: لا ينبغي لك أن ترفع يديك على والديك، ولا إليهما تعظيماُ لهما، وقال عروة: لا تمتنع من شيءٍ أحباه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، وشهادة الزور\".
لقد بين الله تعالى للإنسان حدود الطاعة لوالديه حينما قرن عبادته وتوحيده، وتنزيهه عن الشرك بالطاعة لهما والإحسان إليهما، وقد جعل رضاه من رضاهما، ووصل طاعته بطاعتهما.
وبيَّن الله تعالى الحد الذي تقف عنده طاعة الوالدين فقال: \"وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً\"(لقمان: 15).
فعندما يصل الأمر إلى الشرك بالله ومعصيته والخروج عن حدوده تتوقف الطاعة عند هذا الحد فلا طاعة لهما فيما أمرا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: \"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق\". وهذا الأمر يتوقف فقط على ما يشكل معصية لله دون باقي الأمور لأن سياق الآية يستمر في التوضيح: \"وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً\" (لقمان: 15). فلا يعصيهما في باقي الأمور.
وفي حديث لجابر رضي الله عنه قال: سمعت رجلاً يقول لأبي عبد الله: \"إنّ لي أبوين مخالفين فقال: برّهما كما تبر المسلمين ممن يتولانا\".
فطاعة الوالدين وبرّهما والإحسان إليهما واجب سواء كانا مؤمنين أم كافرين، فإن من الأمور التي لم يجعل الله فيها رخصة هي: \"بر الوالدين برّين كانا أو فاجرين\".
لقد أورد الله سبحانه وتعالى في القران حقّين من حقوق الوالدين:
الأوّل: الدعاء لهما وقد ورد ذلك على لسان أكثر من نبي يدعو لوالديه وهو من وصايا الله تعالى للإنسان حينما قال تعالى على لسان نبيه نوحٍ عليه السلام: \"رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً\"(نوح: 28)
وعلى لسان إبراهيم عليه السلام: \"رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ\" (إبراهيم:41) الثاني: الوصية حيث قال تعالى: \"كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ\" (البقرة:180) فالوصية حق على المؤمن، وأول ما تؤدى للوالدين كما ورد في القرآن الكريم، وذلك للدلالة على أهمية بر الوالدين سواء في حال حياته أو بعد مماته من خلال التركة والإرث، كما لا يبخل عليهما بالإرشاد والنصيحة إلى ما فيه صلاحهما، ولا ينسى أن يطلب السماح منهما والعفو عن تقصيره تجاههما في الحياة الدنيا.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى البر بآبائنا، والإحسان إليهما وعدم معصيتهما، وأن يوفقنا إلى العمل الصالح والقول النافع في حياتنا تجاه من له حق علينا.


البريد الالكتروني:
Mss36f@hotmail.com

 3  0  792
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:20 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.