• ×

10:09 صباحًا , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

لماذا أصبحت صناعة العداء والأعداء جزء من ثقافتنا ؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لماذا أصبحت صناعة العداء والأعداء جزء من ثقافتنا ؟
بقلم الأستاذ : عبدالرحمن بن عبدالله الفيفي


[HR]

في خضم الحياة الصاخبة ، وفي ظل الأحداث المتسارعة ، ومع التطور الهائل في التنمية والاقتصاد وانتشار العلوم والمعرفة ، كان لزاماً أن يتطور المجال الفكري والأخلاقي مواكباً لهذه التطورات المختلفة على جميع المستويات ، بحيث يسود التقارب بين البشر ، ويسود السلام ، وتتقارب الأفهام ، وتذوب الفوارق العنصرية ، وتختفي الأحقاد ، وتنتفي التبعية ، ويتسع الأفق إلى نظرة جديدة إلى المستقبل بعيداً عن الإرث التاريخي المليء بالمآسي ، وثأر الماضي ، وعادات الجهل والتخلف .

لكن عندما ننظر إلى الواقع في البلاد العربية ، نجـده مغايراً تماماً لهذه النظرة المتفائلة التي تفترض المواكبة الفكرية للتطورات الحضارية على المستوى المادي مقارنة بالدول الغربية التي كان التطور الفكري يتسارع طردياً مع التطور الحضاري المادي .

فالتطور الفكري الذي كان يفترض أن يكون لدينا ، أصبح تطوراً فكرياً معاكساً لهذه الحضارة بحيث أصبح تطوراً في الجهل ، وتطوراً في العنصرية ، وتطوراً في الكراهية ، وتطوراً في النفاق بجميع صوره وأشكاله ، وتطوراً في ضعف الوازع الديني والأخلاقي ، وتطوراً في أفكار النصب والاحتيال ، وتطوراً في تباعد الأفهام ، وتطوراً في العداء الطائفي والمذهبي ، وتطوراً هائلاً في أدبيات ووسائل صناعة الأعداء وفرضيات المؤامرة .

الكل أصبح يعاني من هذه التطورات البغيضة ويحترق بنارها ويمقتها ، لكنها في المقابل أصبحت جزءً لا يتجزأ من عادات مجتمعنا وتعاملاته اليومية في صورة ( شيزوفرينية) تظهر من بعيد وكأنها أجمل صورة رسمها فنان ، لكننا نكتشف عند اقترابنا من هذه الصورة أنها أبشع منظر يمكن أن يتصوره إنسان .
ولعل الأسوأ من هذه الصورة تلك الصورة السوداء التي لا يظهر فيها لون سوى اللون الأسود ، وهي الصورة التي يزعم أصحابها أنهم يدافعون عن القيم والفضيلة وهم عكس ذلك يدفنون كل قيمة ويذبحون كل فضيلة بسيوف البغضاء والكراهية والعنصرية والإقصاء وجلافة الكلام وقواميس السباب والشتائم والاتهامات الجاهزة والتصنيفات المعلبة .

هذه التطورات الفكرية العكسية البغيضة والصور النمطية بدورها انعكست أيضاً على الواقع العربي بتطورات في زيادة الفقر والفقراء ، وزيادة في البطالة والعاطلين ، وانتشار الفساد الإداري والأخلاقي ، وشيوع المحسوبيات والواسطة ، وزيادة في معدلات الجريمة بجميع صورها وأشكالها ، وتأخر في التنمية ، وقيام الحروب إلى غير ذلك من الإشكالات التي أصبح يكتوي بنارها الجميع دون استثناء ، وكل ذلك بسبب ثقافة المؤامرة وصناعة الأعداء ، والسجالات الفكرية العدائية التي انشغل بها الناس عن حلول هذه المشاكل وبناء الأوطان والعقول والمساهمة في التنمية .

ثقافة العداء أو العدوانية تطبق على جميع المستويات بداية من المجتمع الصغير الذي ينتشر فيه الظلم والكذب والافتراء والحسد والنفاق والغيبة والنميمة والتهميش والإقصاء والاحتقار والهمز واللمز والعدوان المباشر دون سبب أو مبرر ، ثم إلى الشارع الذي تحمد الله أنك ولجت منه إلى منزلك دون خصام أو مضاربة أو حادث مروري ، ثم صعوداً إلى النخب وطلبة العلم من خلال التراشق بتهم العمالة والتخوين والتآمر إلى غير ذلك من التصنيفات والتهم المعلبة لمجرد أحياناً أن يطرح بعضهم رأياً لا يوافق رأي الآخرين .


الأسئلة الجوهرية التي يمكن إستحضارها مع هذا الواقع .
لماذا تميل مجتمعاتنا إلى العدوانية من خلال النيل بعضها البعض حديثاً وسلوكاً وتعاملاً ؟
هل للثقافة دور في صناعة هذه السلوكيات والأفكار العدوانية ؟
هل هناك حلولاً لصناعة الحب والإخاء وحسن الظن بدلاً من صناعة العداء والأعداء؟

 2  0  757
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:09 صباحًا السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.