• ×

05:09 صباحًا , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

! موسم الهجرة إلى القبيلة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
موسم الهجرة إلى القبيلة !

بقلم الأستاذ/ علي بن جابر الفيفي .



فرحت كثيرا بما وصلني من أنباء نجاح حفل التكريم الأشهر ، الذي أقامه أبناء فيفاء في مدينة الرياض لثلاثة نجوم فيفيّة متلألئة في سماء التميّز . لأن نجاح مثل هذا الحفل ستتبعه نجاحات ، نجاح لاحتفالات مستقبلية لأشخاص تميّزوا وسيتميّزون في الغد ، ونجاح لجعل تكريم من يستحق التكريم هو الديدن السائد ، خاصّة إن صار هذا التكريم يتوجّه للأحياء ، بعد أن غدونا _ العرب عامّة _ نـُلمز بأننا نكرّم المبدعين بعد مغادرتهم حقل الإبداع ( الحياة الدنيا) ! ولكنّ نجاحا أعظم أحق في نظري بالذكر والشكر ، إنّه نجاح القبيلة في صنع وعي أعمق بأهمية التميز النافع في فكر بل وخيال الناشئة .


يجب علينا أن نهنئ هذه الكوكبة من أبناء فيفاء ، والذين وصلوا إلى آفاق عالية في مجالاتهم وتخصصاتهم ، ولكن يجب علينا أن نزجي تهنئة أعظم وأضخم منها إلى القبيلة الفيفية/الوعي الفيفي الذي صار ينظر إلى زوايا أهم في الصورة ، فلم يعد المكرّم هو الأهم في صورة التكريم الظاهرية ، بل أصبح الطفل الفيفي والشاب الفيفي والفتاة الفيفية هم مركز الاهتمام ، وهذا هو الصحيح .
يجب علينا أن ننظر إلى التكريم نظرة تقول إن القبيلة أصبحت تضخ تيارات وعي أعمق من تلك التي تشكّلها وسائل الإعلام الرسمية المدعومة من الجهات الحكومية !

إن وسائل الإعلام كرّست عبر حقب إعلامية متوالية ثقافة كرويّة وفنيّة جعلت \"الكابتن\" و\"الفنان\" هما الشخصيّتان الأبرز في حياتنا ، فالتلفاز والجريدة والمجلة وغيرها من الوسائل الإعلامية ساهمت في بناء أصنام كرويّة وفنيّة في أذهان الشباب ، بلورتها الحياة بكل تجليّاتها ، من حضور السياسي بكل كاريزماه إلى مدرّجات الجماهير لمشاهدة مباراة ، إلى وضع صورة اللاعب على علبة الكولا ! وبين هذين المظهرين عشرات المظاهر الموغلة في العمق ، وإن كانت في أعيننا مظاهر عابرة ، ككتابة اسم اللاعب أو رقمه الكروي على قميص طفل ! ، أو ترديد كلمة تفوّه بها فنان في إحدى مشاهده ، أو حتى دندنة لحن صدح به مطرب ذات عبث ، كل هذا جعل القدوة تتبلور في الذهنية الشعبية ، على أنّها مجرد لاعب لامع ، أو فنان مبدع ، أو حتى مذيع متألّق .
إننا نهنّئ القبيلة التي تجاوزت كل العقبات _وأشرسها في نظري عقبة المتعارَف عليه _ لتصنع قدوات أخرى ذات نفع أكبر ، وأثر أبقى ، وفائدة أرسخ ، إن البروفسور عبد الله ، والشيخ فرحان ، والأستاذ يحيى ، ينتجون للوطن والمواطن أشياء أهم بكثير من تلك الأشياء التي ينتجها لاعب محترف ، أو عازف عود ، أو ممثل كوميدي ! ، وعلى هذا وجب على الموقف القبلي _ في ظل تغافل الموقف الرسمي _ أن يكرّم هؤلاء الأهم ، في هذا الزمن المهم ، دعونا نتحدّث بلغة نفعية بحتة فنقول : يجب أن نكرّمهم لا لأجلهم ، بل لأجل الوطن ، ولأجل أبناء الوطن ، هؤلاء الأبناء الذين صاروا _ بلا استثناء _ يعيشون وهم الشهرة الكروية والفنية ، في ظل تراجع الاهتمام بالمفيد والنافع والمثمر .
إنني سعيد أن ابني _ في الغد _ سيعيش في زمن يضيف فيه إلى قائمة أحلامه المستقبلية اسم بروفسور ذكي ، أو شيخ ألمعي ، أو إداري لوذعي ، فيحلم أن يكون أحد هؤلاء ، ويخلع ذلك القميص الذي كتب عليه اسم لاعب \" يمارس اللعب \" ليرتدي وعيا عميقا بأهميّة الكتاب ، وضرورة المعرفة ، وقوّة بناء الذات ، إن ابني سيفتح عينيه على قبيلة تتحدّث في مجالسها عن المبرزين من أبنائها ، سيسمعني ابني وأنا أصف له إنجازات عبد الله الفيفي ومساهمات فرحان الفيفي وإضافات يحيى الفيفي ، ليترسّخ لديه أهميّة بل ضرورة أن يصبح في الغد \" المنتج\" الفيفي ، أو النافع الفيفي ، أو المتميّز الفيفي .
أتمنّى أن تصبح القبيلة _ بمثل هذه الاحتفالات _ صانعة فكر ، ومغذية حضارة ، بعد أن صنعت في الماضي سجل ثارات ، وأصبحت ترمز إلى الدم والهدم ، والكر والفر ، وكل المتواليات التي تجعل الثأر والغارة هي المفردات الأهم في قانون التدافع ، يجب على العشيرة _الآن _ أن تشيّع السيف (القبلي) والرمح (العشائري) إلى مثواهما الأخير ، في نفس اليوم الذي تعلن فيه ولادة القرطاس والقلم ، يجب أن تعلن العشيرة عيد ميلادها الأنصع ، هذا العيد الذي تحوّلت فيه من تحقيق ثارات إلى بناية حضارات ، ومن محضن تظالم ، إلى ملتقى تفاهم ، ومن تمجيد فارس الإغارة ، إلى تقدير صانع الحضارة . فلم يجعلنا رب العالمين شعوبا وقبائل لنتعارك ، بل لنتعارف ، فعلينا أن نحوّل القبيلة عن وجهتها التي ولّت شطرها ردحا من الزمن ، لتغدو بذرة حِراك ، لا منشأ عِراك ، ويغدو \" موسم الهجرة إلى القبيلة \" موسما تاريخيا ، يستحق أن نفتخر به لا أن ندفن رؤوسنا في الرمال حياء منه .
إني أدعو أن تتواصل هذه الاحتفاءات المباركة ، وأن تضم في قائمتها المعلّم الذي أمضى عمره في تربية النشء وتعليم الأجيال ، والجندي الذي وضع روحه على كف عفريت كما يقال ، والأحداث الأخيرة خير شاهد ، الجندي بمعناه الواسع والذي يعني الجندي والعريف تماما (إن لم يكن قبل) أن يعني العميد واللواء ، وغيرهم من المخلصين المثابرين في كل المجالات ، وعلى جميع المستويات ، بشرط الإخلاص والمثابرة ، بشرط الجديّة والتميّز ، بشرط أن يكون لهم بصمة في الحياة ، الحياة بمعناها الكبير .


نعم ستظل الرياضة ، بمفهومها الواسع ممارسة نافعة ، والفن بمدلوله النظيف لبنة فعّالة ، ولكن ستحارب القبيلة ذلك التجاوز والغلو الذي جعل من الفنان والكروي أضخم حلم يعيشه الشاب الغر ، وهو في الحقيقة أشنع كابوس يهدد مستقبله المر .
إذن ، شكرا للقبيلة على وعيها ، وشكرا لأبناء القبيلة على بعد نظرتهم ، وشكرا لمتميّزي القبيلة على كل جميل صنعوه وسيصنعونه لنا ولأبنائنا ولأحلامنا في الغد .

 6  0  1103
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:09 صباحًا الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.