• ×

07:36 مساءً , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

لقاء مع أ.د.عبدالله بن أحمد الفَيفي بمجلة المعرفة" السعودية

أنا والفشل!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
فيفاء اون لاين - مجلة المعرفة  
أنا والفشل!
لقاء مع أ.د.عبدالله بن أحمد الفَيفي
مجلة "المعرفة" السعوديّة"



أعترفُ أوّلاً بأني فشلتُ في تقبّل هذا العنوان: "أنا والفشل"! تمنيتُ لو كان: "أنا والنجاح"؛ لأن الهدف- كما أفهمه في مثل هذه المجلّة- ترسيخ السعي إلى النجاح، لا ترسيخ الشعور بالفشل واقترانه بحياتنا. ثم إن الفشل أمرٌ نسبيّ؛ فالحياة ليست مفروشة بالورود، لكنها كذلك ليست شوكًا كلّها. مهما كانت الحياة عسيرة، ومهما اكتنفتْ دروبها من مشاقّ، فثمّة "الله" دائمًا، وهذا يعني أن ما تضخّمه مخيّلاتنا من مآسٍ وآلام وإخفاقات هو محض أوهام؛ تتولّد لأسباب نفسيّة أو تربويّة أو معرفيّة؛ لأن لطف الله ورحمته وتدبيره أعظم بكثير ممّا بإمكاننا أن ندرك حكمته. فإذا آمنّا بذلك، نحّينا جانبًا الغمّ والهمّ والحَزَن، ورضينا بما كتب الله وقدّر، مع الأخذ بالأسباب والاجتهاد في الطلب. ولنا في قصّة الخِضر مع موسى عليهما السلام عبرة هاهنا، إذ "قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا؟" (الكهف، 67- 68). ذلك أن الأمر مقترنٌ في النجاح والفلاح بالمعرفة والصبر. فمن تحلّى بهما لم يعرف الفشلُ إليه سبيلاً، ولا اليأسُ إليه مسلكًا، وسلّم أمره لمسبّب الأسباب، فلم يفرح بما جاءه ولم يحزن على ما فاته.
وأعترف كذلك بأني- بلا فخر- فشلتُ في أن أفشل في حياتي، بما تعنيه هذه الكلمة من معنى. فأنا بحمدالله لم أذق طعم الفشل؛ ربما لأن طموحاتي كانت متواضعة وواقعيّة، فلم تكن لي تلك المطامح الخوارقيّة، لا في مالٍ ولا في أعمال. فضلاً على أنني ابن بيئة زراعيّة، كنتُ أراقب- منذ وعيتُ- كيف تُخصب الأرضُ، وكيف تُنبت، وكيف تنمو، وكيف تُحصد، لتعود دورتها الأولى؟ وخلال تلك الدورات الطبيعيّة كيف يعمل الإنسانُ فيها بدأبٍ وصبرٍ ومثابرةٍ، فلا يجني غدَه إلاّ بشقاء يومه؟ فتعلّمتُ- لا شعوريًّا- أن لكلّ شيء ثمنًا، وأن مَن دَفَع سينال ما قَسَمَه الله له، على قَدْر دَفْعِه وبذله. لا ينفي هذا أنها مرّت بي أحلامٌ محبَطة، غير أني لا أعد هذا فشلاً؛ من حيث هي قد ظلّت أحلامًا، لم أدخل ساحتها الواقعيّة، إمّا لأسباب خارجة عن إرادتي، أو لأني انصرفتُ عنها تلقائيًّا. منها مثلاً: أنني لا أنسى أوّل حصّة دراسية حينما طلب إليّ المدرّس أن أكتب الأرقام من الواحد إلى العشرة على اللوح. ففعلتُ، لكنه انتقدني لأني كتبت الصِّفر عند منتصف الرقم [1]، من رقم [10]، لا عند أسفله! هذا التخطيء كان صدمة أولى لتلميذ في الخامسة من عمره، لعلها دفعته فيما بعد للانشغال بالرياضيّات، فكانت من أمتع المواد لديه، وكان متفوّقًا فيها. ولمّا أنهيتُ الابتدائيّة، كانت طموحاتي علميّة بحتة، أتطلّع إلى أن أكون مخترعًا أو عالمًا طبيعيًّا. غير أني- لظروف لا يد لي فيها- أُلحقتُ بالمعهد العلمي في الطائف. لم أكن أعي إذ ذاك الفرق بين مناهج المعاهد ووزارة المعارف، وحتى لو وعيتُ، فليس لي من الأمر شيء. إلاّ أنه من حسن حظّي أن مناهج المعاهد إذ ذاك لم تكن تختلف عن مناهج المعارف كثيرًا، ولاسيما في المتوسطة، بل كانت تزيد عليها في مجال اللغة العربية وعلوم الدّين. فيما كان مقرّر الإنجليزيّة هو نفسه في المعارف. كما كانت المناهج في تلك الفترة- بداية التسعينيات الهجريّة- تتضمّن الحساب والجَبر والهندسة والعلوم، وكان هناك مختبرٌ علميّ في المعهد. لذلك كان شغفي العلمي يجد ما يرويه من خلال تلك المواد، إضافة إلى علم الفرائض وعلم العَروض في الثانوية. لقد كانت كلّ تطلّعاتي إبان المتوسطة والثانوية في المجال العلمي، لذلك كنتُ مغرمًا بأفلام الفضاء والخيال العلمي وقصص العلماء والمخترعين. وكان حُلمي قد تبلور أن أصبح طيّارًا، على الأقل، إذ سمعتُ أن طلاب المعاهد يُقبلون في كليّة الملك فيصل الجويّة، وربما في مجال الطيران المدني. بيد أن هناك شروطًا أخرى لا تتوافر فيّ، أو لا تشجّعني على الإقدام في هذا الاتجاه؛ على الرغم من أنه بدا المنفذ الوحيد للخروج من ربقة المعاهد، ومجالها المحدود. ثم جاء ما بدا فرجًا يوم أصبحتْ جامعة الرياض تقبل طلاّب المعاهد العلميّة. فذهبتُ للتسجيل، وحدّدتُ رغباتي، فكانت الرغبة الأولى: "الطب"، ولا أذكر سائر الرغبات، لكنني متأكّد أنْ لم تكن من بينها "الآداب". كنتُ أتصوّر أن دخولي مجال الطب ممكنًا، فما الذي ينقصني؟ كان معدّلي في الثانوية يشارف على المئة من مئة، فقد كنتُ الثاني في الترتيب على مستوى المملكة كلّها، وإنما قفز عليّ أحدهم، كما أذكر، بدرجة فقط أو درجتين. ثم لماذا يخيّرونني إلاّ وبعض خياراتي ممكنة، أمّا والأمر محسوم سلفًا، فإجراء عجيب؟ النتيجة كانت مخيبة لآمالي، فقد جاء قبولي في: كليّة الآداب- قسم اللغة العربية، فقط لا غير! لم أصدّق، فدخلتُ، وخرجتُ، وسألتُ، واحتججتُ، فكانت الإجابة ببرود: يا حبيبي أنت طالب معهد، ولا يقبل طلاب المعهد إلاّ في الآداب! لا حول ولا قوّه إلاّ بالله!.. دخلتُ الآداب مكرهًا لا بطلاً، ولم أندم، وقد كانت إذ ذاك كليّة تعج بكبار العلماء من الأساتذة سعوديين وعرب وأجانب. وكان النظام يتيح دراسة مواد اختياريّة من أقسام أخرى. فدرستُ بعضها في الاجتماع، وبعضها في التاريخ، ودرستُ الفرنسية فلم أستسغها فنكصتُ إلى الإنجليزيّة. وبعد أن عُيّنتُ معيدًا في القسم، جاءني ترشيح لدراسة الترجمة الفوريّة في فرنسا. غير أن بعض مدرسيّ نصحوني بمواصلة الدراسة في مجالي الأساس، فاستجبتُ. غير أني فشلتُ في الذهاب في بعثةٍ أخرى، مع حصولي على قبولٍ من بعض الجامعات الأوربيّة، في إسبانيا خاصّة؛ لأن البعثات كانت قد أُلغيت خلال تلك الفترة في التخصّصات الأدبيّة، وذهبتْ محاولاتي أدراج الرياح، مع أن عميد الكليّة إذ ذاك كان بنفسه في صفّي. فلمّا وجدتُ أن الوقت يسيل بين أصابعي وأنا في مفاوضات بيروقراطيّة، متعلّقًا بسرابٍ غربيّ، قررتُ أن أسجّل في برنامج القسم للدراسات العليا. وقد كان، وحصلتُ على الماجستير والدكتوراه
بتفوّق. ثم ذهبتُ إلى الولايات المتحدة وبريطانيا بعد حصولي على الدكتوراه في سنة تفرغ؛ لأدرس مع طلبة الدراسات العليا كواحد منهم، وأنخرط في الحقل البحثي والأكاديمي هناك، فأعوّض بقايا حُلمي القديم.
وهكذا، فقد اكتشفتُ أنني لم أخسر شيئًا، ولم يفتني الكثير ممّا كنتُ أحلم به، وأن كلاًّ ميسّر لما خُلق له. وختامًا، أستطيع القول إن ذلك النزوع العلميّ المبكّر ربما انعكس في دراساتي الأدبيّة والنقديّة، وهو ما قد يُحسب لي أو عليّ، حينما تبدو صرامة المنهاج أو الأخذ بمنطق الإحصاء متصادمَين مع السائد العربيّ في مثل تلك الدراسات وما ألِفَه المتلقّون فيها.

مجلة "المعرفة" السعوديّة، ع189، محرم 1432هـ= ديسمبر 2010م

أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
7- 7- 2011
p.alfaify@gmail.com
http://khayma.com/faify/index316.html
بواسطة : faifaonline.net
 3  0  763
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:36 مساءً الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.