مقالات

سيرة الصوم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .

إنها كلمات خفيفة وأحاديث متفرقة لملمت شتاتها في عقد واحد لأنثرها بين يديك أخي الصائم لتطلع من خلالها على قصة

بداية الصوم وحتى نهاية استقراره على ما هو عليه اليوم وكل ما في هذه المقالة هو أحاديث صحيحة إما في البخاري ومسلم أو حكمها عليها الألباني رحمه الله أو الأرناؤوط ومن معه في تحقيقهم لمسند أحمد بن حنبل وقد اكتفيتُ بذكر مصدرها دون التخريج وذلك رغبة في الاختصار ..
لم يكن المسلمون في مكة يؤمروا بالصوم إلا أن قريشا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه أيضا ( صحيح مسلم ).
فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة كان يصوم لوحده ثلاثة أيام من كل شهر فصام تسعة عشر شهرا حتى رمضان (مسند أحمد ) من السنة الثانية للهجرة وفي هذه السنة دخل عليهم شهر محرم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بصوم يوم عاشوراء فرضا حتى أنه كان يحثهم ويتعاهدهم عليه ( صحيح مسلم ) ويتابعهم ويتأكد من صومهم فلما دخل شهر رمضان المبارك في السنة الثانية للهجرة أنزل الله آيات من القرآن الكريم تأمر بالصوم ولكن من غير سحور ولا قرب للنساء في الليل ، فيؤمر الصائم بالصوم من الفطور إلى الفطور ولا يقرب زوجته ، ولكنهم كانوا مخيرين بين الصوم أو إطعام مسكين ويجزئ عنه (مسند أحمد ) والآيات المشار إليها سابقا هي قوله تعالى ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} إِلَى قوله تعالى {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فكان الأمر فيه شيء من السهولة نوعا ما في هذه المرحلة.. ثم أنزل الله سبحانه وتعالى قوله {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} إِلَى قَوْلِهِ {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} قَالَ جابر رضي الله عنه : فَأَثْبَتَ اللهُ صِيَامَهُ عَلَى الْمُقِيمِ الصَّحِيحِ وَرَخَّصَ فِيهِ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَثَبَّتَ الْإِطْعَامَ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ، ) مسند أحمد إلا أنه رُخص لهم في الأكل والشرب وقرب النساء مالم يناموا فَإِذَا نَامُوا امْتَنَعُوا ( مسند أحمد ) حتى وقت الفطور من اليوم التالي ، فصام المسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم رغم مشقته في هذه المرحلة وكان بعضهم يحصل منه أن يقع على أهله ليلا كما حصل لعمر رضي الله عنه حيث ( أَرَادَ امْرَأَتَهُ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ نِمْتُ فَظَنَّ أَنَّهَا تَعْتَلُّ فَأَتَاهَا) (أبو داوود ) وبعضهم قد يفوته الفطور فينام من تعب يوم كامل فيضطر إلى إكمال الصوم إلى اليوم الثاني فلا يتحمل فيأتي عليه الظهر فيسقط مغشيا كما حصل لقَيْسَ بْنَ صِرْمَةُ رضي الله عنه كما في البخاري والمسند حيث ( ظَلَّ يَعْمَلُ صَائِمًا حَتَّى أَمْسَى فَجَاءَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ : هَلْ عِنْدَكِ مِنْ طَعَامٍ ؟ قَالَتْ : لاَ ، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ نَامَ وَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ ، قَالَتْ : خَيْبَةٌ لَكَ ، فَأَصْبَحَ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ حَتَّى أَصْبَحَ فَأَصْبَحَ صَائِمًا قَالَ: فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ جَهَدَ جَهْدًا شَدِيدًا قَالَ: \” مَا لِي أَرَاكَ قَدْ جَهَدْتَ جَهْدًا شَدِيدًا؟ \” قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي عَمِلْتُ أَمْسِ فَجِئْتُ حِينَ جِئْتُ، فَأَلْقَيْتُ نَفْسِي فَنِمْتُ، وَأَصْبَحْتُ حِينَ أَصْبَحْتُ صَائِمًا.) مسند أحمد والبخاري و(جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَرَادَ الطَّعَامَ فَقَالُوا: حَتَّى نُسَخِّنَ لَكَ شَيْئًا، فَنَامَ \” ( أبو داود ) فمن خلال الحوادث السابقة وربما يوجد غيرها لم نطلع عليها كانت المشقة واضحة على الناس في هذه المرحلة لكنها مرحلة لم تطل على الناس كثيرا وإنما هي التربية التي يربي بها الشرع الناس حيث يتدرج بهم إلى أن يوصلهم للمرحلة الأكمل والأسهل . ثم بعد هذه الحوادث أنزل الله تعالى قوله سبحانه (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ) ( ففرحوا بها فرحا شديدا فأكلوا وشربوا حتى تبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) ( سنن الدارمي ) إلا أن بعضهم ظل محتارا في المراد بالخيط الأبيض من الخيط الأسود ففي البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: \” أُنْزِلَتْ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ، مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ} وَلَمْ يَنْزِلْ {مِنَ الفَجْرِ}، فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ: {مِنَ الفَجْرِ} فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ \”
وربما أن يعضهم اتخذ خيطين تحت وسادته وظل ينظر فيهما فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم به قال له («إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ، إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ» صحيح مسلم فكنى بالوسادة أي أنه سيكون طويل النوم وهو ما تشير إليه رواية البخاري ( إنك لعريض القفا ) وبهذا يتبين لنا كيف أن الصوم مر بمراحل تدرج الشارع الحكيم بالناس فيها حتى استقر بهم الحال على ما هم عليه الآن من الصوم في النهار والفطر في الليل .
نسأل الله بفضله أن يتقبل منا الصيام والقيام وجميع الأعمال إنه سميع مجيب
الماحة : يشير حديث جابر رضي الله عنه كما في المسند ( فصام النبي تسعة عشر شهرا ) أن رمضان فرض من بعد اليوم الخامس عشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثانية للهجرة والله أعلم .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه .

عبد الله سليمان مفرح الفيفي
صفحتي في تويتر abdullahalfyfy

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: