مقالات

الارتقاء الكاذب

أ.محمد بن سالم بن سليمان الفيفي
أ.محمد بن سالم بن سليمان الفيفي

هناك الكثير من الأخلاق السيئة التي تُكسب صاحبها الإثم والتي يمقتها الناس حينما تصدر عن المرء، وكثيرة هي الأخلاق التي قد يتخلق بها الإنسان سواء قبيحة أم جميلة فتُسفر عن ما في نفس صاحبها، وكما هو المشاهد فكل يتخلق بالأخلاق التي يرى أنها تكمل شخصيته وترقى بهي إلى المرتبة التي يرى أنه من المفترض أن يكون فيها .. أو يتخلق بالأخلاق التي تم تربيته عليها من قبل والديه أو أحدهما وبحسب البيئة التي نشأ فيها الأبوين .. وليس هناك خلق يُحرّم على صاحبه الجنة ويدخله النار من بين كل الأخلاق السيئة والممقوتة إلا خلق واحد؛ وللأسف فإن هذا الخلق سائد في المجتمع وكثيراً ما تجده بين الأقارب والإخوان خاصة .. وقد خصه النبي صلى الله عليه وسلم بأحاديث كثيرة سوف أورد منها نبذة يسيرة .. ففي الحديث الصحيح: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”. وقال صلى الله عليه وسلم: “الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار”.

بل قد ذمه الله تعالى قبل نبيه فقال: (وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأرْضِ مَرَحاً إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) {لقمان:18}. وقال: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ) {غافر:35}.

ولم يرد وعيد كهذا في أي خصلة ذميمة من الأقوال والأفعال المتعلقة بالأخلاق؛ فدل هذا على سوء هذا الخلق وقباحته ووضاعة صاحبه وهوانه على الناس في الدنيا وعلى الله في الآخرة.

وبعد هذا فلا نزال نجد المتكبرين والمتغطرسين يجوبون الحياة في مجتمعنا ويبحثون عما يزيد في كبرهم وتعاليهم وغطرستهم على الناس من تفاخر بتلك الشهادات الوهمية والمناصب الكاذبة .. وبهرجة هي أوهن من بيت العنكبوت، فهذا الخلق المذموم لا يلجأ إليه إلا من كان في نفسه نقص واضح وعوار بين أو قصور في الهمة أو عدم ثقة بالنفس وقديماً قيل: السنبلة الممتلئة بالقمح تخفض رأسها .. والسنبلة الفارغة ترفع رأسها .. فلا يتواضع إلا كبير، ولا يتكبر إلا صغير.

إن المتكبر والمتعالي على الناس إنما يتفاخر بشيء لم يصنعه هو .. فتجده يفتخر بجماله وهو لم يخلق جماله .. ويفتخر بنسبه وليس هو من اختاره .. وكان الأحرى به أن يفتخر بأخلاق هو من تحلى بها.

والمصيبة أن يفتخر الإنسان بعمل لم يقم به وإنما تصدق به عليه أحد من الناس؛ أو أخذه بطريق التحايل والمكر والخديعة؛ أو بطريق الرشوة والتزوير .. كما هو المشاهد في زماننا هذه من أصحاب الشهادات الكرتونية المزيفة التي كان صاحبها قبلها لا يُنظر إليه ولا يُسمع لكلامه في قلة أو كثرة وحينما حصل عليها رفع بها نفس كاذبة وتعالى بها ارتقاء في سماء مجده الواهية .. وما علم أنه بفعله هذا أنقص من قيمته وحط من مكانته بكذبه على الناس – بادعائه علم لم ينله ومعرفة لم يصل إليها- والذي سيتضح ولو بعد حين من الزمن لأنه وكما قيل حبل الكذب لا يدوم.

فقد اتفق العقلاء على أنه لا يتواضع إلا كبير، ولا يتكبر إلا وضيع، ولا تقاس العقول بالأعمار .. فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ.

ومن أجمل ما قرأت: أنه وقف رجل وسيم المنظر أنيق الهندام أمام “سقراط” فأخذ يتبختر ويتباهى بلباسه، ويفاخر بمنظره ووسامته فقال له “سقراط”: “تكلم حتى أراك”.

وقال ابن المعتز: “لما عرف أهل النقص حالهم عند ذوي الكمال، استعانوا بالكِبْر، ليعظم صغيراً، ويرفع حقيراً، وليس بفاعل”.

وقال الشاعر:

كـــــــــــم جاهلٍ متواضعٍ              سترَ التواضعُ جهلَه

ومميـــــــــزٍ في علمِـــــــــــه                هدم التكبرُ فضلَــــــه

فدعِ التكبرَ ما حييتَ                ولا تصاحبْ أهلَـــــــه

فالكِبْرُ عيبٌ للفتــــــى               أبدًا يُقبِّحُ فعلَـــــــــــــــــــه

وقال أخر:

بِشْرُ البخيلِ يكادُ يُصْلِحُ بُخلَه       والتِّيهُ مَفْسدةٌ لكلِّ جــــــوادِ

ونقيصـــــــــــــةٌ تبْقَــــــــــــى على أيامِه   ومَسبَّةٌ في الأهلِ والأولادِ

قال الغزالي رحمه في إحياء علوم الدين: أما السبب الذي في المتكبر فهو: العُجب، وأما الذي يتعلق بالمتكبَر عليه فهو الحقد، والحسد، وأما الذي يتعلق بغيرهما فهو الرياء، فتصير الأسباب بهذا الاعتبار أربعة: العُجب، والحقد، والحسد، والرياء.

أما العجب: فإنه يورث الكبر الباطن، والكبر يثمر التكبر الظاهر في الأعمال والأقوال والأحوال.

وأما الحقد: فإنه يحمل على التكبر من غير عُجب كالذي يتكبر على من يرى أنه مثله أو فوقه، ولكن قد غضب عليه بسبب سبق منه، فأورثه الغضب حقداً، ورسخ في قلبه بغضه، فهو لذلك لا تطاوعه نفسه أن يتواضع له، وإن كان عنده مستحقاً للتواضع، فكم من رذيل لا تطاوعه نفسه على التواضع لواحد من الأكابر لحقده عليه أو بغضه له؟ ويحمله ذلك على رد الحق إذا جاء من جهته، وعلى الأنفة من قبول نصحه، وعلى أن يجتهد في التقدم عليه وإن علم أنه لا يستحق ذلك، وعلى أن لا يستحله وإن ظلمه، فلا يعتذر إليه وإن جنى عليه، ولا يسأله عما هو جاهل به.

وأما الحسد: فإنه أيضاً يوجب البغض للمحسود، وإن لم يكن من جهته إيذاء، وسبب يقتضي الغضب والحقد، ويدعو الحسد أيضاً إلى جحد الحق حتى يمنع من قبول النصيحة، وتعلم العلم، فكم من جاهل يشتاق إلى العلم وقد بقي في رذيلة الجهل لاستنكافه أن يستفيد من واحد من أهل بلده أو أقاربه حسداً وبغياً عليه؟ فهو يُعرض عنه، ويتكبر عليه؛ مع معرفته بأنه يستحق التواضع بفضل علمه، ولكن الحسد يبعثه على أن يعامله بأخلاق المتكبرين، وإن كان في باطنه ليس يرى نفسه فوقه. أهـ.

فالكبر يهدم الفضيلة ويميت الكرامة ويمحق العمل ويورد صاحبه المهالك، وينقص من قيمة صاحبه أمام الناس فلا يذكرونه بخير ولا يستبشرون بقدومه .. قد نُبذ بسبب خلق ذميم رأى أنه له رفعة ومنعة من الناس؛ فأصبح فعله ذم عليه ووصمة عار على جبينه .. بسببه احتقره الناس وسفهوه لأنه ابتعد عن أخلاق الأنبياء والصالحين، وما تواضع أحد لله إلا رفعه.

فأهل العقول العارفة لا يتكبرون لأنهم علموا أن التكبر منقصة وليس جبراً للكمال المنشود الذي يبحث عنه الحمقى بسبب جهل عقولهم ونقص معارفهم، ولذلك قال عنه العارفين بحقيقته وصفاً جميلاً لا يحتاج إلى زيادة.

قال أبو حيان التوحيدي: “ما تعاظم أحد على من دونه إلا بقدر ما تصاغر لمن فوقه”.

قال جوناثان سويفت: “التكبر دليل على الذل أكثر منه دليل على الكبر”.

وقال فرانك ليهي: “التكبر هو المخدر الذي يسكن ألام الغباء”.

وقال بيلامي بروكس: “التكبر هو ما تقدمه الطبيعة الكريمة لتخفيف ألام الحمقى”.

وأختم هذا بأن أقول أن التكبر سبب لصرف صاحبه عن فهم آيات الله تعالى، والاهتداء إلى الدين الحق فقد قال سبحانه وتعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) {الأعراف:146}. وكفى بهذه الآية رادعة عن هذا الخلق الذميم لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق