الجمعة, 21 شعبان 1440 هجريا, الموافق 26 أبريل 2019 ميلاديا

(أعلام فيفاء): الشيخ / يحي بن جابرالعمامي الفيفي

(أعلام فيفاء): الشيخ / يحي بن جابرالعمامي الفيفي

الشيخ يحيى جابر

الشيخ / يحي بن جابر بن مفرح العمامي الفيفي (رحمه الله)

في الغالب يكون الإنسان نموذجا مصغراً لمخرجات البيئة التي نشأ فيها ويكون المجتمع الذي هو جزء منه هو القالب والبوتقة التي تشكل وتصقل ذلك الفرد من أفرادها .

لكن المتميزون والمبدعون والعظماء لا يرضخون لكل تلك القواعد ولا يرضون أن تكون العقبات والعوائق حاجزاً معيقاً لطريق الذي رسموه ولن يثنيهم عن المكانة التي يرغبون امتطاءها كثرة وتعدد المنغصات لأن الله أراد لهم أن يكونوا مختلفين فغرس في نفوسهم الهمة والإصرار وأكسبهم القدرة على التخطيط وأعانهم بالمثابرة والحرص وهيأ لهم ملَكات ومقومات النجاح والإبداع .

أحاول في هذه الأسطر القليلة عرض بعضِ ما توفر بين يدي أو نُقل إلي عن   الشيخ يحي بن جابر بن مفرح بن محمد بن أسعد بن مفرح العمامي الفيفي (رحمه الله) . ذلك الشيخ الذي تصدر للخَطابة والإمامة , وأخذ على عاتقه تَعليم كل من يحيط به في مجتمعه تعاليم الدين وأحكام الشريعة في الوقت الذي ساهم فيه بكل جُهده وخِبرته في تعميم ونشر ثقافة تَعليم الناشئة القراءة والكتابة وقراءة القرآن , أشاع التعليم بطرق الترغيب والحث والإرشاد وبالترهيب أحياناً و باِستخدام سلطة الدولة إن استوجب الحال ليصل نُور العلِم لكلِ بيت وهذا لم يكن بين أفراد قبيلته فقط , إنما كان همه وحرصه على فيفاء عموماً وبدرجة أخص القبائل المجاورة لقبيلته قبيلة العمامي .

نظرة مختصرة عن المجتمع قبيل ولادته :-

 الكل يعلم ما كان عليه الحال عِند توحيد هذه البلاد ولن أطيل في هذا الجانب فكيف بالحال قبل التوحيد بعقود فالجَهل كان هو السائد و الأمية هي المسيطرة ناهيك عن الخوف والجوع الذي رَزَحت تحته البلاد عموماً , وفيفاء لم تكن اِستِثناء من ذلك الحال بل زَادت طبِيعتُها الجُغرافية الوضع تأزماً وكانت شبه معزولة عن حَواضِرِ العِلم والتَعلم مع ندرتها وبعدها أصلاً ناهيك عن الأسباب الاقتصادية والسياسية المخيمة .

ولا لوم على مُجتمع همه وغَاية مَطلبه إيجادُ ما يحفظ رمق حياة أفراده من قوتِ وما يحفظ لهم أنفسهم وممتلكاتهم في وقت لا صوتَ فيه فوق صوتِ القوي . فالعلم والتعلم في مثل هذه البيئة وتحت وطأة هذه الظروف يعد في نظرهم ترف وبذخ لا فائدة من الوصول إليه , هذا إن بقي لهم من يومهم وقت لتخيل سلك الطريق إليه أصلاً .

مولده وتعليمه

الشيخ يحيى جابر ولد الشيخ يحي بن جابر بن مفرح بن محمد بن أسعد بن مفرح العمامي في بيت   ( المحماة ) في بقعة آل العمامي حولي عام1320هـ بعد أن رزق والده ووالدته مارحة بنت سلمان السلماني (رحمها الله)  بذكور وإناث قبله لكن لم يسلم لهم قبله مولود ذكر ما جعل والده بعد أن رزقه الله إياه يزيد اهتمامه به ويوليه رعاية مضاعفة لإعداده لما توسمه فيه .

 كان والده جابر بن مفرح بن محمد بن أسعد بن مفرح آل هاجرة مقدم في القبيلة ورأيه مسموع لما يتصف به من صفات مع أنه لم يُذكر أنه كان يقرأ أو يكتب وهذه الأمية إن صحت جعلته يستشعر المسؤولية تجاه القبيلة وأدرك أن التعليم ما ينقصه , وإن كان قد فاته موكب المتعلمين جعل نصب عينيه أن لا يُفُوتَ ذلك على أولاده وخاصة شخصيتنا هذه فعهد بتعليم ولده لصهره زوج ابنته سعيدة بنت جابر . عهد به لشيخ الفاضل والحكيم العابد / جبران بن ساري بن ناشر المثيبي الفيفي (رحمه الله ) وهذا المعلم الفاضل هو من كان يخطب ويصلي بالناس في مسجد نيد العادي حتى وصل طالبهُ النجيبُ لسن الرشد وأتقن القراءة والكتابة وبعض الأحكام الفقهية وتصدر هو للإمامة والخطابة وتلك كانت انطلاقته الفعلية فقد كان لمعلمهِ وحرص والده دورُ كبير في إجادته القراءة والكتابة في وقت قصير وأثمر كل هذا الحرص والمتابعة في إجادته لعدد من الأدوار والمهام المجتمعية التي نبغ وأبدع فيها لاحقاً حتى وصل لمرحلة التفرد على مستوى فيفاء في كثير من الجوانِب التي سأتَطرق لذكر بعضها لاحقاً إن شاء الله .

 زوجاته وأبناؤه :

 تزوج شيخنا زواجه الأول من فاطمة بنت سالم بن يزيد العمامي (رحمها الله)  وأنجب منها خمسة أبناء وثلاث بنات

1 علي بن يحي بن جابر  (رحمه الله).

2 حسن بن يحي بن جابر (شيخ قبيلة العمامي حالياً حفظه الله) .

3 جابر بن يحي بن جابر  (رحمه الله ).

4 أحمد بن يحي بن جابر .

5 حسين بن يحي بن جابر .

 أما البنات من زوجته فاطمة بنت سالم فهن خيرة بن يحي , مطره بن يحي , وصفية  , وأما زوجتهُ الثانية فهي فاطمة بنت قاسم بن حسن العمامي (رحمها الله) وأنجبت له موسى بن يحي بن جابر وجميلة بنت يحي بن جابر (رحمها الله) .

سماته الشخصية وأبرز مناقبه

 سَأُحاول إجمال صفاته الشخصية وما قدمه لفيفاء عموماً وقَبيلَته خصوصاً اختصاراً للوقت , وأملاً بأن يأتي من يجمع أعماله ويوثقُ مناقبهُ مستقبلاً ويخرجها بشكل منسق ومرتب حسب الأحداث , فمِن الظلم والإجحاف لمثل هذه الشخصية الفذة أن أذكر شَذراةُ ما وصلني دون توثيق زمني ومكاني مع الأحداث المصاحبة والشخصيات المتواجدة ليكون المطلع في إطار الحدث , وهذا أقلُ ما يُقدم لمثل هذه الشخصية التي سبقت جيلها بمراحل . ومع تحفظي على ذِكر بعض الموافق والمناقب لكن من حق القارئ والمطلع على سيرته من خلال هذه الأسطر المتواضعة , من حقه أن أذكر بعضها  كنماذج مختصرة على شكل نقاط , تحفيزاً للباحثين ونموذج يحتذى للمربين والمتصدرين .

سماته الشخصية وأبرز مناقبه:

امتاز رحمه الله بالحنكة الإدارية والحكمة النابعة من صفاته ومما جناه من علم وما اكتنزه من تجارب , كان الهدوء سليقةَ فيه وإن اعتراه بعض الحدة والشدة في بعض المواقف فهذا مما يقتضيه الموقف ويستوجبه مقام الحال . كان سريع البديهة في أحلك المواقف , كانت الرَوية والتأني صفة ملازمة له وسجية من سجاياه وهذا ما جعل كل قراراته وأرائه صائبة عموماً ومحل إعجاب دائم ممن يسمع عنها .

 كان تعامله مع أبنائه تعاملاً مختلفاً عن ما هو مألوف حينها فكان يتعامل معهم في ما يتعلق بالتربية كتعامل القائد أو الزعيم . حَرِص على تعليم أبنائه القراءة والكتابة وقراءة القرآن وأحكام الدين ولم يخص أبناءه الذكور فقط , فقد كان لبناته نصيب من التعليم . كان حريصاً على نقل كل ما تلقى من علم شرعي وموروث عرفي قبلي  لكافة أبنائه مع أن التقاءه بهم عادةً لا يكون إلا بعد المغرب , فهو من الصباح الباكر إلى ما قبيل المغرب يكون مشغولاً بقضايا الناس سواء في قبيلته أو في فيفاء عموماً .  كان رحمه الله ملاصقاً وملازماً لأصحاب القرار في فيفاء كالشيخ علي بن يحي (رحمه الله)  شيخ شمل قبائل فيفاء وبعد وفاته مباشرة كان من البديهي أن  يلَازم ولده الشيخ حسن بن علي (رحمه الله) مع بعض المشايخ عملاً بوصية الشيخ علي بن يحي قبل وفاته لأن الشيخ حسن بن علي (رحمه الله) تولى الشيخة في سن مبكر وكان لِزاماً على أهل الخِبرة والمشورة أن يكونوا معه في بدية مزاولته مهامه وكان الشيخ يحي بن جابر العمامي في مقدمة هؤلاء .

 كما أشرتُ كان تعليمه لأبنائه علوم الدين والدنيا في خطين متوازيين ولم يحرم بناته تلقي العلم فلم يقصهن كما هي عادةُ المجتمع حينها حتى أن ابنته الكبرى    خيرة بنت يحي كانت تُعلم النساء أمور دينهن وترشدهن حتى في المسائل الأسرية كتربية الأبناء وطاعةِ وبِرِ الأزواج كلما التقت بإحداهن على مورد الماء  أو أماكن الاحتطاب .

تَعاملُه مع أبنائه يتصف بالحكمة وبعد النظر فمما ذكر لي بعض أبنائه من المواقف الحكيمة التي غيرت وأثرت في مسيرة حياتهم على سبيل المثال لا الحصر. موقف اصطحابه لولده/ جابر بن يحي (رحمه الله) لأداء فريضة الحج معه عام 1384هـ مع أنه كان ثالث أبنائه مولداً ولم يكن أكبرهم فأثرت رحلة الحج هذه على الشيخ جابر بن يحي (رحمه الله) وغيرت الكثير من المفاهيم في حياته وعاد بعد رحلة الحج هذه وكب على إكمال طلب العلم حتى تصدر لإمامة مسجد نيد العادي والخطابة فيه .

 وهناك نماذج أخرى فيما يخص سياساته الأسرية لا يتسع الوقت لذكرها الآن .

أما أعماله وما قدمه لقبيلته وفيفاء عموما فهي أكثر من أن تحصر من خلال هذه الأسطر وسأكتفي بذكر بعضها دون تفصيل . تميز رحمه الله كما قلنا وتفرد بين جماعته باطلاعه وتفقهه في أمور الدين وأحكام الشرع كالمواريث وإخراج وحصر الزكوات وألم بتغسيل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم فهو المشارك الثابت في تغسيل وتكفين أي ميت في عموم جهته , وقبيل الصلاة دائماً ما يلتفت للمصلين ليعلمهم كيفية الصلاة ففي زمنه من يعرف صلاة الجنازة يعد عملة نادرة .

 كما كان بارعاً في الكتابة و إن لم نطلق عليه كاتب فيفاء الأول في زمنه نكن قد ظلمناه ظلماً بيناً . أبدع وتميز في كتابة الحجج (الظنات) ويعد خبيراً في توزيع المواريث فأغلب الحجج والعرائض المكتوبة في فيفاء في فترة حياته هي من خط يده الذي تميز بالجمال والإحكام لمنع الإضافة أو الحذف فيها , كل ذلك هيأه ليكون في طليعة المحكمين  في فيفاء لحل النزاعات الحدودية القبلية بين قبائل فيفاء فيما بينها إن وجدت , أو قبائل فيفاء والقبائل المجاورة كما حدث بين قبائل فيفاء وقبائل بلغازي – كان مصلحاً اجتماعياً ومندوباً قضائياً للفصل في الكثير من قضايا النزاع على الحدود أو الخلاف في المواريث وأهلته إمكاناته للفصل في الخلافات الشخصية بين المتخاصمين وإطفاء نار الفتنة قبل نشوبها بين المتنازعين سواء كانوا أفراداً أو جماعات حتى لقبوه (شرع الله الحديش ) لأنهم كانوا يلقبون القاضي بشرع الله وشيخنا لقبوه بما معناه  (القاضي الصغير) .

(صور من العرائض والظنات التي كتبها)

حجة 3 حجة 4 حجة 5

كما أشرت في التوطئة فقد عمل بكل حرص على نشر العلم وثقافة التَعلم وخاصة بين الناشئة فقد أحصى الطلاب (المعلامة) والمعلمين ووزعهم في مجموعات مع معلميهم  , ومن يرفض التعليم سواء كان من الطلاب أو أوليائهم كان يستخدم معهم أسلوب النصح والإرشاد والترغيب , وإن لم يجدي هذا الأسلوب استخدم سلطة الدولة بالإيعاز لشيخ الشمل أو أمير فيفاء حينها لإجبار الناس وحثهم على طلب العلم .

نتج عن ذلك ما نلاحظه اليوم جلياً بين آبائنا فمنهم من تجاوز الثمانين عاماً وهو يجيد القراءة والكتابة ويمكن القول أن كل من عاصره من أفراد القبيلة والقبائل المجاورة هم متعلمون بفضل الله ثم بفضل جهوده رحمه الله وذاك الاهتمام  هيأ وزاد الحرص على التعليم فيما بعد حين أنشئت مدارس القرعاوي والمدارس الحكومية بعد ذلك .

الشيخ يحي بن جابر بن مفرح العمامي (رحمه الله) اطلع بدور مشارك ومساهم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر لما تشهده أجزاء واسعة من فيفاء من تقد م معرفي وما تزخر به من رصيد ثقافي فكما هو معلوم أن المخزون الثقافي المكتسب لأي مجتمع يكون تراكمياً .

 أيادي شيخنا أيادٍ بيضاء على فيفاء عموماً فما ذكرته كان نذراً يسيراً مما قَدم وأختِم بمثال على ما قدم للأهالي وكان سبباً فيه حين رفع عريضة يطلب فيها المساعدة من الملك سعود رحمه الله وفعلاً جاءت المكرمة باسمه ولقبيلته خاصة فلم يستأثر بها  وتم توزيعها على كافة أهالي  فيفاء من سوق عيبان .

رحم الله شيخنا فارس القلم وربيب الحكمة , رحم الله شيخنا بعيد النظر وثاقب الرأي والمشورة , رحم الله شيخنا وكيل الأيتام وسند الأرامل .

وفاته رحمه الله:

توفي الشيخ يحي بن جابر بن مفرح بن محمد بن أسعد بن مفرح العمامي الفيفي  في ذي الحجة عام 1390هـ ودفن بالقرب من منزله المخاديم بعد أن قدم رسائل نبيلة لمجتمعه وقدم خدمات جليلة , وحقق أهدافاً تعد في نظر أقرانه ومعاصريه سراباً لا يطال في ظل تلك الظروف ,  مرت به أحداث عدة أهمها

توحيد المملكة العربية السعودية  وغزو جيش الإمامة الملكية في اليمن لفيفاء وخروجهم منها  والعديد من الأحداث الداخلية التي أثر فيها وأثرت فيه .فرحم الله شيخنا رحمة واسعة وجزاه خير الجزاء على ما قدم لفيفاء وأهلها في تلك الحقبة من الزمن  .

حسين بن مفرح الفيفي

 [email protected]

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    hasson

    رحمك الله ياجدي واسكنك فسيح جناته ..

علقّ على هذا المحتوى ..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: