الأربعاء, 19 شعبان 1440 هجريا, الموافق 24 أبريل 2019 ميلاديا

منطق المعنى!

منطق المعنى!
7fd3ce17-7650-470f-b21d-a020c3a1880a_main قال صاحبي المؤرِّخ: لِمَ لا نقول لمستعمل اللغة: «قلْ وقلْ»، بدل «قلْ ولا تقلْ»؟!

قلتُ: لعلّ صنعة التاريخ قد أدركتك! فالتاريخ كثيرًا ما يُكتب بحسب أهواء الحكَّام وعقائدهم، وتتعدَّد فيه الروايات والأقوال، حتى عُدَّ التاريخ في بعض الحقب ضربًا من (السرد الروائي)، وفنًّا في تصوير الأحداث، واجتهادًا في تأويلها.
قال: كيف؟
قلتُ: كيف تسألني وأنت ابن بجدتها؟! أوّلًا، لعلّ كلمة Story في الجذر اللغوي اللاتيني، وما تمخّض عنه في لغات أوروبا، هو (الأسطورة) في العربيَّة. وهي قِصَّة مسطورة، أي مكتوبة، أو مرويَّة متوارثة، محفوظة في الصدور عن الأوَّلين. ثم منها جاءت كلمة (History). في حين يذهب بعض الباحثين إلى أن أصل الكلمة (أستوريا Istoryia) باليونانيَّة، وربما اشتُقّ منها في العربيَّة: سَطر، وتسطير(1). ولكن لِمَ لا يكون الأمر على العكس: أن الكلمة اليونانيَّة مستقاة عن الساميَّة، التي تحدَّرت منها هذه المفردة اللغويَّة إلى العربيَّة؟ وهي ذات تفرُّع اشتقاقيّ في اللغة العربيَّة، يُرجِّح عراقتها فيها، وأن (الأسطورة) مشتقَّة من (سطر)، لا العكس. أو ربما كان مصدرها مشترَكًا لغويًّا أعلى؛ وليست مستقاة عن اليونانيَّة بالضرورة. وإذا كان الإغريق معروفين بأساطيرهم، فأساطير الساميِّين أقدم، وأوسع انتشارًا، وإنْ اعتمدتْ على الرواية أكثر من التدوين. ولقد كان تأثُّر الإغريق بحضارات المشرق وثقافتهم- وبخاصَّة حضارة بلاد الرافدين ووادي النيل- منذ وقتٍ مبكِّر في التاريخ، غير أنها اندثرت الأصول المشرقيَّة في معظمها، وبُرِّزَت الآثار الإغريقيَّة، بوصفها أصولًا أُولَى، واشتهرتْ مرجعيَّةً للمؤصِّلين. ولقد ظلّ التاريخ في أوروبا إلى القرن الثامن عشر معدودًا من فروع الأدب، قبل استقلاله في القرن التاسع عشر، وظلّ مصطلح Story ومصطلح History متلابسَين في كثير من اللغات الأوروبيَّة.(2) وما كذلك اللغة. إن اللغة قانون. وقولك: «قلْ وقلْ» يعني التشريع «للفوضى غير الخلّاقة»، ويعني إلغاء المعايير، وانتفاء الضوابط، وهذا لا تقول به لغةٌ، ولا يقول به صاحب نظامٍ ذهنيٍّ أو معرفيّ.
إن اللغة العربيّة، بوصفها اللغة الساميَّة الأُمّ، لغة إعرابيَّة. وكذلك كانت الساميَّة الأُولى، كما تدلّ على ذلك الأكديَّة والبابليَّة والآشوريَّة. واللغة، من قبل ومن بعد، هي نظامٌ، ولا نظام بلا معايير دقيقة، وإلَّا انتفى النظام، واستوى الخطأ والصواب، وانتفت اللغة، وانتفى التفاهم، وانتفى التواصل والفهم عن المتحدِّث، وانقطعتْ العلاقة بنصوص التراث. والمشكل، يا صديقي، ليس في هذا النظام اللغوي الصارم. المشكل في التربية والتعليم، وفي اللهجات العاميَّة الطاغية على عقولنا وألسنتنا، وفي فقدان استعمال اللغة في حياتنا وإعلامنا والالتزام بها. أنت تعلم كيف أن التعليم التقليدي كان ناجحًا في إكساب اللغة العربيَّة السليمة للمتعلِّم، يوم أن كان الأطفال يتلقَّون النصَّ القرآني منذ البدء، ويحفظونه، ويستظهرون النصوص الجيِّدة، فينشؤون متمكِّنين تلقائيًّا من لغتهم، دون معرفة القواعد النحويَّة، شَرْطًا. بدليل أن طالب تحفيظ القرآن اليوم يكاد لا يلحَن، إلَّا نادرًا، في حين يلحن أستاذ الجامعة، وعلى نحو مخجِلٍ، في قراءة ورقةٍ، أو آيةٍ قرآنيّة، أو بيت شِعرٍ، أمّا كتابة ذلك، فمصيبة أفدح. فلنسأل عن السبب؟! إنه فشلُ التعليم العربي الحديث. بل عدم اهتمامه بتعليم اللغة على النحو الصحيح، مع ضعف المناهج والمعلِّم، والدائرة تدور بنا من سيِّئ إلى أسوأ. وسيأتي علينا يوم تُلغَى فيه مواد اللغة العربيّة، والقرآن، والدِّين من مناهج التعليم. وهي الآن مقلَّصة، حتى في الجامعة؛ فقد كانت في (جامعة الملك سعود بالرياض)، مثلًا، خلال التسعينيّات من القرن الماضي، ثلاث مواد، ندرِّسها إعدادًا عامًّا لكل طلبة الجامعة: المهارات لغويّة، والتحرير العربي، والتذوّق الأدبي، فأصبحت الآن في مادة واحدة مختزلة، ولعلها لا تُحتسب في معدَّل الطالب.
لم يعد سرًّا أن هناك سياسة عامّة ضِدّ العربيّة أصلًا في الوطن العربي، ومع العاميَّات، ومع اللغات الأجنبيّة. هذا واقع مزرٍ قوميًّا، وهو جزء من التراجع، والاتِّضاع الحضاري، في كل شؤوننا. ويجب أن نعترف بهذا، وإلّا فالمرض مستشر، ولا علاج. فكيف سيعرف التلميذ لغته، والحالة تلك؟ سنستعمل العاميّة، إذن، أو الإنجليزيّة! وبذا، فمنذ ضعُف «التعليم الحديث»، أو هكذا يسمّونه، وابتعد الناس عن القرآن، وعن الدُّربة على النصوص اللغويّة والأدبيّة الرصينة، تردَّى المستوى، كما ترى. وأنت- بوصفك دارسًا في الغرب- تعلم مقدار عناية الأُمم بلغاتها، وعدم التهاون بشأنها، أو التنازل عن ضوابطها، وإن باسم التجديد. وما التجديد والتطوير في اللغة؟ لا منطق هاهنا للقول بالتسهيل في اللغة أصلًا بإلغاء بعض قواعدها، ولكن الصحيح أن يقال: تسهيل تعليمها وتطوير مناهجها. أما القول الأوّل، فكالقول بإلغاء بعض ضوابط الرياضيّات لتسهيلها! وهذا منطق خاطل؛ لأنه يعني إلغاء الرياضيّات من الأساس؛ وبالقياس فإن إلغاء بعض قواعد اللغة يعني إلغاء اللغة أساسًا، واستبدال لغة أخرى مكانها، لغة هجينة كالعاميّة، أو لغة أجنبيّة، وكفى الله العرب لغتهم.
إن اللغة العربية، كما أزعم- وعلى عكس ما يوحي به قولك من ترهيب وترعيب منها- هي أسهل لغة في العالَم، وفيها مرونة لا مثيل لها، غير أن العيب في التعليم، وفي الإعلام. وقد تدهش لزعمي هذا، لكن ألا ترى أن الإنسان غير العربي حين يُسلِم سرعان ما يتعلّمها في زمن قياسي، مقارنةً بغيرها من اللغات، بل يجيدها أفضل من العربي بمراحل؟ وأحد الأسباب أنه لا يعاني مزاحمة تلك التَرِكَة العاميّة التي ورثها العربي عن عصور الانحطاط، لغةً وحضارة.
أمّا ما يُردَّد من اقتباسات مأثورة ضِدّ عِلْم النحو، فإنما كان، غالبًا، عن مواقف من مصطلحات النحويِّين غير المفهومة، لا من اللغة في ذاتها أو نحوها. ولا يصحّ إسقاطها على العربيّة نفسها لإدانتها. ولا ننسى أن هناك- في كلّ زمان ومكان- مَن له مشكلته الشخصيَّة مع العربيَّة، لعُجمة، أو لجهل، أو لقصور مَلَكاته اللغويَّة؛ ومن ثَمَّ فلديه عُقدة نقصٍ، أو نقاط ضَعفٍ ذاتيَّة، تدفعه لنسبة العيب إلى غيره، إلى النُّحاة، أو إلى اللغة، لا إلى نفسه؛ والإنسان عدوّ ما يجهل وما لا يعقل. وستجد مثل هذا في شتّى المجالات. وأمَّا طرائف ما قيل ويقال عن النحو والنحاة، وميدان الفكاهات فيه، فأكثر من أن يُستوعَب في هذا المقام، بيد أن باب الفكاهة شأنٌ وباب الجِدّ في ضرورات اللغات شأنٌ آخر. على أن اللغة بناءٌ متكامل، لا يُنظر في جذاذاته وجزئيّاته للحكم عليه جملةً، وفيها علاقات حضورٍ وغياب، ولا تُفهم نصوصها بحرفية ظاهرها المكتوب أو المنطوق وحده.
يظلّ النحوُ- رعاك الله- منطقَ العقل السليم في تعبيره عن المعنى والإبانة عنه؛ اختلالُه يقتضي اختلال الفكرة وانتفاء التواصل. أما تضخيم الظاهرة الإعرابيّة ومُعضلة الإعراب، فمثلك يُدرك أن ليست العربيّة اللغة الإعرابيّة الوحيدة في العالم. كما لا بدّ تعلم أن الألمانيّة مثلًا، أو الصينيّة- التي أبجديّتها نفسها تبلغ حولَى 80 رمزًا- أصعب من العربيّة بمراحل، لكن لا الألمان قالوا قطّ ولا الصينيّون بتسهيل لغتيهما، من حيث هما، بل بتطوير مناهج تعليمهما. وفرق بين مفهوم (التطوير) والإلغاء أو التخفّف.
ودعني أقف معك على مظهر صغير يتعلّق بالعربيّة من حيث إملاؤها، وهو كتابة الهمزة، على سبيل المثال. ذلك الحرف الذي صار شوكة في حلوق الأقلام اليوم؛ لا تدري ناشئتها أين تضعه. لأقول: إن الإشكال ليس في الهمزة، بل في الحركة التي عليها. فالبناء الصرفي يقتضي اختلاف شكل الهمزة لكي نفهم المقصود من الكلمة، وإلّا عدمنا فهمها، ومن ثم تتنوع كراسي الهمز. ولكن لو كانت للحركات رموز مستقلّة في الخطّ العربي، لأغنى ذلك عن كراسي الهمزة المختلفة. ومجددًا أرى أن قواعد هذا كلّه سهلة، لو أُحسِن تقديمها للمتعلّم. لكن ماذا نفعل بعقول الكُسالَى، معلِّمين ومتعلِّمين؟! هذا بيت الداء، لا الدعوة لإلغاء ما لا نريد أن نكلِّف أنفسنا بتعلّمه. أنت تعلم، يا صاحبي، أكثر من غيرك أن لا تساهل في اللغة الإنجليزيَّة، مثلًا، حتى في وضع علامات الترقيم، وتعلم كيف يُعلِّم القومُ لغتهم، وتعلم كيف يكدح العربي كدحًا لتعلّم الإنجليزيّة، وتعلم كيف يتفاخر بإتقانها، وتعلم كيف يستحيي لخطأ طفيفٍ يقع منه فيها، وكيف يُنظر إليه إنْ وقع في مثل ذلك الخطأ. فلنسأل، إذن، كيف يعلِّمون لغتهم، وكيف نُعلِّم نحن لغتنا؟ ولنبذل لتعلُّم العربيَّة كما نفعل- أو بعض ما نفعل- من أجل إتقان لغاتنا الثانية، ولنُعايش العربيَّة يوميًّا كما نُعايش اللغات الأجنبيّة، طوعًا أو كرهًا، ثم لنحكم!
إن على مَن يدَّعي صعوبة العربيّة، الكامن فيها لا فينا، أن يسأل الأندونيسي، أو الفلبيني، أو الصيني، أو الروسي، المسلم أو غير المسلم، لماذا تعلّم العربيّة فأحسنها أكثر من العرب، وفي زمن قياسي، أسرع ممّا لو تعلّم الفرنسيّة أو الإنجليزيّة؟ والأعاجم عمومًا متفوِّقون في اللغة العربيّة على العرب، ومنذ القِدَم. بل هم الذين علَّمونا قواعد لغتنا، منذ سيبويه، وهلمّ جرًّا. ألا نسأل أنفسنا، في صدق وتواضع، لماذا؟! لا شكّ أن العقل العربي عقل كسول بطبعه، لا صبر له على التعلّم، ولديه في الوقت نفسه ازدواج لغويّ فظيع، مع عاميّة العربيّة. وإلى ذلك، هو يعاني من طُرق التعليم البدائيّة المتخلفة جدًّا، فلا مدارسنا أبقت على التعليم التقليدي، الذي كان ناجعًا في إكساب العربيّة، ولا هي طوّرته.

*
(1) انظر: ظاظا، حسن، (1990)، الساميُّون ولُغاتهم: تعريفٌ بالقرابات اللغويَّة والحضاريَّة عند العرب، (دمشق: دار القلم- بيروت: الدار الشاميَّة)، 130.
(2) انظر: طحطح، خاليد فؤاد، (ذو الحجة 1434ه= أكتوبر 2012م)، السيرة لعبة الكتابة، (الرياض: المجلّة العربيّة)، 154.

أ. د عبدالله بن أحمد الفَيْفي
عضو مجلس الشورى السعودي- أستاذ النقد الأدبي الحديث، جامعة الملك سعود في الرياض
[email protected]
http://khayma.com/faify

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    عبدالرحمن محمد

    وعلى ما تفضلت به أضيف أن المتابع للسان ” الموريتاني” يصيبه الذهول من لسانهم المتمكن بأفانين هذه اللغة العظيمة رغم إسلوب عيشهم البسيط !!
    لا أعلم هل يمكن جلب تلك التجربة لبلاد الحرمين
    أو في أضعف الأحوال لماذا لا يتم “ابتعاث” الآلاف من الطلبة لصقل ألسنتهم في تلك الدولة الغنية بعلمها وبلسانها

علقّ على هذا المحتوى ..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: