من ألف فقد استهدف (3) | صحيفة فيفاء
الأحد, 9 ربيع الآخر 1440 هجريا, الموافق 16 ديسمبر 2018 ميلاديا

من ألف فقد استهدف (3)

من ألف فقد استهدف (3)

الجزء الثاني من الحلقة الثانية

أواصل معكم بإذن الله وتوفيقه النقطة التي انتقدها المنتقد في بداية هذه الحلقة حيث قال: ( لكي يخرج علينا المؤلف بجغرافية مختلفة وحقائق تتعارض مع ما في أذهاننا فكان لابد أن يضع عنوانا مستقلا ضمن الفصل الأول تحت عنوان : { فيفا القديمة أكبر } ويقتضي ذلك ابتكار تسمية جديدة كانت هي (بلاد فيفا).

  فأقول وبالله التوفيق:

لم أبتكر أي تسمية جديدة البتة، بل وضحت لكم تسمية قديمة لبلاد فيفا اكتشفتها في المراجع والمخطوطات التي غَفَل عنها البعض، فأحييت ذكرها هنا بعد أن كادت تندثر وتذهب أدراج الرياح لولا توثيق أصحاب تلك المراجع والمخطوطات لهذه المعلومة فجزاهم الله خيراً، ولعل المنتقد والعلم عند الله لم يتقبل هذه المعلومة المهمة بسبب إطاره الفكري المحدود الذي لا يرغب أن يخرج منه، ولذلك فقد حاول جاهداً تفنيد ما أوردته من أدلة موثقة تؤكد وجود ما يعرف ببلاد فيفا قديماً، ومحاولة إسقاط العلامة والمؤرخ اليمني المطهر الجرموزي، وكذلك المؤرخ اليمني العلامة أحمد الشرفي لأنه ربما يعتقد أنه إذا نجح في إسقاطهما فإن كل ما ورد عنهما من كتابات ستسقط أيضاً.

قال المنتقد في محاولة لتفنيد الأدلة التي أوردتها وكذلك محاولة هز صورة المؤرخ الجرموزي والمؤرخ الشرفي أمام القارئ:

ثم يحشد أدلته ( أي صاحب الموسوعة الميساء ) التي نعرض لها فيما يلي:

الدليل الأول:

ص٤٩/ ينقل من الجوهرة المنيرة للجرموزي قوله ( يقصد المنتقد قوله:) (وبلاد فيفا وهي الأراضي المتصلة ببلاد قحطان في السراة وتهامة إلى قرب ضمد وبوصان) وينقل قوله ( يقصد المنتقد قوله:) ( وبلاد فيفا من مغارب نجران بلاد واسعة) ثم ينقل ما قد يتوهمه القارئ نصا ثالثا للجرموزي دون تنصيص : وأما بنو مالك وأهل فيفا ………….الخ . ثم يذكر (يعني الجرموزي) بأن أهل فيفا قبائل متعددة من بني مالك وأهل حبس وآل كثير !! . ثم لا يقفل اقتباسه المتوهم بعلامة تنصيص ولا يحيلك لورقة المخطوط ولا شيء من ذلك.

والجرموزي لا علاقة له بجغرافية اليمن ولا الجزيرة العربية ولا يرجع له في البلدانيات أو التقسيمات الإدارية ولا يعتد به في ذلك البتة. ومؤلف الموسوعة لم يذكر أن الجرموزي يكتبها مرة بلاد فيفا ومرة يطلق عليها جبل فيفا هكذا دون ضابط مضطرد بل تعمد (أعني صاحب الميساء ) إلى إيهام القارئ بأنه اقتبس هذا من صعيد واحد فحشده مع التصرف بالنص ودون أن يعزو كل اقتباس إلى الورقة المعنية به من المصدر الذي حقق منه أجزاء عدة كرسائل علمية. وعلى هذا فقد خلا نص الموسوعة   من أي إشارة مرجعية أو أقواس مع استباحة النص والتصرف فيه ويمكننا الحكم على الدليل الأول بالسقوط وعدم الأهلية للقوادح المذكورة .

الدليل الثاني:

٤٩/ عن الشرفي في اللآلئ المضية ( المضيئة) قوله: كان لأهالي فيفا أسواق وبلاد تتصل بتهامة. وهو لا ينقل نصا ولا يحيلك إلى الورقة من المخطوط ولا شيء من ذلك.

…………………………………………..

وأقول (ولا زال القول لمحمد بن مسعود) : ليس في هذه العبارة ما يفيد وجود جغرافية تمتد من تهامة قحطان إلى ضمد يطلق عليها بلاد فيفا الواسعة !!

بل يعلم بالبديهة أن جبل فيفا هو الاقرب -(يقصد المنتقد الأقرب)- جغرافيا للحزون بل وتهامة وهو الجبل الذي ذكره الأمير نصر بن ماكولا أنه يرى من ضمد. ومن البديهي أيضا أن كلمة (الاتصال) لا تعني امتدادا لفيفا إلى تهامة أو تماسا أو ملاصقة أو مجارة  -(يقصد المنتقد مجاورة)-  بمقدار ما نفهم أن فيفا وسفوحها مأهولة بالعمران ذات تواصل تجاري مع تهامة يتم فيها تبادل السلع. والنص أعلاه أغار عليه التصرف من قبل الباحث فأصبح خارج الاحتجاج خلوا -(يقصد المنتقد خالياً)- من أي تقسيم إداري ينص على وجود جبل يعرف بفيفا إلى جانب مجموعة جبال تعرف بفيفا ولكنه تحميل للنص لما لايحتمله وتكلف بين جلي وكان أجدر بالكاتب سيما وهو أعلم بجغرافية فيفا وهو أحد أبنائها تعديل وتصحيح ما خلط فيه الجرموزي أو غيره وهذا ماننتظره ونتوقعه من باحث نعده من أهل فيفاء ومن باحثيها فكان على خلاف ذلك حيث جاء يعزز أخطاء الواهمين ويدعمها.

أقول وبالله التوفيق:

كما يتضح للقارئ المهتم فإن للمنتقد نظرة في العلامة المؤرخ الشرفي، وكذلك العلامة المؤرخ الجرموزي تصل إلى حد الطعن في أمانتهما، ورفض كل أقوالهما كما اتضح في هذه الحلقة وكما سيتضح من خلال بعض حلقاته القادمة، كل ذلك بسبب ما ارتكباه من غلطة في اتهامهم لأهالي بلاد فيفا ببعض الأمور السيئة رغبة منهما في تبرير حملات إمامهما على تلك البلاد آنذاك، وهو تبرير دأبا عليه لتلميع غزوات أئم تهم فطمس المنتقد كل ما ورد عنهما من معلومات غنية ومفيدة عن فيفا من غزوات وتاريخ وأنساب وقبائل ومواقع جغرافية، ولعلنا ندرك كما يدرك غيرنا من المنصفين بأن وصف علامة مثل الجرموزي أو الشرفي بمثل هذه الأوصاف التي لا تليق بشخصين في مثل مكانتهما العلمية اعتماداً على مجرد غلطة حصلت منهما هو أمر لا يصح، فالشرفي والجرموزي جزاهما الله خيراً ورحمهما وغفر لهما قد حافظا لنا على أحداث تاريخية ومواقع جغرافية كانت ستندثر وتصبح في عالم النسيان، لولا الله ثم تدوينهما لتلك الأحداث والغزوات والمواقع إلا أنهما غير معصومين من الخطأ، ولكن هذا لا يجعلنا نتجاهل علمهما وفضلهما ، ولا يسيغ لنا وصفهما بما وصفهما به المنتقد مالم يثبت بأدلة قاطعة كذبهما في وصف الأحداث والأماكن والأزمنة.

والعلامة المؤرخ أحمد بن محمد الشرفي وكذلك االجرموزي هما:

أول من حافظ لنا على بعض الأحداث والوقائع والمواقع التي تخصنا فيما وقع تحت أيدينا من مراجع ومخطوطات، ولولا الله ثم كتاباتهما لغابت عنا أحداث فترة تاريخية مهمة من تاريخنا فهل نكافئهما بتكذيب كل أخبارهما عن تلك الأحداث؟ وهل يعتبر هذا من الإنصاف؟ حتى وإن تهجم على أهالي بلاد فيفا واتهم أهلها بما ليس فيهم إلا أن إلغاء وتكذيب كل معلومة وردت في كتاباتهما يعد ضربا من ضروب الجهل واللا معقول لأنهما يعتبران مرجعاً تاريخياً معترفاً به على الأقل في مصداقية الأحداث والأوصاف دون الأسباب الخاصة بالمعارك كما سنوضح لاحقا.ً

وبادئ ذي بدء فأنا لا أدعي أن العلامة الشرفي أو العلامة الجرموزي منزهان عن الزلات والأخطاء فهما بشر يعتريهما النقص كسائر البشر، ويقعان في بعض الزلات والأخطاء كما يقع غيرهم من بعض المؤرخين فإذا علمنا ذلك فإنه يتوجب علينا التنبيه عما وقعا فيه من خطأ، والشكر والثناء على ما صح منهما، لا أن ننتهج نهج محمد بن مسعود ونهضم فضلهما ثم نتهمهما بالكذب والتزييف جزافاً.

أعود فأكرر وأقول بالرغم من وصفهما لأهالي بلاد فيفا بالأعداء واتهامهم بتهمة ليست فيهم إلا أنهما أنصفانا في المحافظة على مساحة بلاد فيفا الواسعة، وذكر بعض البطولات لأهالي جبل فيفا وبعض القبائل المجاورة في بلاد فيفا الواسعة، وأثريانا ببعض المعلومات وبعض تقسيمات القبائل حينها ووصف للغزوات وبعض الأحداث التاريخية التي لولا الله ثم مجهوداتهما التدوينية لفقدنا كل تلك الأحداث والمعلومات المهمة.

ولعلم المتابع الكريم أن الجرموزي وبقية العلماء الذين حددوا لنا بلاد فيفا الواسعة لا يستطيعون الكذب والتحريف في المواضع الجغرافية لأنها ثابتة لا يُقبل فيها الكذب

ثم ما المصلحة التي سوف يجنونها من وصفهم لبلاد فيفا بالاتساع؟ مع أنهم من الفريق المعادي والغازي لفيفا!!!

أليس كان من الأجدر بهم أن لا يذكروا أي ميزة لأهالي فيفا وما جاورها؟ فإذا بهم يؤكدون وعبر أزمان مختلفة اتساع بلاد فيفا وكبرها.

ولنفترض مثلاً أن المؤرخ الجرموزي والمؤرخ الشرفي قد كذبا في هذه المعلومة أليس هناك من علماء اليمن ممن عاصرهم أو أتى بعدهم من كان يستطيع رد أقوالهما؟ ونفي هذه المساحة الجغرافية الكبيرة من بلاد فيفا الواسعة خصوصاً وأن بعض المواقع اليمنية حالياً في شمال وغرب صعدة كانت من ضمن مساحة بلاد فيفا القديمة التي حددها أولئك العلماء؟

والمؤرخان الشرفي و الجرموزي كما هو متعارف عليه فإنهما ثقات عند أهل عصرهما وما بعده من عصور، وكتبهما ومخطوطاتهما متداولة بأيدي العلماء والمؤرخين وقد حُققت فيهما وفي بعض مخطوطاتهما بعض الرسائل العلمية من قبل بعض طلبة العلم، ولم أرَ من يخالفهما أو يتهمهما بالوضع والكذب وغيرها من الأوصاف التي لا تليق إلا محمد بن مسعود العبدلي الفيفي

والمؤرخان الشرفي والجرموزي لهما مكانتهما العلمية عند كل منصف، وهما من هما مع أنهما يصيبان ويخطئان مثلهما مثل غيرهما كما أسلفت، ولكن حتماً سيكون صوابهما أكثر من أخطائهما بكثير، ومن غير المعقول أن نسقطهما ولا نعتد بهما، وما قبول كتبهما في خزانات كتب التاريخ، وإقبال الباحثين على الإحالة عليهما، وتحقيق مخطوطاتهما إلا دليل على تمكنهما وقوتهما في التاريخ، وأنه ليس من السهل على أحد إسقاط حجية ما توارث القوم عنهما من مخطوطات ذات قيمة، وما فيها من معلومات تاريخية جمة

ولعلي أذكر القارئ المهتم أن المؤرخ الواقدي من أكبر من تكلم العلماء في عدالته، ومع ذلك فكثير من أخبار السيرة والتاريخ يكون مرجعا فيها.

والتاريخ كما يعلم الغالبية منا ظني، وليس كعلم الشريعة من حديث وفقه وتفسير حتى يشترط فيه العدالة فإن ثبت لدى عامة المؤرخين كذب ذلك المؤرخ فينبغي تركه بالكلية كبعض مؤرخي الروافض وبعض الفرق الضالة، ولكن حتماً الشرفي والجرموزي ليسا كذلك، فكتب اليمن حافلة بالإحالة عليهما

فهل أنت أيها المنتقد زعيم رابطة المؤرخين حتى تحكم على الشرفي والجرموزي بالكذب والسقوط، أم هل يا ترى أنك عالم من علماء الجرح والتعديل حتى يفزع الناس إليك في معرفة حال المؤرخين؟

وهل تعداد الشرفي أو الجرموزي لقبائل فيفا بدقة ووضوح وذكرهما لبعض مظاهر فيفا الجغرافية في تلك الحقبة الزمنية التي لم نعاصرها ووصف بعض الغزوات التي تعرضت لها دليل على كذبهما؟

لقد كُنتُ فيما يخصهما أكثر منك وعياً وعدلاً وإنصافاً أيها المنتقد، حيث أخذت منهما المفيد ونقلته في كتابي وتجنبت نقل ما لا أقبل منهما، ولم أتطرق لتلك التهمة الصادرة منهما بالتصريح بها والتي لا يقبلها منصف، وأما غالبية المآخذ التي عليهما فقد صرحت بها في كتابي (الموسوعة الميساء لجارة القمر فيفا)، وبينت عدم إنصافهما في تلك النقاط فكانت ردودي على تلك المآخذ عليهما بأسلوب علمي منصف ومتزن بعيد عن التهجم والسب والتهكم كما سنرى في ثنايا هذا الرد نقلاً عما أوردته في كتابي الموسوعة الميساء، حيث جاء ردي عليهما فيما أخطأ فيه كلاهما كاختلاق الأسباب لحملات أئمتهما، وسوق بعض التهم العظيمة المفضوح أمرها، وكل هذا قد تجاهله محمد بن مسعود ولم يذكره لي للأسف في محاولة منه عن قصد أو عن غير قصد في إظهاري أمام القارئ المتابع لانتقاده هذا، وكذلك إيهام من لم يقرأ كتابي بتمعن أو لمن لم يطلع أصلاً على الكتاب واكتفى بقراءة انتقاده بأنني لم أنقل من العلامة الجرموزي أو الشرفي إلا الأكاذيب ،وأن النقل كان دون تمحيص، وهذا من الجور وعدم الإنصاف، ولذلك سوف ترون في ثنايا ردودي الموثقة كما ألمحت أعلاه أنني على العكس مما حاول إيهام المتابع به، حيث أنني قد أخذت منهما ما فيه الفائدة وقمت بالرد العلمي الرصين على ما كان عليهما من مآخذ ومن ذلك ما تطرقت له في الباب الأول الفصل الثاني – فيفا عبر التاريخ في الصفحة رقم (  421 و الصفحة 438   )  قائلاً عنهما:

( العلامة المؤرخ الأديب أحمد بن محمد بن صلاح الشرفي، ولد عام 975هـ وتوفي عام 1055هـ له العديد من المؤلفات منها اللآلئ المضيئة والبعض يقول: اللآلئ المــضـيــة. ومن مصنفاته أيضاَ شرح الأزهار في الفقه بأربعة مجلدات، وهو جد (بيت) السوسوه الذين في دمار من بلاد اليمن الشقيقة وله نسل نجباء). أ. هـ

والمطهر بن محمد بن أحمد الحسني الجرموزي المفضلي المتوفى في 2 /12/ 1076 هـ وقيل 1077 هـ، ونسبته إلى هجرة بني جرموز قرية كبيرة باليمن.  وهو زيدي المذهب، وكان والياً للإمام المؤيد، ومن بعده أخيه المتوكل على بلاد عتمة حتى وفاته، له العديد من الكتب المعروفة.

وهو ممن اساؤوا كثيراً إلى فيفا وما جاورها من بلدان، وذلك عبر كتاباته غير المنصفة جرياً على عادته في التهجم على أي شخص أو قبيلة يحصل بينها عداء هي وأحد أئمة اليمن الأشراف، ويظهر غفر الله له أنه من فرط محبته لهم والغلو الشديد فيهم يصوب أفعالهم إذا سالموا أو هادنوا ويتهجم على من يعادون الأئمة محاولاً تشويه صورهم، وإظهارهم بالأعداء ولا يتحرج من لعنهم حتى وإن كانوا أولئك الأئمة على خطأ، شأنه في ذلك شأن المؤرخ الشرفي وسيلحظ القارئ التحامل غير المقبول من مؤرخين كالجرموزي والشرفي، حيث كان يفترض أن يرصدا الأحداث بتجرد، لكنهما يبالغان في المدح في حق من أعجبا به لأي سبب، ويبالغا في الشماتة في حق من لم يرق لهما، كما هو شأنهما في تشفّيهما بحق أهالي فيفا ومن جاورهم وخصوصاً الجرموزي ). أ.هـ

ولكنني على الرغم من ذلك لم أتجاهل ما أدليا به من حقائق جغرافية ووصف لبعض الغزوات ووصفهم بدقة كبيرة لقبائل فيفا حينها فجزاهما الله خيراً على تلك المعلومات التي لا تقدر بثمن فقد أخذت منهما ما فيه الفائدة والتنوير ولم آخذ بزلاتهما

 وقد نوهت كما رأيتم عن مدى استيائي من ذكرهما لتلك التهم التي يكيلونها لكل من عادى الأئمة.

وهنا أذّكر المنتقد حول الخطأ الذي وقع فيه في أحد حلقاته والتي سأرد عليه بشأنها تفصيلياً في حينه وذلك بخصوص تاريخ ولادة ووفاة الجرموزي وتاريخ ميلاد ووفاة المؤرخ الشرفي فالمؤرخ الشرفي أقدم من الجرموزي ولادة ووفاة وتأليفاً ويقع مخطوطه اللآلئ المضية في ثلاثة مجلدات وكل مجلد يحمل المئات من الصفحات وقد وصف غزو فيفا في عام 1035 هـ في العديد من الصفحات وفصلها تفصيلاً شافياً ووافياً على العكس من المؤرخ الجرموزي الذي لم يتطرق لأحداث تلك السنة إلا في صفحتين فقط وباختصار شديد.

ولعلِّي أختم ما يخص الجرموزي الذي حاول المنتقد تشويه سيرته العلمية وإسقاطه بتعريف شامل له قد ينبه القارئ لما كان عليه المؤرخ الجرموزي من علم وفضل ومكانة في زمانه فهو:

المؤرخ المطهر الجرموزي بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن (المنتصر) علي الشريف الحسن الجرموزي من ولد يوسف بن المرتضى بن المفضل، وينتمي إلى هجرة بني جرموز من بني الحارث، وكان جده محمد بن المنتصر أول من انتقل إلى هجرة بني جرموز.

لقد احتل المؤرخ والحاكم الجرموزي مكانة كبيرة في الدولة آنذاك فقد كان فقيهاً ومؤرخاً وسياسياً وأديباً ولا أحد ينكر العلاقة الوطيدة للمؤرخ الجرموزي بالسلطة الحاكمة في ذلك الحين، وقربه من الأحداث السياسية مما جعله شاهد عيان ساعد على رصد كل الأحداث التاريخية في تلك الحقبة الزمنية التي عاصرها ومنها الأحداث التي جرت لبلاد فيفا حينها.

عاصر الجرموزي قيام الدولة القاسمية في اليمن وشارك في أحداثها ووقائعها، وتأثر بسير الحوادث القائمة فيها، فسجل كل تلك الحوادث السياسية والعسكرية، ودونها في ثلاث سير لثلاثة من الأئمة القاسميين الذين عاصر حياتهم، كان أولهم الإمام القاسم بن محمد (النبذة المشيرة)

أما الكتاب الثاني الذي سجله المؤرخ الجرموزي فهو :(الجوهرة المنيرة إلى جمل من عيون السيرة) ويحكي عن سيرة الإمام المؤيد محمد بن القاسم، وتعتبر هذه الفترة من الفترات التاريخية التي عاصرها وعايش أحداثها وأرخ في هذه السيرة لحياة الإمام المؤيد محمد منذ تقلده الإمامة بعد وفاة والده الإمام القاسم حتى وفاته سنة (1054 هـ / 1644 م) وما جرى فيها من أحداث، وقد كان لفيفا نصيب من كتاباته في هذا الكتاب المخطوط كما أوردته سابقاً في كتابي :(الموسوعة الميساء لجارة القمر فيفاء).

أما السيرة الثالثة فهي سيرة الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم، الإمام الثاني من أولاد الإمام القاسم بن محمد، وتسمى: (تحفة الأسماع والأبصار بما في السيرة المتوكلية من غرائب الأخبار) ويتناول فيه سيرة الإمام إسماعيل بن القاسم عرض فيه لحياة الإمام إسماعيل السياسية والعلمية، وإصلاحاته الاقتصادية وحروبه المختلفة التي خاضها لبسط نفوذه على مناطق اليمن قاطبة، وكذلك فقد أوردت ما يخص بلاد فيفا في (الموسوعة الميساء لجارة القمر فيفاء) مما أورده الجرموزي في كتابه المحقق (تحفة الأسماع والأبصار).

وللمؤرخ الجرموزي مؤلف آخر كتبه في النصف الثاني من القرن الحادي عشر للهجرة، وهو كتاب تاريخي معروف يسمى :(عقد الجواهر البهية في معرفة المملكة اليمنية والدولة الفاطمية الحسنية) ذكر في مقدمته أنه جمعه في أخبار ملوك اليمن منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمنه، وجعله خمسة عشر فصلاً خصص لكل دولة فصلا حتى انتهى فيه إلى أول سنة (1007 هـ / 1598 م).

عاصر المؤرخ الجرموزي الإمام القاسم، والإمام المؤيد محمد وأخيه إسماعيل، وكان من رجال دولتهم ومن المقربين إليهم، واحتل مكانة كبيرة في حياة هؤلاء الحكام الأئمة من أهل البيت، وتقلد المناصب الوظيفية، وكان قريباً من الإمام المؤيد محمد وإخوته، فقد أوكل إليه الإمام المؤيد كثيراً من المهام العسكرية والسياسية.

وقد ترجم للمؤرخ الجرموزي كثير من المؤرخين نتيجة لشهرته الواسعة، ومصنفاته المشهورة فما مكانة المنتقد محمد بن مسعود من هؤلاء المؤرخين الذين ترجموا لهذا العَلَم وامتلأت المكتبات اليمنية والعربية بكتبهم.

عاش المؤرخ الجرموزي في عتمة حتى توفي في شهر محرم من سنة (1077 هـ، 1666 م) وقد قارب الستين عاما من عمره، وقبره معروف في قرية (سماه) بناحية عتمة، وقد رزق الجرموزي الكثير من البنين والبنات، وكان محباً للخير والصدقات، واشتهر عنه أنه بنى في نواحي عتمة ما يقارب 12 مسجداً ما بين صغير وكبير، واهتم ببناء برك الماء والمواجل، للواردين في الطريق، فقد كان للمؤرخ الجرموزي اهتمام بالعلوم الدينية لا سيما أصول الفقه، وله كتاب في هذا المجال سماه:(تفسير أولي الألباب في معرفة رب الأرباب).

ورسائل أخرى في مسائل الأصول والفقه وبالنظر إلى قرب الجرموزي من السلطة الحاكمة في ذلك الحين، وتسلمه كثيراً من المهام السياسية فقد ذكر المؤرخ كثيراً من الأحداث والمواقف التي شارك فيها أو كان شاهدا على حدوثها في أثناء سرده لأحداث السيرة، فقد حرص على إبراز وإيضاح كل المواقف الشخصية التي جمعته بالإمام والحسن ثم الحسين في مختلف مراحل حياته، فقد عين الإمام المؤرخ الجرموزي على جهة الحجرة في السنة الأولى من قيامه بالإمامة

ويبدو أن المؤرخ الجرموزي كان في السنوات الأولى من قيام الإمام المؤيد محمد حاضراً ومصاحباً له في جميع الأمور، ومطلعاً على كثير من شؤون البلاد

وبعد استقلال اليمن من العثمانيين أسند الإمام للمؤرخ الجرموزي بعض المهام العسكرية منها: قمع ثورات وتمردات في جهات ريما، وقد نجح المؤرخ في تلك المهمة، وعينه الإمام بعد ذلك لولاية عتمة، والأمير سنبل لولاية وصاب، وعندما توفي الأمير سنبل أوكل الإمام للجرموزي بحصر أموال الأمير وتقسيمها على ورثته وتسوية أوضاع المنطقة والجنود، ثم أمره أن يتولى إمارة وصاب إلى جانب ولاية عتمة، وكان المؤرخ الجرموزي قريباً من الإمام المؤيد في الأيام الاخيرة في حياته، لمسنا ذلك في كثير من المواقف التي كان الإمام يشكو فيها إليه عبء المهام والمشاكل التي يواجهها، خاصة عند ثورات وعصيان أحمد بن الحسن المتكررة، ومواقف أهل يافع المتذبذبة من الإمامة، ثم توافد قبائلهم إلى شهارة وطمعهم المتكرر في عطاء الإمام من الأموال.

كان المؤرخ الجرموزي قريباً من الأحداث ومن شخصياتها، ومنهم الحسن بن القاسم، وقد أورد المؤرخ كثيرا من المواقف والشؤون المتعلقة بالبلاد في ذلك الوقت، وصلة الحسن الدائمة بأخبارها، ويبدو أن العلاقة كانت وطيدة بين المؤرخ والحسن، وبعد وفاة الحسن بن القاسم واستلام أخيه الحسين أعمال وشؤون المناطق الوسطى والجنوبية تكرر الأمر بالنسبة للمؤرخ فقد كان قريباً من السلطة، وبعد وفاة الحسين بن القاسم يذكر المؤرخ أنه استمر على ولاية عتمة ووصاب.

كان قريبا من الأحداث، وكان يستقي معلوماته من مصادرها الأصلية إلى جانب أنه كان من أتباع المذهب الزيدي وأحد المسؤولين القريبين من حكام تلك الفترة، ويعد من مؤرخي السير البارزين، وبحسب كتاباته ومنهجه التاريخي، فقد كان من الباحثين المدققين الذين يجرون وراء الأخبار لجمعها وروايتها مع ذكر من أخذ منهم، أي مع إسناد رواياته إلى أصولها.

وهذا التعريف الذي أطلعتكم عليه للمؤرخ المطهر الجرموزي هو ما اتفق عليه علماء اليمن من المؤرخين والباحثين ونحوهم، وقد نقلت هذا التعريف مع بعض التصرف عن الدكتورة اليمنية أمة الملك التي حققت مخطوط الجوهرة المنيرة ووضعته في ثلاثة أجزاء وله تعاريف عديدة في بعض المراجع كالبدر الطالع للشوكاني وغيرها من الكتب.

وقد أوردت هذا التعريف المختصر لبيان فضله وليفرق محمد بن مسعود بين أكثر من شخص ظهر على الساحة باسم الجرموزي، حيث اتضح لي من خلال الحلقات النقدية التي طرحها أن لديه خلط واضح بين أكثر من جرموزي، وكذلك لأعرف القارئ الكريم أن هذا المؤرخ العلامة هو من يحاول المنتقد إسقاطه، مع أنه لو كان لديه قليل من الإنصاف لنظر إلى سيرته وعلمه وفضله من جميع الجوانب ثم حكم عليه بكل تجرد

وكذلك فإن العلامة المؤرخ الشرفي لا يقل فضلاً وعلماً عن معاصره الجرموزي.

ولنعد لنقاط النقد والانتقاد التي تطرق لها محمد بن مسعود وسأحاول الإجابة عنها بكل تجرد وصدق وأمانة وبما يرضي الله سبحانه وتعالى.

يقول الناقد:

ثم يحشد أدلته ( أي صاحب الموسوعة الميساء ) التي نعرض لها فيما يلي:

الدليل الأول:

ص٤٩/ ينقل من الجوهرة المنيرة للجرموزي قوله ( يقصد المنتقد قوله:) (وبلاد فيفا وهي الأراضي المتصلة ببلاد قحطان في السراة وتهامة إلى قرب ضمد وبوصان) وينقل قوله ( يقصد المنتقد قوله:) ( وبلاد فيفا من مغارب نجران بلاد واسعة) ثم ينقل ما قد يتوهمه القارئ نصا ثالثا للجرموزي دون تنصيص : وأما بنو مالك وأهل فيفا ………….الخ . ثم يذكر (يعني الجرموزي) بأن أهل فيفا قبائل متعددة من بني مالك وأهل حبس وآل كثير !! . ثم لا يقفل اقتباسه المتوهم بعلامة تنصيص ولا يحيلك لورقة المخطوط ولا شيء من ذلك.

أقول وبالله التوفيق:

الجرموزي – رحمه الله – لم يقل: “ وبلاد فيفا، وهي الأراضي المتصلة ببلاد قحطان في السراة وتهامة إلى قُربْ ضَمَدْ وبوصان “. البتة.

وهذا للأسف الشديد من نقلي الخاطئ فقد اشتبه عليَّ متن كتاب الدكتورة أمة الملك الذي حققت فيه الجوهرة المنيرة بالحاشية، حيث إنني قد نقلت هذا التعريف من متن ذلك الكتاب الذي ذكرتْ فيه هذا التعريف في سياق كلامها فأخذته من هناك، ولم أنتبه للحاشية حيث أنها قد همشت لهذه الجملة وأنها مأخوذة من كتاب المقتطف للجرافي أنظر نفس الكتاب ص ( 52 ) .

وأعتذر للقارئ الكريم عن ذلك النقل الخاطئ واعداً الجميع بالتصحيح والتنويه عن ذلك في طبعات قادمة إن يسر الله، والشكر للناقد أن جعلني وبطريقة غير مباشرة أتنبه لمثل هذا الالتباس غير المقصود الذي وقعت فيه وجلَّ من لا يخطئ.565

98

صورتان توضحان ما اعتذرت عن الوقوع فيه سابقاً بخصوص ما التبس عليَّ  و اعتقدته أحد تعاريف الجرموزي لبلاد فيفا.

 يقول الناقد محمد بن مسعود:

الدليل الثاني:

٤٩/ عن الشرفي في اللآلئ المضية (المضيئة) قوله (يقصد صاحب الموسوعة الميساء): إنه كان لأهالي فيفا أسواق وبلاد تتصل بتهامة.

وهو لا ينقل نصا ولا يحيلك إلى الورقة من المخطوط ولا شيء من ذلك.

أقول وبالله التوفيق:

صدق المنتقد فقد وهمت في ذلك أيضاً ونقلتها على أنها للشرفي، وبمراجعتي للمخطوط لم أجد ما يشير إلى ذلك، وهذا خطأ مني سأعمل على تلافيه في الطبعات القادمة بإذن الله، حيث أن هذه الجملة لم يقل بها أحد غير العلامة المؤرخ الجرموزي، وأشكر الناقد محمد بن مسعود على هذا التنبيه غير المباشر منه، مع ان نقده في هذه النقطة كان يدور حول عدم توثيق هذه المعلومة للشرفي، ولم يكن المنتقد يقصد نقد نفس المعلومة التي تذكر بأنه كان لأهالي فيفا أسواق تتصل بتهامة، لأنه تطرق للمعلومة ونفاها أن تكون صحيحة وما إلى ذلك وإلا لوعاد لنفس المخطوط وقرأه بتمعن وتركيز لوجد أن هذه المعلومة لم يذكرها الشرفي، وانني كنت واهماً في ذلك، ولكنه قد اعتمد فقط على ما ورد في الموسوعة حول هذه المعلومة.

وأخيراً فيما يخص التعريف وبلاد فيفا وهي أرض نازحة متصلة ببلاد قحطان وفي التهائم إلى قرب وادي ضمد”. الذي بنى عليه المنتقد كل انتقاداته الخاطئة في هذه الحلقة وما سيتبعها من بعض الحلقات فللأسف الشديد فقد شاركني نفس الخطأ الذي وقعت فيه من نسبة ذلك التعريف إلى الجرموزي وهو براء منه، ولو تريث المنتقد محمد بن مسعود في النقد والانتقاد قليلاً لاكتشف بكل سهولة أن العلامة المؤرخ المطهر بن محمد الجرموزي لم يقل بذلك التعريف أبداً، وأن الذين عاصروه أو أتوا من بعده لم يبنوا على ذلك التعريف ولم يقلدوه، بل كانت تعاريفهم لبلاد فيفاء الواسعة مستقلة ولا تتشابه مع نفس التعريف كما ستقرؤون بوضوح وتفصيل مفيد في الجزء الثالث من الحلقة الثانية، لكنه للأسف اعتمد على ما أوردته في كتابي الموسوعة الميساء لجارة القمر فيفاء وبنى عليه وطفق شتماً وتسفيهاً في الجرموزي، وهذا خطأ كبير قد وقع فيه، وإلا لو كان عاد لتلك المراجع التي اعتمدت عليها في بحثي وبحث فيها دون الاعتماد على ما ورد في كتابي وجَعْله المرجع الوحيد له،  لاكتشف ما حصل لي من التباس أدى إلى ذلك النقل الذي لم أصب فيه، ولربما خفَّت وقلَّت انتقاداته حول هذه النقطة التي بنى عليها كثير من انتقاداته في بعض ثنايا حلقات القراءات النقدية للموسوعة الميساء لجارة القمر فيفاء وهذا ما لا أتمنى له أن يقع فيه عبر كتابه الذي ينوي طرحه. فليتنبه لذلك.

وإلى اللقاء في الجزء الثالث من الحلقة الثانية بإذن الله في القريب العاجل والتي سأناقش فيها ما وقع فيه المنتقد محمد بن مسعود من سلبيات وأخطاء كنت أتمنى له أن لا يقع فيها.

[email protected]

0556585856 جوال

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة