الاستاذ موسى بن محمد احمد الداثري | فيفاء أون لاين
الاثنين, 3 صفر 1439 هجريا, الموافق 23 أكتوبر 2017 ميلاديا

الاستاذ موسى بن محمد احمد الداثري

الاستاذ موسى بن محمد احمد الداثري
عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ ابوجمال

شعلة من النشاط والحيوية، وهي طبيعة فيه لا تطبعا، كنا زميلين في المرحلة الابتدائية، وكانت المدرسة في النفيعة بجوار السوق، وبيتهم في اسفل بقعة ال حسن بن قاسم (الثواهر)، في طريق يسلكه صعودا مشيا على الاقدام، لم تقف امامه معوقات الطريق ولا صعوبتها، ولم تحد طموحه الغربة فيما بعد عن اهله وهو صغير السن،  كان في تلك المرحلة متميزا ذكيا مبرزا، يملك العديد من المواهب، له صوت جهوري وندي، ويملك الجرأة وعدم التلعثم، فكان يتقدم صفوف الطابور الصباحي، يردد بالطلاب نشيد العلم، والجميع يردده من خلفه، فاذا ما غاب في احد الايام أو تأخر وذلك نادر، فيصعب وجود طالب يلقيه بدلا عنه.

كان يحسن استخدام آلة الخياطة بكل مهارة، ففي بيتهم كان يمارسها عملا، فكانت اسرتهم من اهل التجارة، توارثوها كابرا عن كابر(آل احمد سليمان)، الجد احمد بن سليمان، ثم ابنائه يحيى ومحمد (رحمهم الله)، فقد احترفوا التجارة وعملوا فيها، والتجارة كانت عامة ليست تخصصا في مجال واحد، فالتاجر يجلب ويوفر كل ما يحتاجه المستهلك، ومن ضمن ما اشتغلت فيه الاسرة مهنة الخياطة، بعدما توفرت مكائن الخياطة الحديثة، وكان الاب يقوم بها ويساعده ابنه موسى عند فراغه من الدراسة، حتى اتقنها وبرع فيها، واذكره ونحن في الصف الرابع أو الخامس الابتدائي، عندما اسندت اليه المدرسة في نهاية العام الدراسي، خياطة كامل ستائر المسرح المدرسي، الذي اقيم عليه النشاط الختامي في نهاية ذلك العام، ووفرت له المدرسة مكينة خياطة خاصة، واحضروا له كميات كبيرة من الاقمشة الملونة المناسبة، فخصص له اثناء اليوم الدراسي مكانا في احد البيوت المجاورة للمدرسة، فكان يعمل فيها على مدار الايام السابقة لموعد الحفل، إلى أن اخرجها في قمة الابداع، ستارة جميلة متكاملة، ولا اذكره إلا  مبادرا لكل نشاط، وكل عمل تعاوني وما زال، حفظه الله ووفقه.

حيويته ومبادراته الإيجابية سمة بارزة فيه، لذلك وبعد انتهائه من الدراسة المنهجية، والتحاقه بالعمل في التدريس، وعمله مديرا لمدرسة نيد الضالع الابتدائية، اكتشفت ادارة التعليم فيه هذه الخصائص، ومن ابرزها جديته ونشاطه واخلاصه مع الدقة والامانة، فأسندت اليه اضافة الى عمله الرسمي، مهمة صرف مكافآت الطلاب الشهرية، في جميع مدارس فيفاء، ثم اضافت اليه فيما بعد صرف رواتب المعلمين والعاملين فيها، وتطور الامر إلى أنها اسندت اليه اعداد المسيرات الورقية، فكان يقوم على ذلك على خير وجه واتمه، وبقي على هذه المهمة لما يقارب عشرين سنة، إلى أن تحول صرف الرواتب والمستحقات المالية الى الصرف الآلي.

لم يكن مجبرا على هذا العمل المتعب، والمحفوف بالمخاطر والتعرض للأذى، مع ما يعانيه من صعوبة ومشقة، اضافة إلى خطورة التنقل بالأموال النقدية، في مناطق كبيرة وشبه خالية، ولكنها شجاعته وصبره واحساسه بوجوب المشاركة الفاعلة، فهو الذي لا يتوانى ولا يتأخر عن القيام بما يستطيع في سبيل الصالح العام، فهو لاشك مثال للموظف الجاد المخلص (القوي الامين)، انجز كلما اسند اليه بكل كفاءة واقتدار ونجاح، ودون تردد أو تذمر أو شكوى، وفقه الله وبارك فيه، وكتب له اجر ما قدم واعطى، رفعة وثوابا واجرا، وصلاحا في نفسه وذريته، ورحم الله والديه على ما ربياه عليه من الاستقامة وحسن الخلق.

انه الاستاذ الفاضل والمربي القائد/ موسى بن محمد احمد سليمان الداثري من أل سليمان مسعود الفيفي.

والده محمد بن احمد رحمه الله، رجل نشيط ومثابر، دائب الحركة والسعي في الارض، عمل من صغره مع والده، وتمرس في التجارة والعمل الحر، وكانت مهنة التجارة في تلك الفترة وما قبلها مغامرة كبيرة، وعملا متعبا لا يقدر عليه الا صناديد الرجال، فلابد للتاجر من التمرس بالأسفار الطويلة الشاقة، المحفوفة بالأخطار والمتاعب، فيلزمه تتبع الاسواق القائمة في محيطه،  فان لم يكن التاجر قادر على كل ذلك، كسدت بضاعته وبارت سلعته، فالتجارة ليست كاليوم، تتخذ لك دكانا في موقع ثابت، وتعرض فيه سلعك وبضاعتك، فيحضر اليك المشترون يتسوقون، بل وقد يصل الى مكانك الموزعون بما تحتاجه من البضائع المتنوعة، وانت جالس مرتاح لا تبارح محلك.

كانت التجارة مرهقة محفوفة بكل المخاطر، لا بد لك فيها من التنقل هنا وهناك دون انقطاع ، وان تصل ببضاعتك في الوقت المناسب، إلى حيث تكون تجمعات الناس واسواقهم، ثم تجتهد في عرض هذه السلعة عليهم، وليس بمقدور التاجر التخصص في سلعة معينة، وليس ذلك ممكنا ولا مجديا، بل عليه ان ينوع في جلب بضائعه، حسب المواسم وحسب متطلبات الناس الموسمية، والتاجر الناجح هو من يعرف تلمس هذه الاحتياجات، والتنبؤ بمتطلبات الناس الآنية، ويحسن تقدير متى يحضرها في الوقت المناسب، ويطور مهاراته وقدراته وانشطته حسب هذه الحاجة، فالتجارة كانت بالفعل شطارة، وقوة وتحمل وجلد وشجاعة ومهارة، مع علو همة، واخلاص نية، واخلاق وتواضع، يتقدمها كلها الامانة والصدق والوفاء.

كان تاجرا من الطراز الاصيل، مشهور في مجتمعه وفي محيط بلدته، ويرتاد معظم اسواق المنطقة، ويندر أن ينقطع عن الاسواق الكبيرة، (النفيعة وعيبان وعرق والعنقة)، وله دكاكين ثابتة في سوق النفيعة وفي عيبان والداير، وهي اسواق اسبوعية كبيرة، خصص لكل منها يوما معلوما في الاسبوع، لا يتعارض في الغالب مع بقية الاسواق في المحيط، يصفه لنا ولده بقوله : ( والدي كان يعمل بمهنة البيع والشراء، وخاصة في الملابس النسائية في تلك الفترة، وكان يخيط الملابس بنفسه، وتعلمت منه تلك المهنة، وكنت وانا ادرس في المرحلة الابتدائية، إذا عدت من مدرستي وفرغت من مذاكرة دروسي، قمت بالخياطة، وكنت اخيط الملابس النسائية الخاصة بالمجتمع الفيفي في تلك الايام، وهو ما يعرف بالصدرة والصديرية، والمحان والسراويل، ثم الكرت (الفساتين) فيما بعد، وكنت اقوم بذلك مساعدة لوالدي في تهيئتها له، لأنه كان كثير التنقل في اسواق فيفاء (النفيعة) وبلغازي (عيبان) وبني مالك (عرق) وال سعيد (العنقة)، وكان رحمه الله لا يعود الى البيت الا يوم الاحد من كل اسبوع، ليحضر يوم الاثنين سوق النفيعة في فيفاء، وفي المساء يعود الى البيت، واحيانا يبقى الى صباح الثلاثاء ثم يعود الى عيبان، ليتنقل في اسواق المناطق الجبلية في ذلك الوقت، وكانت وسائل النقل المستخدمة الحمير أو المشي على الاقدام)، عمل ولا شك مجهد ومرهق، ولكنها كانت حياتهم المقدرة لهم في تلك الفترة، والهمة العالية، يخدمون فيها انفسهم ومجتمعاتهم، بما هو ضرورة وحاجة ماسة.

وكان اباً حازماً ومربياً فاضلاً، وإن كان لغيابه الطويل والمتكرر عن البيت من التأثير، ولكنه مع ذلك لم يغفل عن متابعة امورهم، والعمل الجاد على استكمال تربيتهم، فكان يهتم ويحرص كثيرا على تعليمهم ، وقد اجتهد معهم حتى نالوا اقصى درجات التعليم، وكان يتابعهم ويشجعهم وينسق مع امهم في هذا المجال، فنرى ابنائه بفضل الله وتوفيقه قد نالوا درجات عالية في التعليم، واصبحوا ناجحين في حياتهم وفي مسلكهم، رحمه الله وغفر له.

واما الام فهي الفاضلة فاطمة بنت احمد مفرح المخشمي رحمها الله، من اهل المشوى (اهل فضل وفضيلة)، فقد كانت في بيتها مع كثرة غياب زوجها كل شيء بالنسبة لأبنائها، تقوم بالدورين دور الام والاب في معظم الحالات والاوقات، فهي من تقوم وحدها بملاحظتهم في دراستهم، وفي متابعتهم وفي مراقبة سلوكهم، وفي جميع امورهم، وفي المحافظة عليهم، والاهتمام بتربيتهم، فكان عليها الدور الاكبر والاعظم في هذا المجال، تحملته بكل عزيمة واقتدار، ونجحت أي ما نجاح، والشواهد على ذلك بارزة ومعلومة، تتضح في موسى وفي بقية اخوانه الكرام، وصدق حافظ بن ابراهيم (رحمه الله) عندما قال:

الام مدرسة اذا اعددتها ## اعددت شعبا طيب الاعراق

فالمعروف ان صلاح الابناء أو فشلهم منوط في الغالب بوعي الام واهتمامها، فهي المحور الاساسي في التربية، لأنها الاكثر ملاصقة للأبناء في مراحل التكوين، وهي الاكثر عاطفة واحسن معالجة لمشاكلهم من قرب، لأن الاب في معظم الاوقات يكون بعيدا عنهم في طلب الرزق، و قد يفوته اشياء كثيرة من اسرارهم وتصرفاتهم، لذلك يتضاعف جهود الام مع كثرة غياب الاب عن البيت، وقد كانت في هذا البيت هي بالفعل الام الرؤوم الناجحة، يشهد لها بذلك هذه الكوكبة من الابناء الناجحين المتميزين، موسى واخوانه حفظهم الله ووفقهم ، ورحمها الله وغفر لها، وكتب لها اجر وثواب ما قدمت ، وثقل به في موازين حسناتها.

ولد لهذين الفاضلين وكان بكرهما ، حيث كانت ولادته في بيتهم (الثواهر)، الواقع في اسفل بقعة آل حسن بن قاسم بفيفاء، والتاريخ المسجل في بطاقته الشخصية 1/7/1378هـ، مع أنه في الواقع ولد قبل ذلك بسنتين أو ثلاث سنوات، (لان الناس لم يكونوا يهتمون كثيرا بتسجيل هذه التواريخ)، عاش طفولة هنيئة ، وتربى في هذا البيت الكريم على مبادئ وقيم كريمة، تتلخص في وجوب التمسك بالدين، واداء العبادات، وفي حسن الاخلاق والصدق والامانة، وفي المشاركة الفاعلة في الحياة الاجتماعية والمعيشية بكل ايجابية، فنميا فيه تلك السمات منذ نعومة اظفاره، وثبتاها في قرارة نفسه، حتى اصبحت جبلة باقية معه إلى اليوم (رحمهما الله وغفر لهما).

تعليمه :

اهتم والده بتعليمه من صغره المبكر، فادخله وهو دون الخامسة في معلامة (كتّاب) جامع الدرب، يعلمهم فيها المعلم الفاضل احسن بن علي آل مشكاع (رحمه الله)، ويساعده احيانا اخيه ضيف الله حفظه الله، وكان الاهتمام فيها اكثر ما يتركز على تعليم القران الكريم، وكانت ادوات القراءة والكتابة حينها عبارة عن لوح من الخشب، مصبوغ (بالقتار) الاسود، ويستخدم للكتابة عليه ريشة من قصب (الريع)، والمداد يصنع بدائيا من النورة البيضاء المخلوطة بالصمغ، يحملها الطالب في علبة صغيرة، داخلها قطنة تحتفظ برطوبة الماء، فكان الطالب يغمس الريشة في هذا الخليط الابيض، إلى أن يتشبع راسها بالقدر المناسب منه، ويكتب بها على هذا اللوح، مكرر العملية حتى يكمل ما يريد كتابته، فكان الطالب يكتب درسه اليومي من المصحف بهذه الطريقة، ثم يكرر قراءة ما كتبه إلى أن يتقنه ويجيزه فيه المعلم، وبعدها ينتقل الى كتابة درس جديد بنفس الطريقة، وهكذا يجمع الطالب بين اتقان القراءة والكتابة في وقت واحد،  وقد لازم هذه المدرسة لما يقارب العامين، يجد ويجتهد ويداوم على حضوره دون تأخر، واستطاع فيها أن يتم ختم القرآن الكريم كاملا قراءة وكتابة، وعندما توقف المعلم (احسن) عن التدريس في نهاية هذه الفترة، نقله والده الى المعلامة القائمة في جامع كرعان، لدى المعلم الفاضل يحيى بن عبدالله آل مشكاع (رحمه الله)، حرصا من الاب على استمرار تعليمه، والرفع من مستواه، واستمر في ذلك على نفس نهجه عند معلمه السابق ، فالطريقة لا تختلف في هذه المدارس المتماثلة كلها ، ولم يستمر فيها طويل وقت ، لان والده كانت له نظرة اخرى اشمل وابعد، لأنه بعدما رءاه مقبلا على دراسته، وقد اشتد عوده قليلا، واصبح قادرا على السير لمسافات بعيدة، قرر حينها الحاقه بالمدرسة الابتدائية الوحيدة، القائمة في النفيعة بفيفاء.

لما رغب في ادخاله إلى هذه المدرسة، سبقها بتشجيع ابن اخيه (حسن بن يحي) ليسجل معه، ليكونا رفيقان في مشوارهما اليومي، ويؤانسان بعضهما بعضا في الطريق وفي المدرسة، لآنهما الوحيدان في هذه المدرسة من هذه الجهة، حيث لم يسبقهما بالدراسة فيها من محيطهما أحد، لبعدها الكبير وصعوبة الطريق الموصلة اليها، فكان يلزمهما السير لما يقارب الساعة في صعود شديد، ومثلها من الوقت في العودة، لأن بيتيهما (الثواهر والجوامع) يقعان في اسفل بقعة آل حسن قاسم، وكانت الطريق صعبة وشاقة، يمرون  فيها أولا ببيوت الشنيف، ومنها إلى الجرنة بيوت آل وعالة، ثم الحشرة وبعدها الداحنة، ومنها صعودا إلى بيت الفرحة، ويتلوها بيوت القعاد وزهوان، ثم اعلى منها مباشرة بيت الطلحة، حيث موقع المدرسة، كان يملك تلك الدار حينها الاستاذ (سالم بن حسن عابدين مأمور المالية)، وبعد سنتين أو ثلاث انتقلت المدرسة إلى مبنى جديد، بجوار سوق النفيعة، وحينها تغير مسار طريقهما قليلا، فنفس المسار السابق إلى الداحنة، ومنها يستمران ليمرا ببيوت دمينة الثلاثة (السفلى والوسطى والعليا)، ومنها الى جوار الجامع ومركز الامارة، ويدخلان بعده إلى سوق النفيعة، والمدرسة في طرفه الشرقي، كان صعودا مرهقا وبالذات على صغير السن، وهو مشوار يتكرر يوميا على مدى ستة ايام في الاسبوع ، فلم تكن عطلة الاسبوع إلا يوم الجمعة فقط، ويستمر كذلك على مدى السنة الدراسية بكاملها.

بعد أن تم قبوله طالبا مستجدا في المدرسة، تم تصنيفه على حسب ما لديه من حصيلة سابقة، فقبل مباشرة في الصف الثاني الابتدائي، وفي هذا الصف اقبل على دراسته الجديدة فرحا مستبشرا، وسرعان ما استوعب نظامها واسلوبها، ثم التزم بتطبيقه بكل جد واجتهاد، واكتنفت نفسه سعادة وفرحة انسته كل تعب يواجهه في الطريق، حيث تحقق له حلم كم راوده، بالانضمام إلى هذه المدرسة، وقد وجد فيها كامل رغباته في التعلم، واتسعت مداركه بما وجده فيها من الدروس والمواد المتعددة، وفي تعرفه على زملاء واصدقاء جدد، وفي ممارسة كثير من المهارات المختلفة، مع اختلاطه بنوعيات متباينة من خارج بيئته المحدودة، داخل المدرسة وفي محيطها (السوق) أو في طريقه اليها.

كان التحاقه بهذه المدرسة في العام الدراسي 1383/1384هـ، واستمر في رفقة ابن عمه لا ثالث لهما، وفي العام الثاني انضم اليهما اخوه الاصغر حسن، وكان بالنسبة له نعم الرفيق والصاحب، وتواصل العطاء والجد والاجتهاد، والاقبال القوي على النهل من معين العلم والمعرفة، وكل يوم يزداد تعلقا بمدرسته، واستبشارا بدروسه ومعارفه الجديدة المتميزة، ولقد كان لجرأته وجهورية صوته دور في اختياره في الصفين الخامس والسادس، ليردد نشيد العلم في طابور الصباح، وكل الطلاب يرددونه من خلفه، (العلم العلم .. رمز كل الامم)، وكان متفوقا في دراسته نال النجاح المطرد عاما اثر عام، إلى أن تخرج من هذه المدرسة في نهاية العام الدراسي 1388/1389هـ، وكان طلاب الصف السادس حينها، يؤدون اختبارات هذا الصف امام لجنة موحدة في مدينة صبيا، ويتم تصحيح النتائج في الوزارة بالرياض، وتعلن نتائج النجاح عن طريق الاذاعة العامة الرسمية، وقد كان في ذلك العام من ضمن الناجحين ، ويذكر أن عدد الزملاء الناجحين في ذلك العام خمسة، وهم كل من (عبد الله بن علي آل طارش (يعنيني) وحسن بن سليمان المثيبي (سهلان) ومحمد بن حسين الظلمي (العارفة) ويحيى بن حسن آل سنحان (المربوعة رحمه الله).

ما أن حمل الشهادة الابتدائية حتى حمل والده هم اكماله للدراسة، فقد كان صغيرا في السن، وبنيته الجسمية ضعيفة، ولا يطمئن عليه في الغربة والبعد عنهم، فلا يستطيع الاعتماد على نفسه لوحده، وبعد تفكير مقرون برغبة قوية في مواصلة الدراسة، لم يجد امامه الا صديقه سلمان بن علي الرقيبي المثيبي (حفظه الله)، حيث كان مقيما واهله في مدينة ابي عريش، وقد رحب به اشد الترحيب، وحينها قام الاب بتسجيله في متوسطة ابي عريش، وكان قد سبقه الى التسجيل فيها زميله حسن بن سليمان، لنفس الاسباب والمبررات، وتم قبوله واستقر في ضيافة هذه الاسرة الكريمة، التي اولته كل عناية ورعاية، ولم يشعر معهم بالغربة والبعد عن والديه، حيث تأقلم بكل سهولة وسرعة مع هذا الجو العائلي الكريم، وارتاحت نفسه مع هذه الحياة الجديدة، وتفرغ لدراسته وصب كامل جهده وعزيمته فيها، دون أن يجد أي منغصات تصرفه عن ذلك.

نجح في نهاية العام الدراسي، وانتقل إلى الصف الثاني المتوسط، ولكنه في السنة الثانية اخفق ولم ينجح، لانشغاله عن الدراسة بمشروع آخر كان يخطط له، يقول عنه : (افتتح في ذلك العام معهدين صحيين، يتبعان وزارة الصحة، في كل من مدينة الرياض، والآخر في مدينة جدة، واعلن ان القبول فيهما لمن يحمل شهادة الصف الاول متوسط، ومدة الدراسة فيهما عامين دراسيين، لذا تولدت في نفسي الرغبة في أن اصبح ممرضا أو صيدليا، وانصرفت عن دراستي بمتابعة القبول في احدهما، وبعد أن اكملت كل الاجراءات المطلوبة، وعند اعلان النتائج لم يكن اسمي ضمن المقبولين، لعدم اكتمال شرط العمر، حيث كان المطلوب (15) سنة وعمري لا يتجاوز(14) سنة حينها، وبسبب انشغالي بمتابعة هذا القبول، اهملت متابعة دراستي كما ينبغي، واختل تحصيلي ونتائجي، ولم استطع النجاح في كلا الدورين، مما اجبرني على اعادة دراسة الصف الثاني المتوسط مرة اخرى).

اعاد دراسة الصف الثاني المتوسط مرة ثانية، ونجح منه في نهاية العام الدراسي 1391/1392هـ، وفي نفس هذا العام نجح اخوه حسن من المرحلة الابتدائية بفيفاء، وقد قرر والدهما الحاقه (حسن) في المعهد العلمي بجيزان، ولذا استحسن نقل موسى ليكونا مع بعضهما في مدينة جيزان، وبالذات وقد اكتسب (موسى) تجربة وخبرة في السنوات الماضية، واصبح كبيرا ناضجا يستطيع تدبر امره وامر اخاه، والاشراف التام على احتياجاتهما، وبالفعل انتقل للدراسة في المتوسطة الثانية في مدينة جيزان ، التي كان مديرها حينها (كما يذكر) الاستاذ الحسين بن علي الحكمي (من قرية مزهرة)، وهنا تغيرت عليه امور كثيرة مع هذه النقلة، واحس فعلا بالمسؤوليات الجديدة، ومن هذه اللحظة واجه الغربة الحقيقية، حيث اصبح لزاما عليه الاعتماد على نفسه دون غيره، وعليه تغيير كثيرا من انماط حياته السابقة، وعليه من اليوم تدبر اموره، وتهيئة احتياجاته بنفسه، حيث اصبح هو المسؤول المباشر عن كل صغيرة وكبيرة تخصه ، وايضا المسؤول الاول عن جميع امور اخيه، وعن تنظيم معيشتهما وكل شؤونهما العامة والخاصة، وكان والدهما قد هيء لهما السكن المناسب وكل ما يلزم، وسارت بهما الامور على خير ما يرام، وزاده هذا الاحساس شعورا بالمسؤولية، وأنه لابد أن يكون قدوة وقائدا لأخيه، لذا ضاعف من جهده واجتهاده، ومضى به هذا العام وهو يكتسب تجارب جديدة، وتغيرا في التفكير وفي الخبرات، وقد حقق في نهاية ذلك العام الدراسي النجاح والتفوق، ونال شهادة الكفاءة المتوسطة بنهاية العام الدراسي 1392/1393هـ.

بعد نجاحه من هذه المرحلة، ونقاشه مع والده في أي الاتجاهات يسلك، ترجح لديه أن الافضل الاخذ بالأقصر، والالتحاق بمعهد اعداد المعلمين الثانوي، حيث تم قبوله فيه بعد تجاوزه جميع الفحوصات المطلوبة، وكانت مدة الدراسة في هذا المعهد ثلاث سنوات، يجمع فيها الطالب بين الدراسة النظرية والتطبيقية، وقد اقبل على دراسته بكل شغف ورغبة، وانهى بفضل الله وتوفيقه كل هذه السنوات في نجاح وتفوق، حتى تخرج منه بحمد الله في نهاية العام الدراسي 1395/1396هـ ، وهو يحمل شهادة معهد اعداد المعلمين الثانوي ، بتقدير عام جيد جدا.

وبعد انغماسه في العمل الرسمي، ورغم مشاغله الكثيرة واعبائه ومسؤولياته المتعددة، التي كانت تستغرق كل وقته، ومع ذلك لم ينقطع عن الاستزادة من التعلم، فكانت حياته العملية مزدحمة بكاملها، بالأعمال الكثيرة المرهقة، التي لا تدع له مجالا للالتفات إلى خاصة نفسه، وفي تحقيق رغبته في مواصلة دراسته، فكان يستقطع منها ولو القليل، في المشاركة في بعض البرامج والدورات، ضاغطا فيها على نفسه، وعلى ظروفه المتعددة، حتى استطاع المشاركة بصعوبة، في بعض البرامج التعليمية المحدودة، مما يتعلق بالإدارة المدرسية، وفي بعض البرامج البسيطة عن الاساليب التعليمة، التي كانت تقيمها إدارة التعليم بصبيا.

العمل الوظيفي:

تم تعيينه بعد تخرجه من معهد اعداد المعلمين، حيث صدر قرار التعيين معلما في يوم الاثنين 10/9/1396هـ، ووجه ليعمل في مدرسة نيد الضالع الابتدائية بفيفاء، وكانت مدرسة حديثة الافتتاح، لم يمضي على افتتاحها إلا عاما واحدا، حيث افتتحت في عام 1395هـ، وكان كل المعلمين فيها من الاخوة المتعاقدين، وقد باشر في المدرسة يوم الاربعاء 12/9/1396هـ، وما زال يحتفظ لهذا اليوم بذكرى جميلة يعتز بها ولا ينساها، حيث يقول : (لا انسى أن من كتب خطاب مباشرتي، كان عامل المدرسة سلمان بن يحيى ساري العمري رحمه الله)، فالوقت حينها منتصف العطلة الصيفية، ومدير المدرسة وكل المعلمين في اجازاتهم الرسمية، ولا احد في المدرسة الا حارسها الكفؤ (رحمه الله وغفر له).

ومع عودة الدراسة في بداية العام الدراسي 1396/1397هـ، وزعت جداول الحصص والفصول، حيث اسند اليه تدريس طلاب الصف الاول الابتدائي، وهي اول تجربة عملية يخوضها في التعليم، وكانت (كما يقول) تجربة صعبة وصادمة، لكونه لا يملك الخبرة الكافية في التعامل مع مثل هولاء الصغار، ولكنه بذل جهدا مضاعفا إلى أن تحقق له النجاح المأمول، الذي اسعده وادخل الرضى على قلبه، فكانت تجربة واختبارا نجح فيها بكل جدارة، واثبت قدراته الحقيقية، حتى أن ادارة المدرسة اسندت إليه في العام التالي، تدريس نفس هولاء الطلاب في السنة الثانية، واستمر يدرسهم بكل كفاءة سيرا على نهجه السابق، وزاد ثقة بنفسه واكتسب كثيرا من التجارب والخبرات، واصبح بينه وبين طلابه ارتباطا وثيقا، والفة ومحبة شديدين، وما ذلك إلا لطبيعة نفسه وطيبة اخلاقه وسعة صدره، مما كان لهم الاثر الاكبر في تفوقه ونجاحه في هذا المجال.

في بداية العام الدراسي 1398/1399هـ، وكان عامه الثالث في المدرسة، تم تكليفه القيام بعمل إدارة المدرسة، وحل محل مديرها المتعاقد، وكان لاشك اختيارا موفقا، لميزاته الشخصية وقدراته الذاتية، فقد اضفى على المدرسة جوا من النشاط والتجديد، وابدأ اهتماما متزايدا باستكمال جميع جوانب النقص فيها، حيث ركز بعد اهتمامه الاولي بالطالب، على توفير جميع متطلبات المدرسة الاخرى، فقد كان ينقصها كثيرا من الاساسيات، في التجهيز من الاثاث المكتبي والمدرسي وفي وسائل التعليم، وكان يحول دون استكماله في الماضي صعوبة المواصلات، لأن طرق السيارات في تلك الفترة لا تتجاوز سوق عيبان، إلا شيئا مما يطلق عليه تجاوزا طرقا، زحفت بمجهودات فردية في سفح الجبل، كانت احداها تصل جهة السربة، والاخرى وصلت جهة النكرة في اسفل جبل آل عبدل، وهذه الثانية هي الاقرب من جهة المدرسة، لذلك بعد أن سعى إلى صرف الاثاث المطلوب من ادارة التعليم، الذي شمل ماصات الطلاب وكراسيهم والمكاتب ووسائل التعليم وغيرها، اوصلتها الادارة بالسيارات إلى اقرب نقطة ممكنة (النكرة)، وهنا برز حسن تصرفه الايجابي في إيصالها، لأنه كان يتطلب الامر حملها فوق الظهور، ولا يوجد عمالا يقومون بهذه المهمة، فيقول حول هذا الموضوع : (كان في ذلك الوقت لا يوجد خطوط للسيارات بفيفاء، إلا طريقا صعبا يصل الى السربة اسفل جبل العمريين، وآخر يصل الى النكرة اسفل جبل آل عبدل، والاثاث يوصل إلى حيث تصل السيارات، ومن هذه النقطة لابد من حمله على الظهور، فندبت الطلاب واولياء امورهم الى التعاون على حمله إلى المدرسة، وتجاوب الجميع على القيام بهذه المهمة بكل اريحية، وكان الكل بعد انتهاء اليوم الدراسي ينصرفون إلى بيوتهم، وبعد تناولهم الغداء يتجهون جماعات الى (الموقفة) النكرة في اسفل جبل ال عبدل، حيث يصلونها عند صلاة العصر تقريبا، وبعد أن نصلي العصر هناك جماعة ، يحمل كل واحد ما يستطيع حمله، اما كرسيا أو ماصة أو سبورة، أو بعض دواليب الملفات وغيرها، وينطلق الجميع صعودا زرافات ووحدانا، في طريق العودة الى المدرسة، والبعض يصل عند المغرب، والبعض لا يصل إلا وقت صلاة العشاء، واستمر هذا التعاون من الجميع حتى اكتمل وصول جميع اثاث المدرسة) ، ويعقب قائلا : ( كانت ضرورة وحاجة ملحة، وهي في نفس الوقت تربية ودروسا عملية في التكاتف والتعاون، وفي غرس القيم والوطنية والاهتمام لدى الطلاب، وكانت تمثل صورة معبرة عما كان عليه الوضع في المجتمع في تلك الفترة، ننقلها نموذجا إلى ابنائنا الطلاب في هذا العصر الزاهر، وما يجدونه فيه من رفاهية وعناية كبيرة، مما كانت اسبابه وظروفه غير متوفرة في ذلك الزمن) ويقول: (اوصي المعلمين والمدراء على راس العمل، ان يغرسوا في ابنائنا حب الوطن الصحيح، من خلال توضيح ما كنا عليه سابقا، مقارنة بما نحن عليه اليوم (بحمد الله وتوفيقه)، وايضاح الفوارق والاختلافات الجوهرية، مما يحفزهم على عدم التواكل، وضرورة الاقتداء بمن سبقهم في البذل والصبر والعطاء).

تطورت المدرسة من ذلك الوقت وترقت كما وكيفا، وتجاوزت كل تلك البدايات الصعبة، وتحسن الوضع اكثر واكثر مع اكتمال وصول طرق السيارات، مما سهل توفير كل متطلبات هذه المدارس كمثيلاتها في المدن، حتى انها وفرت وسائل لنقل الطلاب من وإلى المدرسة، ثم اكتملت فصول المدرسة وزاد اعداد الطلاب فيها، وتزايد اعداد المعلمين السعوديين ومن ابناء فيفاء، إلى أن وصلوا إلى نسبة 100% بحمد الله وتوفيقه، وترقت في المراحل التالية للابتدائية، حيث الحق بالمدرسة مرحلة متوسطة في عام 1410هـ، اشتركت معها في المبنى وفي المعلمين والادارة، وفي عام 1417هـ اضيفت إليهما مرحلة ثانوية، وتضخمت المدرسة وزادت الاعباء والمسؤوليات، وقد استمر يبذل جهده وجهوده عاملا بكل تفان على انجاحها، فإدارة مثل هذا التجمع ليس بالأمر الهين ولا البسيط، ويزداد العبء عندما لا يكون مفرغا تفريغا كاملا لهذا العمل وحده.

بالطبع كانت لديه مهام ومسؤوليات اخرى كلف بها، حيث اسندت اليه إدارة التعليم من عام 1400هـ، مهمة صرف مكافآت الطلاب، في جميع مدارس قطاع فيفاء، التي تصرف لهم شهريا، وكانت حينها المدرسة صغيرة ومقدور عليها، ثم أسندت إليه ايضا من عام 1403هـ، مهمة صرف رواتب المعلمين والعاملين في هذه المدارس، بدلا من الاستاذ حسين بن جابر الخسافي (رحمه الله)، مدير مدرسة العدوين الابتدائية، بعدما فرغ للدراسة، وكان هو من يقوم بهذه المهمة، فازدادت عليه الاعباء وكبر الحمل، واستمر معه الوضع بعد ذلك دون التفات إلى ما يعانيه، فكانت مسؤوليات صعبة وخطيرة وعظيمة، لأنه طوال وقته في عمل وحركة دائبين، فلا يهنأ له قرار لا داخل المدرسة ولا في بيته، اضافة إلى المشقة الجسدية في جولاته الشهرية على هذه المدارس، وما يسبق ذلك من تهيئة، فكان يلزمه النزول إلى ادارة التعليم في جيزان، ليصرف كامل المبالغ المستحقة، وما ادراك ما عملية النزول المرهقة، وصعوبة التنقل والمواصلات ومحدوديتها، فكل وقته مشغول على مدار الساعة، وعلى مدى ايام العام الدراسي، وما يتحمله من تعب نفسي وبدني، واجهاد ذهني لا ينقطع ولا ينتهي، وقلق لما يحمله ويتنقل به من مبالغ كبيرة.

كانت ادارة التعليم في تلك الفترة تعاني كثيرا من اشكاليات عدم وجود الموظفين الاكفاء، والنقص الكبير لديها في مآمير الصرف والمحاسبين، حيث كان يلزمها ايصال مستحقات المعلمين وجميع العاملين إلى مدارسهم، بالإضافة إلى مكافآت الطلاب الخاصة بطلاب هذه المناطق الجبلية، مع صعوبة ما كانت عليه الاوضاع في تلك الفترة، من بعد المسافات وصعوبة أو عدم توفر طرق السيارات، مما زاد المشكلة صعوبة وتعقيدا، مما دعا إدارة التعليم إلى البحث عن البدائل العملية الممكنة، ، وقد توصلت ادارة التعليم إلى حلول مؤقتة، حيث رأى مدير عام التعليم حينها، الاستاذ محمد بن سالم العطاس (حفظه الله)، إلى البحث عن بعض الاكفاء بين المعلمين ومدراء المدارس نفسها، ممن يستطيعون القيام بهذه المهمة، إضافة الى قيامهم بعملهم الاساسي في المدارس، فكان من ضمن من وقع عليهم الاختيار في فيفاء، كل من مدير مدرسة العدوين الابتدائية حينها، الاستاذ حسين بن جابر الخسافي (رحمه الله)، ليقوم بمهمة صرف الرواتب والمستحقات في مدارس فيفاء، ومدير مدرسة نيد الضالع الابتدائية حينها، الاستاذ موسى بن محمد الداثري (حفظه الله)، ليقوم بمهمة صرف مكافآت الطلاب في هذه المدارس، وسار بهما الوضع على هذه الطريقة بكل نجاح، ولما تم فيما بعد تفريغ الاستاذ حسين (رحمه الله) لإكمال دراسته، اضيفت مهامه المالية إلى الاستاذ موسى ليقوم بكل المهمتين، واستمر الوضع على ذلك حتى نسي مع الوقت أنه إنما كان تكليفا مؤقتا، لكونه ادى المهمة على خير وجه ونجح في تأديتها دون خلل أو خطاء، لما يتميز به شخصيا من سمات الجدية والهمة العالية، والاخلاص والتفاني في قيامه بما يوكل اليه، حيث تحامل على نفسه وصبر، واستطاع التوفيق التام بين هذه المهمة وعمله الاصلي في المدرسة، ويحدثنا شخصيا عن هذه النقطة قائلا : (كلفت بالعمل اضافة الى ادارة المدرسة، لأكون مندوبا لصرف مكافآت الطلاب في مدارس فيفاء من عام 1400هـ واستمر ذلك الى عام 1427هـ (27) سنة، وكان ذلك بتكليف ورغبة من مدير عام التعليم بجازان حينها، الاستاذ محمد بن سالم العطاس حفظه الله، ثم عملت ايضا مندوبا لصرف رواتب المعلين والعاملين بمدارس فيفاء من عام 1403هـ، بالإضافة الى مكافآت الطلاب، واستمر الامر كذلك حتى بعد أن تم نقل تبعية هذه المدرس الى ادارة التعليم بصبيا، وعملت مندوبا لصرف رواتب المعلين من عام 1403هـ الى عام 1420هـ تقريبا، إلى أن تم تحويل صرف هذه الرواتب الى نظام الصرف الالي).

لاشك كان عملا صعبا، ومرهقا وخطيرا في نفس الوقت، وخطورته تكمن في التنقل بالمبالغ النقدية، يحملها على مسؤوليته من جيزان الى فيفاء، ثم الطواف بها على كامل المدارس، في مناطق قد تكون قفرة وخالية، مما قد يغري بعض ضعاف النفوس، بالتعرض والاعتداء على حاملها ونهبه، ولكن الله حماه وسلمه، وقد يكون لما كان عليه الناس من كرم الخلق والبراءة والامانة الدور الاكبر في ذلك، بخلاف ما اصبح عليه الناس في الفترة الاخيرة، بعد اختلاطهم بالأجانب، والنظرة المادية البحته، وكثرة الجشع وقلة الايمان، نسال الله الصلاح والفلاح.

إن مباشرة الاعمال المادية من اصعب واخطر المهام ، ويزداد الخطر فيها كما ذكرنا، مع تنقله بالأموال النقدية من مدرسة إلى اخرى، وكان عملا دوريا لا يكاد ينتهي الا ويبدأ من جديد، في حلقة مفرغة ليس لها طرف تنتهي اليه، فكانت طريقة الصرف المتبعة، تبدأ شهريا في اخر كل شهر هجري، حيث ترد المستحقات المالية من مؤسسة النقد، لتصل إلى ادارة التعليم في جيزان، (وفيما بعد إلى ادارة تعليم صبيا)، وكان كمأمور صرف لابد أن يحضر على الموعد المحدد، لاستلام ما يخص مدارس هذا القطاع، من الاموال النقدية ومسيراتها الورقية، فاذا ما عاد إلى بيته في فيفاء، قام بفرز مستحقات كل مدرسة على حدة، ثم اعد لنفسه جدولا وخطة للجولة المتبعة على هذه المدارس، حتى تعم جولته كامل المدارس في اقصر وقت ، ويأخذ في الحسبان بعد المسافات والاتجاهات، ثم لا يغفل عن توقيت الدوام في كل مدرسة، لأن كل مرحلة لها وقت محدد للانصراف، فإذا ما تأخر عن هذا الوقت قد لا يجد احدا في المدرسة، وقد كانت في الماضي أكثر صعوبة، لكون طرق السيارات لم تشق بعد في الجبل،  فكان يلزمه المشي المرهق على قدميه لساعات طويلة، مع حمله لكامل المبالغ والمسيرات، وقد يصطحب معه احيانا آخر ليساعده، وفي الغالب يذهب بمفرده.

وكان إذا ما وصل إلى احدى هذه المدارس، قام مباشرة بتسليم كل واحد منهم مستحقاته، بعد أن يوقع امضائه على المسير بالاستلام، وكان يلزمه للطواف على كامل المدارس، في حدود ثلاثة ايام، يخصص يوما في كل اتجاه، وكانت نسبة المدارس في بداية عملها التي يلزمه المشي اليها 100%، ثم تناقص العدد بعدما شقت طرق السيارات، ولكنه في المقابل زادت اعداد هذه المدارس وارتفع عدد العاملين فيها.

اصبح من خلال هذا العمل ذو شهرة كبيرة، معروفا لدى الصغير والكبير في معظم الجبل، لطول سنوات مباشرته لهذا العمل وتفرده به، حتى ان الموظفين والطلاب والعاملين يستبشرون بمقدمه في نهاية كل شهر، ومعروف على المستوى العام في كامل فيفاء، وما زال إلى اليوم يلهج ويكرر قوله : (الحمد لله كثيرا، كنت اجد التعاون التام، على اداء هذه المهمة، من كل الزملاء ومدراء المدارس والعاملين، وفقهم الله وجزاهم عني كل خير).

ومع أن ادارة التعليم لم تعفيه أو تخفف عنه، بل مع ذلك اسندت اليه عملا اخر له ارتباط بهذه المهمة، حيث كان هو من يقوم بإعداد مسيرات طلاب هذه المدارس، وكان عملا صعبا ودقيقا ومرهقا، وكم تحمل وصبر وبذل في هذا الجانب، يقول عن هذه النقطة : (كنت اقوم بعمل مسيرات الطلاب من تاريخ 1400هـ، حيث كنت اقوم بكتابتها شهريا بيدي، مساء في خارج وقت العمل الرسمي، حتى أن الاضاءة حينها كانت تعتمد على الفوانيس والاتاريك)، وزادوا على (الحزمة كزمة كما يقال) أن اضيف اليه فيما بعد عمل مسيرات المعلمين والموظفين، وكان ذلك جهدا مضاعفا يفوق الطاقة، ولكنها العزيمة والصبر والجلد، وعدم التواني والكسل، ومع هذا العمل الاضافي المضني، الذي يقوم به اضافة إلى اعبائه الاخرى في عمله الاساسي، لأنه مدير مدرسة نيد الضالع الابتدائية، التي كبرت ونمت مراحلها فيما بعد، فكانت تنافس بقية المدارس، وتعتبر من المدارس المتميزة، وقد كبرت تحت ادارته إلى أن اصبحت تحتوي على جميع مراحل التعليم العام (الابتدائية والمتوسطة والثانوية)، وكان في عمله حريص على السلاسة دون خلل أو قصور، فكان لا يفتر للحظة عن متابعة كل صغيرة وكبيرة، بل ويبادر إلى معالجة كل ما يطرأ اولا بأول، فكانت الاعباء تزداد والمسؤولية تكبر.

مرت المدرسة طوال خدماته بالعديد من مراحل النمو والتضخم، إلى أن اكتملت مراحلها وتوسعت مهامها، واصبحت مجمعا ضخما يحوي كل المراحل التعليمية العامة، فكانت جهوده تتوزع دون اخلال على كلا الجانبين، وقد اضطر ليكون على مقربة من عمله في الاستقرار بجوار المدرسة، فبنى له بيتا في منطقة نيد الضالع، وانتقل اليه بدل سكنه الاصلي في بقعة آل حسن بن قاسم، كان عمله يستنفد كل وقته وجهده وطاقته، واستمر يبذل ويكافح دون تكاسل لفترة طويلة، بلغت في مجملها خمس وعشرين سنة متواصلة، فقد ابتدأت منذو أن تم تكليفه بإدارة المدرسة في عام 1398هـ، إلى عام 1423هـ دون انقطاع.

لأنه في عام 1423هـ تم تكليفه بالعمل في مكتب الاشراف بالداير، حيث كان هذا المكتب يشرف على مدارس فيفاء وبني مالك وجبل الحشر وبلغازي، وفيه اسند اليه الاشراف على قسم شؤون الطلاب، مع استمرار عمله مندوبا لصرف مكافآت الطلاب، بل وأضيف اليه مهمة صرف مستحقات متعهدي تامين المياه، في كامل المدارس التابعة للمكتب، ومع ذلك فلم يكن مفرغا تفريغا نهائيا لهذا العمل المتشعب، بل كان عليه أن يداوم لمدة يومين معلما في ابتدائية نيد ابار، وثلاثة ايام هي التي يعملها في مكتب الاشراف، ولماذا كان عمله في مدرسة نيد ابار وليس في مدرسته الاصلية نيد الضالع، كان ذلك لسبب شخصي منه، حيث يقول عن هذه النقطة : ( رغبت في أن انقل إلى مدرسة أخرى غير نيد الضالع،  حتى لا اشكل احراجا لمدير المدرسة الجديد، الذي خلفني في إدارة المدرسة، وحتى يأخذ حريته في عمله الخطير دون أي تحسسات قد تقع، فقد كانت لي مكانة خاصة في المدرسة، سواء لدى الطلاب أو العاملين واولياء امور الطلاب، فكان المجتمع بأكمله لا يعرفني الا مديرا للمدرسة، فقد تعودوا علي مديرا لها، على مدى سبع وعشرين سنة دون انقطاع)، وهذه قمة الاخلاق الاصيلة لديه.

استمر في عمله مشرفا على قسم شؤون الطلاب في مكتب الداير، وممارسا لما اسند اليه من اعمال مالية اخرى، إلى أن تم افتتاح مكتب التعليم في محافظة فيفاء في عام 1431هـ، فاصبح عندها مندوبا لهذا المكتب في المستودعات المشتركة مع مكتب الداير، يقوم باستلام مخصصات مدارس فيفاء من ادوات واثاث ومقررات دراسية، وبعد أن استقل مكتب فيفاء بمستودع خاص به في عام 1433هـ انتقل اليه، وبقي متعاونا ومنسقا للمكتبين في اعمال المستودعين، اضافة إلى عمله الاساسي في مكتب فيفاء في صرف مستحقات تامين المياه في مدراسها.

احالته للتقاعد:

وصل إلى درجة كبيرة من التشبع بالعمل الرسمي، سواء ما كان منه في المجال التربوي أو الاداري أو المالي، على مدى اربعين سنة واشهر، هي مجموع سنين عمله الوظيفي، فقد احس في قرارة نفسه أنه قد حان له ان يرتاح، ويركن إلى الاستقرار البدني والنفسي، لذا طالب بالموافقة على احالته إلى التقاعد المبكر، لكونه لم يبلغ ستين سنة من عمره المديد، السن النظامية للتقاعد في لوائح الخدمة المدنية، وقد صدر قرار تقاعده في تاريخ 1/1/1437هـ ، بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء دون حدود، ولم ينل خلالها التكريم الذي يستحقه، فكان الصابر المحتسب ، وفقه الله وجزاه كل خير على ما قدم وبذل، وقد تفرغ بعد هذه السنين الطويلة والمرهقة لحياته الخاصة، ومارس فيها مالم يستطع تحقيقه من الهوايات والاسترخاء، نسال الله له حياة سعيدة ومديدة، وان يكتب له الاجر والمثوبة على ما قدم، وأن يحسن لنا وله الخاتمة.

لقد عايش طوال خدمته الممتدة من عام 1396هـ، وهي بداية تاريخ تعيينه معلما، وعلى مدى هذه السنين الطويلة (اربعين سنة)، حيث تقاعد رسميا في عام 1437هـ ، عددا من المسؤولين في التعليم ومدراء التعليم، بدأ بمدير عام التعليم بجازان الاستاذ محمد بن سالم العطاس (حفظه الله) ثم مدير التعليم بصبيا الاستاذ كرامة بن علي الاحمر (حفظه الله)، ومن بعده مدير تعليم صبيا الاستاذ ابراهيم بن محمد الحازمي (حفظه الله) ثم الاستاذ احمد بن علي ربيع (حفظه الله)، ثم الاستاذ الدكتور عسيري الاحوس (حفظه الله)، وعمل ايضا تحت اشراف مدير مكتب الداير الاستاذ علي الذروي (حفظه الله)، ومن بعده الاستاذ مفرح بن مسعود المالكي (حفظه الله)، وتحت اشراف مدير مكتب تعليم فيفاء الاستاذ حسن بن احمد الظلمي (حفظه الله) واخيرا الاستاذ يحيى بن علي حسن العمري (حفظه الله).

ومن الاشياء التي يفخر بها، وهي بالفعل تدعو للفخر، انه طوال عمله الرسمي ، لا يذكر أنه تغيب ولو ليوم واحد عن العمل دون عذر، وهذه مثالية واحساس بالمسؤولية قل أن تجدها إلا لدى القلوب المؤمنة التقية، زاده الله ايمانا وفضلا، وكتب له الاجر والمثوبة والجزاء الحسن.

حياته الاجتماعية:

زوجته هي الفاضلة صفية بنت يحيى احمد الداثري (حفظها الله)، كانت نعم الزوجة المعينة، والمدبرة في بيتها، والمشرفة المباشرة على تربية ابنائهما، لغيابه المتواصل خارج البيت، لظروف عمله الكثيرة والكبيرة، وفقها الله وكتب لها اجر ما عملت وبذلت.

ولهما من الاولاد عشرة، خمسة ابناء وخمس بنات، على النحو التالي:

  1. محمد جامعي لغة عربية، جامعة الملك خالد ، يعمل في التحقيق والادعاء العام.
  2. احمد مهندس كهربائي، جامعة الملك فهد للبترول، يعمل في شركة مرافق في ينبع.
  3. سلطان ثانوية عامة، يعمل في شركة في ينبع.
  4. عبدالعزيز طالب في جامعة جازان.
  5. ابراهيم احتياجات خاصة.
  6. كاذية جامعية، تخصص تاريخ، معلمة في ثانوية فيفاء، ومتزوجة.
  7. مريم ثانوية عامة، متزوجة وربة بيت.
  8. لطيفة ثانوية عامة، متزوجة وربة بيت.
  9. فايزة ثانوية عامة، متزوجة وربة بيت.
  10. بشاير تدرس في جامعة جازان.

حفظهم الله، وبارك فيهم ونفع بهم واصلحهم، وجعلهم قرة عين لوالديهم ، وامتداد خير وصلاح لهذه الاسرة الكريمة.

وكما قيل (الرجال صناديق مغلقة مفاتيحها السنتها)، تعرف الرجل زمنا طويلا ولكنها معرفة سطحية، فاذا ما تكلم وعبر عن نفسه ارتفع في نظرك او هبط، فمن خلال معرفتك له الاكيدة تقيمه التقييم الصحيح العادل، رجل شجاع ومخلص وصادق امين، اعطى وبذل وجد واجتهد، خدم دينه ووطنه ومجتمعه، لم يتكاسل أو يتهاون، وإن كان يجهله معظم الناس أو قد غمط كثيرا من حقه، فالله وحده هو المعطي المجازي، وهو المتفضل الجواد الكريم، نقف هنا عند هذا الحد، في التعريف بهذه الشخصية الكريمة، دون تعقيب أو تعليق، الا الدعاء له من الله وحده أن يمده بالتوفيق والسداد، وان يطيل عمره على ما يحبه ويرضاه، وان يصلح له عمله ونيته وذريته، وان يختم لنا وله بالصالحات من الاعمال والاقوال والنيات، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محبكم/ عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ ابوجمال

الرياض في  18/1/1439هـ

 

التعليقات (٥) اضف تعليق

  1. ٥
    زائر

    السلام عليكم
    مساء الخير يأبوجمال
    لوسمحت أبي رقم جوالك للضروره

  2. ٤
    أبو طلال

    بارك الله فيك وفي صاحب هذه السيرة العطرة
    لا أزيد على ما قلت فقد كفيت واوفيت في ذكر أستاذنا
    ولقد كنت أحد طلابه يوماً ما فكنت أجده اول الحاضرين إلى المدرسة وآخر من يغادرها وكان شديد الحرص على الطلاب شديد العقاب وسوطه لا يغادر يده وكان مهيبا ذو شخصية قوية وقائد مميز حريص لا يرضى إلا أن يكون ابن مدرسته في المقدمة وإن كنا نجهل ذلك في تلك الفترة والآن نعلم ذلك فجزاه الله خير على ما قدم
    وسامحه الله على كل ضربة وخبطة سواء بخيزرانة أو لي استوانة أو لي ماء وإن كنت أحس بالالم إلى اليوم
    ولكني سامحته ولو أقابله لقبلت رأسه

    تحية إجلال لهذا الأستاذ

  3. ٣
    ابو. نبيل

    بارك في صاحب السيرة الكريمة وفي كاتبها السامي المتألق بكل جديد من هذه السير المباركة لأبناء فيفاء النجباء فبارك الله جهودك ياشيخ عبدالله على تثبيت وتخليد هذه السير المباركة وتخليدها لتنتقل للأجيال ليعرفون كيف كانت حياة الأباء والأجداد…

    شكراً لكم على هذه الجهود المبذولة، رغم ارتباطاتكم وأشغالكم الكثيرة.. فجزكم الله خيراً

  4. ٢
    ابو زياد

    سلمت أنآملك أبو جمال أبدعت
    ويستآهل العم الفآضل ابو محمد
    تحية اجلال وتقدير واحترام
    إليك أيها القدوة أيها المقاتل في ميدان التربية أيها الرائد يامن تنشئ أنفسا وعقولا.

  5. ١
    عبدالله ناصر المدري

    شعلة من النشاط والحيوية
    ماشاء الله
    فعلاً فقد درسنا تحت إدارته وإشرافه فقد كان لنا قدوة في انضباطه ومتابعته واهتماماته جامعاً بين نفسه الطيبة المرحة والمسؤوليه التي لا يتهاون في أدائها , ناصحاً وموجهاً قائداً متميزاً فخورا بعمله وبما يقدمه للمجتع زارعاً لروح التنافس والمحبة بين طلابه وكانت مدرسته حاضرة بكل ثقة ومشاركة في كل الأنشطة التي تقام في المنطقة
    تخرج من مدرسته كثير من الطلبة المتميزين عل مستوى هذا الوطن العظيم
    لا أجد من العبارات ما أوفيه لذلك الجبل الشامخ فهو فوق مستوى المدح والثناء
    أسال الله أن يطيل عمره على طاعته وأن يجزيه عنا خير الجزاء
    والشكر الجزيل للأستاذ عبدالله على عنايته بهذه النماذج المشرفة لأهل فيفا ء

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه. الحقول المطلوبه عليها علامة *

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*