الفلاح الذي باع ثوره لطلب المعرفة (10) | صحيفة فيفاء
الأربعاء, 4 ذو الحجة 1439 هجريا, الموافق 15 أغسطس 2018 ميلاديا

الفلاح الذي باع ثوره لطلب المعرفة (10)

الفلاح الذي باع ثوره لطلب المعرفة (10)
الشيخ/ عبد الله حسن فرح
بقلم:عبدالله بن حسن فرح الفيفي.
((الفصل الثالث))
قال المؤلف (العم الفلاح):
واعلم يا رعاك الله أن ذلك الغريب بعد أن تخلص من صناديق معتقداته البالية، ونبذ معتقدات الناس عنه السلبية والتوجيهية “والتي تريد منه أن يكون نسخة مكررة من غيره”، ثم حدد ما يريد من حياته أن تكون عليه، -وذلك من خلال أهداف تخدمه ثم تخدم مجتمعه- فبعد كل هذا وبعد وقوفه على المسار الصحيح استبطأ النتائج، وطال عليه الطريق، وأخذت تطارده أشباح الماضي وتؤرقه، فتذكر تلك الواحة وذلك الحكيم فاتجه إليه…
دخل الغريب الواحة فوجدها قد ازدادت جمالا وماء وخضرة، فبحث فيها حتى وجد الرجل الحكيم وهو يعمل بيديه، يفتح السواقي لمزروعاته، و(ينبذ) العلف لماشيته، أخذ الغريب مباشرة يساعد الحكيم، وحول رأسه تدور استفهامات وتساؤلات لا تنتهي…
ولمّا حلت ساعة (امهاجرية) جلس الحكيم تحت ظل شجرة وجلس معه الغريب وأثناء (استغراق الحكيم في تَخَسّفِ خبزته وانتشاف فنجانه من القشر) سأله الغريب مباشرة: أيها الحكيم أنت تعيش في جنة ليس لها مثيل، فَلِمَ العمل والتعب؟
قال الحكيم: (لئن شكرتم لأزيدنكم).
قال الغريب: وما دخل الشكر بسؤالي؛ لِمَ تعمل وتكدح؟
قال الحكيم: (الشكر) كلمة تشمل الحمد وهو اعتراف بالقلب وقول باللسان، وتشمل العمل وهو الشكر بالجوارح، فقد قالها الله عز وجل لآل داود (اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور) والله عز وجل قد وعد أن من شكره سيزيده الله مما شكره عليه فلساني لا يفتر عن أمرين أيها الغريب…
الأمر الأول: أستغفر الله وأتوب إليه.
والأمر الثاني: الحمد لله رب العالمين أو سبحان الله وبحمده.
فنحن نتقلب بينهما ذنوب وتقصير وتفريط، ونِعَمٌ وفضل وتوفيق، وكلاهما موعود بخير، فبالاستغفار يرسل الله السماء علينا مدرارا ويمددنا بأموال وبنين ويجعل لنا جنات وأنهارا ويزدنا قوة إلى قوتنا، وبالحمد يزيدنا الله من هذه النعم إلى ما شاء سبحانه وتعالى.
-ثم استطرد الحكيم ومازال الغريب (فاخقا متأملا في كلام الحكيم)…
واعلم أيها الغريب أن الله عز وجل يحب (الحمد)، فهو أحب الكلام إليه، والحمد بداية ومنتهى كل شيء، فبه بدأ الله كلامه في القرآن الكريم (الحمد لله رب العالمين) وهو أول ما نطق به آدم عليه السلام، وبه يبدأ المسلم يومه (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور) وبه يُحمد الله على نعمه وآلائه، وبه يُحمد عز وجل في السراء والضراء، ويوم القيامة يُبدأ بالحمد ويُختم به، وهي آخر ما يقوله أهل الجنة في الجنة (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين)، ونحن أمة محمد الأمة المحمدية (أمة الحمد)، والحمد لله تملأ الميزان، وهي خير مما طلعت عليه الشمس، وهي أفضل ما يأتي به العبد يوم القيامة، والحمد لله تفتح أبواب السماء، وبها ننال رضا الله.
واعلم أن (الحمد لله) هو أفضل الدعاء، وبحمد الله تسبح جميع الكائنات، والملائكة أيضا فهو أفضل ما اصطفاه الله لهم، وبالحمد تُرزق المخلوقات، والحمد لله من أسباب المغفرة، فهي تساقط الذنوب كما يتساقط ورق الشجر، والحمد لله من الباقيات الصالحات، والحمد لله خير من مئة فرس في سبيل الله، ويُكتب لمن قال: الحمد لله رب العالمين ثلاثين حسنة وتحط عنه مثلها، والله يباهي بأهل الحمد الملائكة، ولها دوي حول العرش يُذْكَر به العبد عند ربه، والحمد لله على النعمة أفضل من النعمة.
ثم إن تأملت أيها الغريب نعم الله علينا فقد أعطانا من كل شيء نعمة ومنة (بشكل أو بآخر) حتى الفقير المعدم لديه من النعم وإن قَلَّت ما يحمد الله عليها، وكذلك المريض لديه جوانب من الصحة وإن لَطُفَت ما يحمد الله عليها، وقس على ذلك من النعم ما علمناها وما غفلنا عنها، واعلم أنه من حقق قوله تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنكم) فقد ظفر بكل خير واستغنى وأغنى…
(انْتَشَفَ الغريب فنجانه، وانْتَفَّ من مكانه، وَنَفَّ على سَتِهِ ومضى) فقد وجد ضالَّته…انتهى.
-بعد نهاية هذا الفصل عزمت على زيارة العم الفلاح وجعلت هذا الفصل ذريعة لي، لأنني بدأت أستثقل زياراتي له المتكررة ولكنني أتحجج بعدم فهم بعض الأمور حتى أفتح معه الحديث فيما أريد، ثم أدعه يسترسل فيما يريد هو الحديث عنه…
-وصلت عند منزل العم الفلاح وطرقت الباب ولم يجب أحد، هممت بالمغادرة ثم سمعت صوت الجدة أم جابر من (دارة البيت): (ما بو حدن في امبيت، وامربا جابر بقد نَشَّرَ أبيهو البارح “مروح” وهبو لو تحويلن “لأبوعريش”).
لم أستطع أن أرد عليها فكلنا نعلم أن مستشفى أبوعريش (كمثلث برمودا) فمن النادر العبور من خلاله والخروج على قيد الحياة…
انطلقت مباشرة لعلي أدرك الزيارة، وأثناء نزولي في طرقات الجبل الملتوية، تبادرت إلى ذهني تلك الخيالات الطفولية والتي دائما ما تتبادر إلى ذهني عند نزولي من الجبل وهي: لو أن للسيارة أجنحة وأحلق مع تلك الطيور إلى الأفق البعيد وأتحرر من قيود الوقت والمكان، أو لو أن هذه السيارة تتحول إلى رجل آلي “إقلندايزر” ياسلام سلم، وسرعان ما يخطر في ذهني “القبطان نامق” وهو يقود الرجل الآلي بذراعيه الطويلتين المضحكتين فتتبعثر خيالاتي وأصحو منها، وما أن بلغت “الطلعة” إلا وتذكرت درازن المطبات ومتاهات التحويلات فأيقنت أنني لن أدرك الزيارة، فاتصلت (بجابر) لأتأكد بأنني سوف ألقاه هناك، فأكد لي ذلك، وبعد مصارعة هذا الثعبان الأسود المليء بالحراشف والمطبات والتحويلات وصلت وسلّمت على جابر…
-وبادرته: محجور بالله ياجابر تخرج العم الفلاح من هذه المجزرة ونذهب به سويا إلى عسير؟
-قال: وضعه حرج جدا ولن يتحمل المشوار.
-قلت: يموت وهو يحاول النجاة أفضل من الاستسلام.
-قال: خل العبال، مذها ذي الكلام؟
-قلت: المكوث في هذا المستشفى انتحار.
-قال: بكرة نشوف رأي الدكتور.
ثم خرجت من عنده، وواصلت مشواري إلى جازان فهو أسهل من العودة إلى الجبل (في ظل هذه الطرقات المزرية) ثم أخذت لي كوبا من الشاي وجلست على شاطئ البحر، وأخذت أوازن الأمور فالأفكار كثيرة وكل فكرة في وادي: (مذكرة العم الفلاح) و(مرضه) و(وزارة الصحة) و(إدارة الطرق) و(وفاة والدي في ذلك المستشفى…) و(مشروع مستشفى فيفاء) و(طابور من النمل يحاول الاستيلاء على كوب الشاي) و(سفينة واقفة في عرض البحر) و(ضحكات هستيرية من مجموعة جالسة بالقرب مني) و(طفلة تصرخ تريد أيسكريم) و(عامل نظافة يسلم على الجميع يستجدي الحسنات)، ثم تمددت على الحصير وتأملت النجوم قليلا، ثم أغمضت عينَي، وصحوت ولم يعد على الشاطئ سوى بعض الأسر فقد تأخر الوقت، وطابور النمل الأسود قد استولى على كوب الشاي، قمت وغسلت وجهي وتعوذت بالله من الشيطان…وقلت في نفسي: يبدو أن مرض العم الفلاح أزعجني ففقدت الاتزان في التصرف وعادت إلى ذهني ذكرياتٌ بمشاعر مؤلمة -وكأنني لم أستفد شيئا من العم الفلاح ومن مذكرته- فأخذت أسترجع وأستعيد توازني وأحاول التركيز على الجوانب المشرقة وأسلم أمري لله رضا بقضائه وقدره ثم البحث بهدوء عن حلول معقولة، وعلمت حينها لماذا أمر الله بالصبر والاسترجاع وأمر بالاستعانة مع الصبر بالصلاة وأمر بحسن الظن وبالإحسان في القول والتوكل عليه، وفهمت بعضا مما كان يذكره العم الفلاح وكيف حاول جاهدا أن يرفع من وعيي، ثم تمددت مجددا وتذكرت ما ورد في (الفصل الثالث) عن حمد الله في السراء والضراء، وأخذت أكرر في نفسي (الحمد لله رب العالمين)، إلى أن شعرت بانشراح في صدري ورضا في قلبي، وتذكرت (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) وتذكرت أن كلمة (عسى) من الله تعالى تدل على (الوجوب) في جميع القرآن إلا في موضع واحد، فازددت يقينا…
انطلقت في الصباح إلى مثلث برمودا (مستشفى أبوعريش) وصلت الساعة التاسعة والنصف تقريبا، وكنت طول الطريق أعاود الاتصال (بجابر) ولكنه لا يرد على الاتصال (فَتَشَهْدَدْتُ جدا) ثم اتجهت إلى موظفة الاستعلامات وسألت عن العم الفلاح…
قالت: أخذهم إسعاف خاص قبل نصف ساعة متجهين إلى عسير.
قُلت: (سْتَقَدَ وَسَطْ بُرْشُومك يا جابر مَا رَوَيْتَ لي).
قالت الموظفة: (مها ملتهمن ومعو مريضن)
-شعرت بحرارة في وجهي من الخجل فهذه الموظفة من القطاع الجبلي فقد فهمتني وأنا (أحاطم وحدي) فأخذت أعتذر لها وجلست على المقعد المجاور للاستعلامات وأخذت جوالي وعاودت الاتصال على جابر ولم يرد وفجأة نادتني تلك الموظفة الجبلية وقالت: (مذها يقربك المريض).
قلت: ما يقربني ولكنه صديق وهو في مقام الوالد.
قالت: أحسن الله عزاكم.
قلت: كيف؟! ومتى؟! وأين؟!
قالت: بلغنا الآن اتصال بوقوع حادث على الإسعاف وتوفي جميع من فيه، ومن في السيارة المقابلة.
-قولي غيرها.
-هذا الحاصل، الله يلهمكم الصبر والسلوان.
-إنا لله وإنا إليه راجعون.
-طيب أين موقعهم؟
-لقد خرج من هنا إسعاف آخر وسوف يعيد جثثهم إلى هنا.
جلست على ذلك المقعد البارد مشدوها، وعرفت بأن القضاء والقدر حاصل لا محالة، وليس للمستشفى دخل في ذلك إنما هي سبب كغيرها، ولا يمنع ذلك من الأخذ بالأسباب فلا تناقض في ذلك، وتذكرت قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما منع أصحابه من دخول الشام لطاعون قد أصابهم.
-فقال له أبو عبيدة بن الجراح: أ فرارا من قدر الله يا أمير المؤمنين.
-قال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، ثم أضاف قائلا: (نعم نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله).
وأثناء جلوسي وأنا مطرق برأسي إلى الأرض رأيت قدمين واقفتين أمامي رفعت رأسي وإذا هو (جابر)!!
لم أستوعب فليس ميتا وليس ملطخا بالدماء، كما أن آثار النوم بادية عليه، قمت سلمت عليه ولا أدري هل أعزيه أو أتحمد الله على سلامته أم أنني في مجرد وهم، فتوقف لساني عن الكلام…
فبادر هو بالاعتذار أنه لم يرد على اتصالاتي فقد كان نائما وجواله على (الصامت) كي لا يزعج العم الفلاح..
-قلت: ولكنه صار عليكم حادث قبل قليل وتوفيتم جميعا على كلام هذه (العَزَبَة).
-قال: أنت من البارح تخلط واليوم في زيادة، (وأنت ما ترني بنا ذي قبالك، وامقحم بها فوق في التنويم بقد طلعوه من العناية البارح)
-طيب تعال يا جابر ننشدها.
-فقلت لها: (بها ذي جابر والعم الفلاح بها فوق في التنويم).
-نظرت إليّ من خلف ذلك النقاب بعينين جادتين وحازمتين وقالت: انظر إلى شاشة الجهاز أليس هذا اسمه؟
-(إي ناخو أختي بها اسمو).
-ثم قالت: وهذا اسم المرافق.
-قلت لها: (لا مها محمد سا جابر)
-قالت: إذا قد يكون تشابه أسماء…
قلت: نعم، والحمد لله على كل حال، والله يغفر لأهل الحادث ويرحمهم، ولو ما أعرفهم.
يتبع…

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه. الحقول المطلوبه عليها علامة *

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.