رحلة الأردن .. الحلقة الخامسة والاخيرة | صحيفة فيفاء
الخميس, 7 ربيع الأول 1440 هجريا, الموافق 15 نوفمبر 2018 ميلاديا

رحلة الأردن .. الحلقة الخامسة والاخيرة

رحلة الأردن .. الحلقة الخامسة والاخيرة
عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ ابوجمال

في اليوم التالي الاربعاء الموافق 6/7/1437هـ ، الذي خصصناه للعاصمة عمان، وهي مدينة كبيرة جدا، وفيها داخل البلدة، عمان القديمة، تفترش مبانيها على سبع تلال عظيمة، وفيها عدد كبير من الاثار الرومانية، ويوجد فيها الاسواق العتيقة، وهي مركز البلد وقلبها النابض، وخصصنا اول النهار لزيارة معرض الملك الحسين، للسيارات وبعض المقتنيات الملكية،(متحف السيارات الملكية) وقد جلنا فيه لأكثر من ساعة، وهو معرض ممتع ومفيد، به كثير من المحتويات النفيسة، يعطيك فكرة شاملة عن التطورات الهائلة في الحياة الاردنية، ويلخص تاريخ الاسرة الهاشمية الحاكمة، بدأ بالملك عبد الله بن الحسين، ثم طلال بن عبد الله، ثم الحسين بن طلال، ثم الملك الحالي عبدالله بن الحسين الثاني (رحم الله من مات منهم وحفظ بحفظه الباقين)، كانت جولة ممتعة، تستعرض من خلالها كثيرا من الممتلكات الملكية، من السيارات الملكية الخاصة، وحكاية ملخصة لكل منها، وبعض المقتنيات الاخرى، من الدرجات النارية، وسيارات السباق المتنوعة، وبعض اللوحات والصور الحية المعبرة، وافلام تبث لبعض الاحداث المهمة.

اتجهنا بعد خروجنا من هذا المكان ، الى جنوب المدينة (عمان)، الى حي يحمل اسم (الرقيم)، يوجد به اثار الكهف، (اصحاب الكهف التي وردت في القرآن الكريم)، يقع في اطراف المدينة الجنوبية الشرقية، في تلة لم يسمح بالبناء فيها، ابقيت خصيصا لهذا الاثر، تصل السيارة الى مواقف بطرفه في اسفل التلة، حيث تجد امامك مباشرة مسجدا حديثا، وفي الساحة امامه مباني الادارة، التي تشرف على هذا الموقع، وتنظم الزيارة له والتعريف بمحتواه، وكان امام المسجد هو القائم على هذه الادارة، انسان سمح بشوش الوجه، عالي الثقافة واسع المعرفة، استقبلنا مرحبا ومعتذرا لقرب دخول وقت صلاة الظهر، وستكون الزيارة بعد الصلاة، ولكننا الححنا عليه فما زال هناك فسحة قبل الصلاة، فرضخ لطلبنا واصطحبنا الى الموقع.

لم يكن بعيدا فما إن تهبط في درج في نهاية الساحة إلا وانت امام الكهف مباشرة، كان عبارة عن بناء قديم من الحجارة الكبيرة، في مساحة لا تزيد عن عشرة امتار في مثلها تقريبا، على مستويين، احدهما ارضي هو اصل الكهف، وتعلوه اثار جدران ومحراب وبقايا اعمدة هي المسجد، يحيط بمدخل الكهف ساحة صغيرة، لها جدار قصير فيه مدخلان، احدهما من الجهة الشمالية والاخر من الجهة الغربية.

وامامك تجد مدخل الكهف، بوابة صغيرة ضيقة لا تكاد تسع كبير الجسم، فتدخلها مقدما احدى شقيك منحني الظهر، فإذا انت بين ثلاث فتحات ، اثنتين صغيرتين يمينك وشمالك، الاولى على اليمين بها اربعة قبور، والتي على اليسار بها ثلاثة قبور ، وهي مباني مصمتة الا واحد من الاربعة في الجهة اليمنى، فقد جعل له نافذة صغيرة من القزاز، اذا تمعنت النظر من خلفها وجدت كومة من العظام الرميم، يخبرنا الدليل انه جمعت فيه كل العظام من القبور الاخرى، للحفاظ عليها وحمايتها من العبث، اما الفتحة الثالثة فهي ما تبقى من الكهف، ارضيتها صخرية ولها فتحة في جزئها الاعلى في جهة الجنوب، يدخل منها ضوء الشمس صباحا، وفي المساء يدخل الضوء من الباب في الغرب، (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال … الآية) فهو المكان الذي نام فيه الفتية.

وفوق هذا المكان كما اشرنا اثار اعمدة مبنية، وجدار بارتفاع يزيد على المتر قليلا في مقدمته شكل محراب، ويخبرنا الدليل ان هذا هو بقية المسجد، قال تعالى (قال الذين غلبوا على امرهم لنتخذن عليهم مسجدا).

ثم عدنا من جنوب المدينة الى وسطها، وهي البلدة القديمة، وصعدنا فيها الى هضبة تتوسطها (جبل القلعة)، وإلا فكلها هضاب ويطلقون على عمان السبع جبال، وفوق هذا الجبل عدد هائل من الاثار الرومانية، ومن المباني الاموية.

وفي جزء منها معرض ومتحف ضخم، يحتوي على عديد من المقتنيات الرومانية والاسلامية، وهذا الموقع فيه عدد كبير من التماثيل، والاعمدة الرومانية والسلات الكبيرة، ويطل منه في جهة الجنوب الشرقي على مدرجات رومانية ضخمة.

 

 

 

 

ومن هذا المكان اينما نظرت في كل الاتجاهات،  ترى العمران الممتد في الجبال المحيطة وما خلفها، فالمدينة مكتظة بالسكان والمساكن، ففي المحيط القريب العمران القديم المتداخل، وفي الجهات الغربية والجنوبية تشاهد الابراج والمباني الحديثة الضخمة،  فهذا الموقع مطل متوسط يعطيك صورة شاملة عن عمان القديمة والحديثة.

هبطنا من هنا الى سوق البلدة القديمة، فهو تحت موقعنا مباشرة، ويشغل مساحات هائلة، وفيه حركة تجارية دائبة، يلفت نظرك بما يحويه من الصناعات المحلية، من مطرزات وجلابيات نسائية، وقد اشترينا منها عدد من الهدايا القيمة، وبعد جولة ممتعة في السوق تناولنا طعام العشاء، في احد اشهر المطاعم في مدينة عمان (مطعم القدس)، ومن ثم قفلنا راجعين الى نزلنا بعد صلاة العشاء.

كان يوم الخميس الموافق 7/7/1437هـ ، هو اخر ايام الزيارة المقررة لهذه البلدة الجميلة، جميلة باهلها الطيبين الكرماء، وبعاداتهم العربية الابية، وعفة انفسهم وصفاء قلوبهم، ثم تدينهم البارز، وخير ما لفت نظري في مساجدهم، حفاظهم على الاذان واداء الصلوات المكتوبة، وتجد في صلاة الفجر المسجد مليء بالرواد، وبعد الصلاة يقدم في العادة امام المسجد درسا جميلا ومختصرا، ثم تتميز الاردن بارضها الخضراء الجميلة، وانهارها الغزيرة واثارها الاصيلة، وصادفت رحلتنا اثناء نزول الامطار على امتداد البلد، لا يكاد يفارقنا ولا ينقطع طوال الليل والنهار، فأضفت كل هذه العوامل ذكريات وانطباعات لا تنسى، ومشاعر لا يستطيع المرء التعبير عنها.

كان موعد رحلتنا للعودة الى الرياض من القريات بالجوف بعد الظهر، لذلك غادرنا الفندق وغادرنا عمان وغادرنا الاردن، متجهين في جهة الجنوب الشرقي، وما اسرع ما وجدنا انفسنا في مناطق ممتدة امامنا، ولمحنا بناء شمال الطريق لا يبعد عنها كثيرا، واتجهنا اليه حيث وجدناه محاطا بسور شائك، ولا يمكن النفاذ اليه إلا من خلال باب واحد، عليه حراسة وبجواره مبنى صغير حديث، به موظف حكومي يحصل رسوم الزيارة، وبعد استكمال المطلوب، نفذنا الى داخل المبنى أو ما يسمى بالقصر، (قصر عمرة أو قصير عمرة).

، وهو قصر صحراوي صغير نسبيا، لذلك يسميه الناس (قصير)، وفي الواقع هو تحفة فنية معمارية اسلامية، له قبة رائعة وزخارف جميلة، ورسوم كثيرة على جدرانه وفي سقفه، تمثل رحلات صيد وسمر ورقص، قيل إنه شيد في حياة الخليفة الوليد بن يزيد، الحاكم الحادي عشر من خلفاء بني امية، ويعتقد أنه كان يستخدم لرحلات الصيد التي يقوم بها، ومازال القصر محافظا على كثير من معالمه وزخارفه، ويوجد في ساحته بئر عميق، عمل على فوهته خشبات بشكل هندسي بديع، يظهر انها طريقة مبتكرة لتسهيل استخراج الماء باقل عناء.

لم نطل المكث حيث واصلنا طريقنا جنوبا، وصادفنا تقاطعات وملتقيات طرق، منها ما يتجه شرقا الى العراق، أو جنوبا الى السعودية مقصدنا، وبعد بضع ساعات دخلنا مركز العمري الحدودي، وانهينا اجراءات الخروج من الاردن، ثم الدخول إلى مركز الحديثة السعودي، ومنه إلى مدينة القريات المجاورة، ومنها شحنا سيارتنا الى الرياض، ثم اتجهنا إلى مطارها الجميل، واقلعت بنا الطائرة في موعدها المحدد  الى مدينة الرياض، بعد رحلة كانت من امتع الرحلات واجملها، فالحمد لله كما يحب ويرضى ونساله دوما التوفيق والسداد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

محبكم / عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ ابوجمال

الرياض في 16/7/1438هـ

 

 

التعليقات (٢) اضف تعليق

  1. ٢
    Hadi

    الله يعطيك العافيه يا ابا جمال وصف مشوق وجميل
    دائما ما يستطبع الانسان الاختيار اما ان يكون سعيدا او شقيا في كثير من الرحلات للاردن كان يسيطر علي تفكير انها ليست بهذا القدر من الجمال والسبب في ذلك يعود الى الحكم المسبق لمن يروي لي تجربته فقد كان يقول لي الزملاء بان عمان غاليه واهلها جافين في تعاملهم ولا يكاد يبتسم منهم احد واخذت هذا الانطباع الى ان ايقنت به ولكن انت الان تتحفنا بالصوره المغايره التي يجب ان يرسمها الشخص بنفسه ولا يسمح لاحد بتشكيل رؤيته ونظرته للامور
    تقبل خالص التقدير وشكرا لك بحجم ما اتحفتنا به

  2. ١
    أبو ـ نبيل

    بارك الله فيك ياشيخ ـ عبدالله .. كفيت ووفيت شرح وقصص واضح وشيق بأسلوبك الراقي الجميل..

    عشنا معك اجواء الرحلة وتنقلاتكم بين مواقعها الأثرية..

    استمتعنا بما نقلته لنا كتابة ومدعم بالصور الجميلة اعطيتنا صورة كامله .. بل دعاية وتشويق للزيارة هل لك مقابل هذا شيء يا أبا ـ جمال ههههه..

    يعطيك العافية ثقفتنا من خلال هذا القصص لعلنا نستقي لو جزء الجزء في التخطيط السليم لأي رحلة فنحن الغالبية خبط عشواء او كما يقال على البركة..

    شكراً لك شيخنا الكربم والحمد لله على السلامة ولو الوقت متأخر..

    * نسيت أين الهدايا القيمة لم يشمل صحبة الجسر منها شيء لو “حلا” ولعلّنا جلسة معك واستفسار عن تلك البيوت المعلقة والطرقات بين البيوت كأنها مثل عندنا في الديرة بعض البيوت لا تصلها الطريق..

علقّ على هذا المحتوى ..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: