هل قللت الشبكات الاجتماعية من قدرة الصحافيين على صناعة الحوار الصحافي التقليدي! | صحيفة فيفاء
الأحد, 8 ذو الحجة 1439 هجريا, الموافق 19 أغسطس 2018 ميلاديا

كاتب صحافي يدرس ثلاث حالات مشهورة

هل قللت الشبكات الاجتماعية من قدرة الصحافيين على صناعة الحوار الصحافي التقليدي!

هل قللت الشبكات الاجتماعية من قدرة الصحافيين على صناعة الحوار الصحافي التقليدي!
حبيب عبد الله

لماذا يتجاهل روائي أو سياسي مشهور يملك جماهيرية عالمية المقابلات الصحفية أو يقلل من أهميتها، وهي التي من الممكن أن تساعده في ترويج أعماله ومؤلفاته الجديدة وتزيد من حجم جماهيريته! هذا السؤال طرحه الكاتب الصحافي حبيب عبدالله، في مقال نُشر في زاوية “إعلام” في العدد الأخير لمجلة الفيصل الثقافية، وتناول فيه الكاتب ثلاث حالات مختلفة، وهي: الروائي البرازيلي باولو كويلهو، والروائية الجزائرية أحلام مستغانمي، والرئيس الأميركي دونالد ترامب. وجاءت المادة الإعلامية ضمن مواد العدد الجديد للمجلة، والذي تضمن باقة من المواضيع والمواد المتنوعة إلى جانب عدد من النصوص العربية والمترجمة. إضافة للقراءات الخاصة والدراسات والقضايا والمقالات.

 

وإضافة إلى الإجابة على التساؤل بالأعلى، بدأ الكاتب مقاله بتسليط الضوء على أسلوب تواصل وتعامل الروائي البرازيلي والروائية الجزائرية مع جمهورهما الافتراضي، وطريقة استخدامها للشبكات الاجتماعية المختلفة، وحجم الاحترام والتقدير المبتادل بينهما وبين جمهورهما بسبب قدرتهما على التواصل اليومي مع الجمهور، وكيف استطاع روائي تجاوز السبعين من العمر مثل كويلهو أن يواكب كل جديد بدءًا من دخوله “عالم التدوين مبكرًا بمقالات قصيرة جدًّا، ونهاية بشبكات التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر وإنستغرام حتى سكايب والآن بريسكوب وسيلة البث المباشر، وهذه هي الوسائل الإعلامية الرقمية التي أجهضت ما تبقى من إثارة ورغبة عند الصحافيين بعمل المقابلات الصحافية، كما يقول الكاتب.

ويشير الكاتب إلى أن الروائي كويلهو يملك أكثر من 44 مليون متابع في تويتر وفيسبوك، ولذلك يستغرب كويلهو من الناشر الذي يتولى نشر كتبه عندما يشتكي من أن كويلهو لا يعطي مقابلات، حيث يرد الروائي بأن لديه اتصال وتواصل مباشر مع الجمهور، فلِمَ الحاجة إلى وسيط بينه وبين الجمهور، وتساءل كويلهو ذات مرة: لماذا يتعين على الكاتب أن يجعل من صحيفة أو مجلة وسيطًا بينه وبين جمهوره، في حين يستطيع الوصول للجمهور مباشرة وإيصال الرسالة إليهم بلا إعادة صياغة أو عناوين مثيرة!

ولهذا فإن هذا العزوف عن المقابلات الصحفية يرجع إلى اهتمام الروائي البرازيلي بتفاصيل هذا العالم الإعلامي الافتراضي، كما يؤكد الكاتب، فهو مدون مستمر ويكتب المقالات القصيرة التي تجعل من القراءة أكثر جاذبية، حيث عرف كيف يجعل من جمهور الشبكات الاجتماعية قُرَّاء لمدونته بأسلوبه القصير الرشيق والمثير الذي يتناسب مع معدل السرعة في هذا العالم.

وينوه الكاتب حبيب عبدالله في مقاله المنشور في مجلة الفيصل أن هذا الرفْض للمقابلات لا ينبع أبدًا من قلة احترام أو تقليل من الصحف والصحافيين بل لأن كويلهو وجد في التواصل مع الجمهور عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة أفضل وأسرع وذات طابع شخصي تُقرب المسافات وتجعل من العلاقة الافتراضية بين الكاتب والجهور أكثر واقعية وإنسانية. مضيفا أن تواصله المباشر مع الجمهور جعله في اتصال دائم مع جمهور من جميع اللغات والشعوب والأديان، وإن صعُب على صحيفة بلغة ما من دولة ما الوصول إليه، فإن الروائي اختصر المسافات واللغات ووصل إلى الجمهور بشكل أسرع من وسائل الإعلام التقليدية، حيث استطاع أن يجعل من تواصله مع جمهوره بهذا الشكل العفوي والمباشر في السنوات العشر الماضية وخاصة منذ إطلاق تويتر، اختراقًا لمفهوم المقابلة الصحافية التقليدية وفلسفتها، وأن يصنع لنفسه صورة ذهنية إيجابية وجميلة عند جمهوره، وهذه الصناعة التي أتقنها كويلهو، يقول عنها الكاتب: “لم تتطلب من كويلهو عقدًا كبيرًا مع شركة علاقات عامة أو وكالة إعلامية، بل مجرد جهد وتخصيص وقت يومي واهتمام شخصي منه مع إيمان داخلي يقوم على تقديره للجمهور والاعتراف بفضله على كاتب مثله”.

وعلى غرار مغامرة الروائي البرازيلي في العالم الافتراضي، تأتي الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي التي ردت على كويلهو ذات مرة قائلة: “أشاطره الرأي. بدوري على تواصل مع 12 مليون متابع في صفحتي في الفيسبوك وأكثر من مليون متابع في تويتر، ما حاجتي لإعطاء مقابلات أو حضور مؤتمرات. قارئي هنا”. مشيرة إلى أن وجودها في منصات التواصل الاجتماعي جعل منها ومن كُتاب عرب آخرين أقل ميلًا وتفضيلًا للمقابلات الصحافية وأكثر عزوفًا عنها، لأن هذه المنصات الافتراضية الجديدة كسرت الحواجز وتخطت الحدود التي تفصل بين الكاتب والجمهور؛ ويذكر الكاتب أن هذا الرد من مستغانمي ربما يعبر عن “توجه ورغبة لدى كُتاب كُثر غيرها في التواصل مباشرة مع جمهور القراء وعدم انتظار قرار مجلة أو قناة تلفزيونية بعمل مقابلات معهم وترويج حملاتهم والمشاركة في صياغة رسائلهم المجتمعية والثقافية”. وتؤكد مستغانمي عزوفها عن الإعلام التقليدي عندما تقول: “اعتزلت التلفزيون منذ سنوات هربًا مما ألحقته بي الأخبار العربية من أذى”؛ لذلك ينوه الكاتب بأنها ولهذا السبب “تقوم بصناعة صورتها بنفسها وصيانتها، وصياغة رسالتها من دون الحاجة إلى وسيلة إعلامية تشاركها ذلك”.

وحول تجربتها في العالم الافتراضي يذكر الكاتب أن مستغانمي عاشت تجربة جديرة بالاحترام في تواصلها الافتراضي مع الجمهور، مثلا في إيصال رسالتها المتمثلة في “دفاعها عن التراث الجزائري الوطني وحمايته من السرقة والانتحال؛ حيث قادت حملة مع مجموعة من الجزائريات شارك فيها الآلاف من الجزائريين بينهم عشرات المشاهير، حملة «البس جزائري في العيد» كانت عبارة عن احتجاج عبر مواقع التواصل الاجتماعي ضد جهات خارجية متهمة بالسطو على التراث الجزائري المادي واللامادي وبخاصة اللباس ومن ثم نسبته إلى بلدها”. وارتدت لباسًا تقليديًّا ولم تنتظر حصولها على خبر أو صورة صحافية، بل على العكس شاركت وعلى الفور صورها باللباس التقليدي مع جمهورها الكبير في حساباتها في الشبكات الاجتماعية، وطالبت حينها بيوم رسمي للزيّ التقليدي الجزائري، ويشير الكاتب إلى أن الروائية الجزائرية تنشر صورها أحيانا وهي ترتدي اللباس التقليدي في تويتر وفيسبوك، من أجل تكريس رسالتها الثقافية النبيلة للمحافظة على تراث وطنها.

وفي السياسة، ينقل الكاتب، ما نشرته مجلة “كولومبيا جورناليزم ريفيو” التي تصدرها كلية الصحافة في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك الأميركية، والتي أشارت إلى أن تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تويتر، “كانت سببًا في تقليل قدرة الصحافيين على تحقيق سبق وحوار صحافي معه، إضافة إلى أنها تسببت في عزوفهم عن إجراء مقابلات صحافية معه”؛ لأن ترامب يكرر ما كان يقوله في تويتر من تصريحات وتهديدات وآراء، ولا يضيف شيئًا جديدًا، حيث يتابع الرئيس الأميركي أكثر من 47 مليون شخص في تويتر، وهو عدد أكثر من متابعي قناة CNN، وصحيفتي واشنطن بوست ونيويورك تايمز، كل على حدة، وهي وسائل الإعلام التي اشتهرت بمهاجمة الرئيس الأميركي لها باستمرار، حيث يتهمها ترامب بنسج الأخبار الكاذبة؛ ولهذا يلجأ يوميًّا إلى الكتابة في تويتر لإيصال رأيه بأقصى سرعة.

وبعد استعراض هذه الحالات، يصل الكاتب إلى أن هناك عدد من الكتاب والسياسيين الآخرين يفضلون الكتابة في تويتر أو فيسبوك والتواصل مع الجمهور على تسجيل حوار صحافي قد لا يصل إلى الجمهور المستهدف، مضيفا بأنه سيبقى هناك صحفيون قادرون على صناعة المقابلة الصحفية المثيرة، ولكن بعد جهد كبير ليس كما هو الأمر سابقا.

وفي ختام مقاله ينتقد الكاتب بعض الكتاب والأدباء الذين لم يدخلوا العالم الافتراضي بعد، أو أولئك الذين يملكون حسابات افتراضية ولكن لم يتواصلوا مع أحد، أو ربما تحدثوا بغطرسة مع الجمهور الحقيقي، أو أولئك الذين صارت حساباتهم مجرد إعلانات مبوبة، حيث يستخدمون الشبكات الاجتماعية باتجاه واحد فقط؛ لنشر الآراء والإعلانات عن إصداراتهم من دون تفاعل وحوار حقيقي مع الجمهور من ردود وتعليقات، ومن دون معايشة اللحظة التفاعلية مع الجمهور التي وفرتها شبكات التواصل.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه. الحقول المطلوبه عليها علامة *

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.