أزمة ثقة وليست أزمة رضا في الأنظمة الصحية | صحيفة فيفاء
الاثنين, 9 ذو الحجة 1439 هجريا, الموافق 20 أغسطس 2018 ميلاديا

أزمة ثقة وليست أزمة رضا في الأنظمة الصحية

أزمة ثقة وليست أزمة رضا في الأنظمة الصحية
بقلم: عبدالغني محمد الشيخ
إنّ الحديث اليوم عن سلامة المرضى لا يكاد ينقطع، إذ يدور النقاش ضمن المجتمع الطبي في أميركا وإنجلترا وكندا منذ عقد من الزمن عن “وباء” جديد لا يقل خطره عن فيروس إيبولا أو فيروس كورونا، وينتشر بسرعة هائلة. هذا الوباء اسمه “الأخطاء الطبية”، ويحدث حتى في أكثر المراكز الطبية تقدماً ويصيب بدرجات متفاوتة واحداً من كل عشرة مرضى أثناء تلقيهم الرعاية الصحية في المستشفيات. ومن بين كل 100 مريض يتلقى الرعاية في المستشفى في أي وقت، يصاب 7 مرضى بالعدوى البكتيرية أو الفيروسية ذات الصلة بالرعاية الصحية وذلك في البلدان المتقدمة، أما في البلدان النامية فيصاب 10 مرضى كما تشير تقارير منظمة الصحة العالمية، والأمثلة على هذا الأمر كثيرة ومنها التهاب الجرح بعد العملية الجراحية أو التهاب المسالك البولية بعد إدخال قسطرة الإحليل.
هناك خبران جيدان هنا: الأول، أنّ أكثر من 80% من الأخطاء الطبية يمكن تلافيها بسهولة. والثاني، أنّ معظم هذه الأخطاء لا يصل أصلاً للمريض (بسبب اكتشاف الخطأ مبكراً إما بالمصادفة أو بسبب يقظة النظام أو البشر أو كليهما) أو أنه يصل للمريض بالفعل ولكن لا ينتج عنه أذى كبير.
كثيرة هي القصص التي تحكي كيف تعرض المرضى للأذى أثناء تلقيهم الرعاية الصحية، والتي كانت قصصاً في غاية الألم، والدرس المستفاد المتكرر دوماً مع كل قصة هو: كم كان سهلاً تجنب ما حدث!
أذكر هنا على سبيل الاستدلال قصة مريض يدعى بيل إيدت كان يعاني من تليف شديد بالرئة واستمر في انتظار متبرع أكثر من 10 سنوات. بعد عملية جراحية ناجحة استمرت 9 ساعات في أحد المستشفيات الأميركية خرج بيل برئة جديدة أعادت له الأمل بحياة حافلة. وبعد بضعة أيام وبينما كان ينتظر الممرضة التي تأخرت كثيراً في مساعدته للعودة من دورة المياه إلى سريره قرر أن يسير بمفرده لكنه سقط وأصيب بكسر استدعى بقاءه مستلقياً في السرير من دون حركة، فتجمعت السوائل في رئته وأصيب بالتهاب رئوي نقل على أثره إلى العناية المركزة. وهناك أصيب بجلطة في الساق انتقلت إلى الرئة، ثم أصيب بنوع من البكتيريا الضارة (MRSA) استدعت علاجه بعدد من المضادات الحيوية القوية والتي بدورها أثّرت في جهازه المناعي فتطور الأمر إلى عدوى بكتيرية خطيرة (C.Difficile) أدت إلى التهاب شديد وتهتك في جدار القولون ثم فشل كلوي ومن ثم الوفاة.
وفي التحقيق لاحقاً مع الممرضة المسؤولة، اتضح أنها كانت تتولى رعاية 7 مرضى في وقت واحد. هذا مثال بارز على أنّ معظم الأخطاء الطبية سببه الجذري هو ثغرات في النظام، وعبر تلك الثغرات تنفّذ أخطاء البشر لأنهم بطبيعتهم خطاؤون، وتعتريهم حالات التعب والإرهاق والنسيان وهم بذلك عرضة للخطأ في كل وقت وفي كل مكان. إنّ الوظيفة الحقيقة إذاً لمدير المستشفى ومديره الطبي ورؤساء الأقسام الطبية والتمريضية تتمثل في تصميم النظام بطريقة تجعله لا يسمح أصلاً بوقوع الخطأ، وإن وقع فإنه لا يسمح له بالنفاذ والوصول إلى المريض لأنه سوف يكتشفه مبكراً. هذا الفكر مختلف تماماً عن الثقافة السائدة في الكثير من مستشفيات العالم وبالذات في الأنظمة الصحية النامية والتي تتفاعل مع الخطأ بعد وقوعه وليس قبل ذلك. هناك فرق كبير بين توقع الخطأ قبل وقوعه وسد الثغرات التي قد تحصل من خلالها (الحالة الاستباقية) وبين انتظار الخطأ حتى يقع ومن ثم معالجة مسبباته (الحالة التفاعلية). الأمر شبيه تماماً بفريق كرة القدم الذي يدخل المباراة وخطته هي ألّا يدخل هدف في مرماه، في حين تقوم خطة الفريق الآخر على المبادرة بتسجيل الأهداف. الفريق الأول غالباً ما ينتهي بالهزيمة أو بالتعادل في أحسن الأحوال، أما الفريق الثاني فهو غالباً ما يفوز.
على كل مدير مستشفى هنا في المملكة العربية السعودية أن يسأل نفسه بكل شجاعة: هل أريد المبادرة بتسجيل الأهداف أم انتظرها حتى تدخل في مرماي؟
تجربة السعودية
ولا يختلف الأمر في السعودية كثيراً عن الدول المتقدمة سالفة الذكر في ما يتعلق بسلامة المرضى، وقد بدأت المستشفيات – بصفتها أكثر الأماكن التي تحدث فيها الأخطاء الطبية لكثرة المرضى، وكونها تحتوي على المناطق الخطرة مثل غرف العمليات الجراحية وغرف التخدير وبنوك الدم – تتنبه إلى هذا الخطر القادم ولكن لا يوجد تصور واضح لما يمكن فعله في هذا الصدد.
تقوم استراتيجية العمل لدى المركز السعودي لاعتماد المنشآت الصحية (CBAHI) (وهو هيئة الاعتماد الصحي في المملكة العربية السعودية) على وضع المعايير (Standards) التي تمثل الأداء المثالي والممارسات الصحيحة الآمنة في المستشفيات، ويتم تقييم تلك المستشفيات من خلال زيارات ميدانية عن طريق مقيمين متخصصين لتحديد مدى التزامها بتطبيق المعايير.
الرسالة المهمة هنا هي أنه مهما بلغت صعوبة المعايير ومهما بلغ تكرار الزيارات التقييمية سواء كانت مجدولة أو مفاجئة، فإنّ كل هذا لا يغني عن الجهود الذاتية الداخلية التي تقوم بها إدارة المستشفى لرفع مستوى الجودة والتقليل من إمكانية حدوث الأخطاء والعثرات. هذه الجهود يجب أن تكون مبنية على تصور واضح تدعو له كل هيئات الاعتماد الصحي في العالم وهو أنّ الأخطاء تحدث – بل يجب أن تحدث لأن البشر خطاؤون وإلا فلا يوجد عمل – ولكنها لن تصل للمريض لأن النظام (System) مليء بصمامات الأمان والجدران العازلة التي لا تسمح بنفاذ الخطأ، وفي كل مرة تسير فيها الأمور في الطريق الخطأ، فإنّ مدير المستشفى لا بدّ من أن يكون على علم بالأمر، ليس لأن لديه “جواسيس” يخبرونه بما يحدث خلف ظهره، ولكن لأن هناك آلية واضحة ومعروفة تشجع جميع العاملين على التبليغ عن الأخطاء الطبية عند اكتشافها من غير خوف أو تردد. هذه البيئة الطاردة للخوف والمشجعة على المصارحة والتبليغ والمكاشفة من دون خوف من العقاب هي ما يحدد نجاح إدارة المستشفى من فشلها على المدى البعيد.
يتحدث خبراء الصحة كثيراً عن رضا المريض (Patient Satisfaction) وضرورة السعي لتحقيقه وأهمية قياسه من فترة لأخرى، لكنني أدعو إلى السعي نحو كسب ثقة المريض (Patient Trust) وليس مجرد رضاه عما قدم له من رعاية صحية. الثقة مرحلة متقدمة وسامية في العلاقة ما بين النظام الصحي والمريض، وهي المرحلة الأخيرة قبل الوصول إلى حالة الولاء الكامل (Loyalty) التي تجعل المريض يثق ثقة عمياء في طبيبه المعالج وفي المستشفى ولا يقبل تغييرهما مهما حدث، لأن تجاربه السابقة معهما أثبتت له مرة بعد أخرى أنهما أهل للثقة.
لا يحتاج النظام الصحي السعودي في المرحلة المقبلة إلى رفع مستوى رضا المرضى فحسب. إنّ الأمر متعلق في المقام الأول بثقة المجتمع في النظام الصحي، ولا بدّ من تعزيز تلك الثقة بالتخطيط المدروس الممنهج والتركيز على الأولويات ووجود استراتيجية عمل واضحة يسير عليها الجميع لا تتغير بتغير مدير المستشفى ولا بتعاقب وزراء الصحة!
هل هي أزمة ثقة؟
مجرد السعي نحو كسب رضا العميل لم يعد مقبولاً في عالم اليوم. وإذا اعتبرنا المرضى وعائلاتهم عملاء كذلك، فإنه لا مناص من السعي نحو كسب ثقتهم وولائهم وليس مجرد رضاهم. الرضا حالة عاطفية في الأغلب، وقد يتلاشى فجأة عند حدوث أول خطأ، أما الثقة فهي حالة عقلية في المقام الأول، ومن الصعب الوصول إليها كما أنه من الصعب التخلي عنها.
المنظمات تتعلم أكثر من العميل غير الراضي وليس العكس. الحصول على رأي الناس في ما يقدم لهم من خدمات رعاية طبية لا يؤخذ في الغالب على محمل الجد من قبل أصحاب العمل أو المدراء، مع أنه أداة خطيرة لتحسين الأداء!
المستشفى باعتباره منظمة، يفترض أن يسعى ليكون منظمة متعلمة (Learning Organization)، وليس هناك أفضل من التعلم من الأخطاء التي حدثت وستحدث. إنّ ثقة المريض لا تتزعزع إذا كان المستشفى شفافاً في الكشف عن الأخطاء التي تقع فيه. العكس هو الصحيح. إذاً، نحو مزيد من الشفافية عند حدوث الخطأ الطبي، هذا مثال حي على الشجاعة الأدبية التي نفتقدها كثيراً هذه الأيام!
فلعل معايير جائزة الملك عبدالعزيز التي تقيم ادارة وزارة الصحة حاليا تضع يدها على فرص التحسين بشرط صيانة التقييم كل عام .

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    عادل باصقر

    مقال ثري وقيم فضلا عن المعلومات الهامة التي أبدع الكاتب في طرحها وتنسيقها.. والمقال نتاج جهد وبحث وعصف ذهني مميز يستحق القراءة وقبلها الشكر للكاتب.

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه. الحقول المطلوبه عليها علامة *

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.