الأمُّ مدرسةٌ وأحيانًا سيرك! | صحيفة فيفاء
الأربعاء, 12 ربيع الآخر 1440 هجريا, الموافق 19 ديسمبر 2018 ميلاديا

الأمُّ مدرسةٌ وأحيانًا سيرك!

الأمُّ مدرسةٌ وأحيانًا سيرك!
نورا عبدالغني عيتاني


تحتاجُ الأمُّ أن تحيطَ بمهنِ السيرك جميعًا حتّى تقدر أن تتجاوزَ مِحنَ الأمومة وتتخطّى ثقل مهامها والمشاغل.. فتكون بهلوانيًّا في بعض الأوقات، تصارعُ الوقتَ والبديهةَ والطاقة لالتقاطِ كلِّ شاردةٍ وواردةٍ تدورُ حولها كما الكرات الدائرات، مسارعةً لجمعها قبل أن تخرج إحداها عن السيطرة وتكرّ السبحة.. وكذا تحتاج لتهريجه في معظم الأحايين، لترسم البهجةَ والبسمة على وجوهِ أطفالٍ لا تعرفُ الكلل ولا الملل.. تحتاج صمته وسرعته وقدرته على التماسك والتبسّمِ ملْءَ فيها، ولو القلب يقطرُ دمًا ويغلي تعَبًا.

تحتاجُ أيضًا أن تكونَ لاعب خفّة، تسيرُ على حبلِ الجلادةِ والصبرِ بكلِّ توازنٍ ودقّةٍ، وتجاريهِ بكلِّ رقّة، لئلّا تقع أو تميل، فإن مالت لميلٍ مالت بعكسِ الاتّجاه، وهكذا دواليك مرّة تلو الأخرى، إلى أن تصلَ لخطِّ النهاية، ولن تصل! فحبلُ الأمومةِ خيطٌ ممتدٌّ ورفيع، هو ابتلاءٌ بلا انتهاء، حدوده حدود العمر.. وغالبًا ما تحتاجُ لأن تكون لاعبَ الخفّةِ هذا عند حلولِ الليل، حين يغفو طفلها، لتعرفَ كيف تتسلّلُ بهوادةٍ من بين يديه الصغيرتين العنيدتين الممسكتينِ بها بإصرارٍ وإحكام؛ لئلّا يستفيق على وقع اللمساتِ المدروسةِ المتيقّظة، والخطواتِ المحبوسةِ المرتبكة.

وفي أكثر الأحايين، تحتاجُ الأمُّ أن تكونَ كلاعبِ النار، تسيرُ بين نارين، نار الحيوان المفترس، ونار الإطارات المتتالية المستديرة.. فهي أبدًا في حالةِ تأهّبٍ وقفزٍ دائمٍ ودورانٍ مستمرّ، وتقدّمٍ ملموسٍ حارقٍ للوقتِ والأعصاب، يُحسَد عليه، لكن لا يغامِر للوصول إليه والوقوف محلّه إلا الشجعان والمجاهدون!

تحتاجُ أيضًا أن تكونَ مدرّب أسودٍ ونمور، تروّضُها بانتباهٍ بالغٍ وحذر ولا تأمنُ عضّ بعضها، وقد تحتاج للتأمينِ على نفسها أحيانًا، فبعضُ الأسود والنمور قد تثور، وقد تقرّرُ خوضَ عروضٍ مجنونة، فتنقلب عدوّةً لحظة الجنوح والغضب، لتهاجمَ بعضها، أو تفتكَ بمدرّبِها!..

تحتاجُ الأمُّ أيضًا أن تكونَ مدرّبَ قرود، وما أحوجها لهذه الحرفة، فهي المهنة التي لا غنى لها عنها، وهي المهنة التي ستجعلها محطّ الأنظار ومستقطب الابتسامات والضحكات المفضوحةِ والمخفيّة، وهي المهنة الأكثر تسليةً على الإطلاق، وسط معمعات السيرك والركضِ بين حلباته المحفوفة بالمخاطرِ والمصاعب!..

تحتاجُ الأمُّ أن تشرح لأبنائها في النهايةِ أن الحياةَ الدنيا عبارةٌ عن حلبةِ سيركٍ كبيرة، لا بدّ من المرورِ بها، والاطّلاعِ على كثيرٍ من عروضها، المجنونةِ بشكلٍ خاصّ.. الأهمّ من هذا كلّه، أن تعزمَ الأمّ على تعليم ولدها الدرسَ الأبلغَ والأهمّ: كيف يخرجُ من هذا السيرك، خالٍ من الحروق، والكسورِ، والرضوض،ِ والكدمات،ِ والألوانِ والعوالقِ الباقيةِ الراكدة، التي تصارعُ كي تلتصق به عنوةً من كلِّ حدبٍ وصوب.. تحتاجُ تعليمه أن يتخطّى وحشيّةَ كلّ هذه الحيوانات التي جاوزها أو تقمّصها بعض الأحايين..

تحتاجُ الأمُّ أن تكون بطلًا خارقًا على كلِّ حال، فهذه حلبتها، وتلك رسالتها، وهذا قدرها لا محالة، فلا هروب ولا غروبَ ولا تراجع، والوقت يسيرُ بلا توقّف، والركض جارٍ بلا قدمين، وسواعدُ الجدّ والمهزلةِ مشمّرة، تنتظرُ من يتصيّدُ إحداها..

ألا فليبدأ العدّ العكسيّ، ولنكن نعم الأمّهات، ولنحسن اختيارَ السواعد…

التعليقات (٠) اضف تعليق

علقّ على هذا المحتوى ..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.