العقل الرفيع

كيف يفسد العطار ما أصلحه الدهر ؟

 


أصل المثل السائر «لا يصلح العطار ما أفسده الدهر» وقد طرحته عليكم بصيغة معكوسه، فبدأت «بكيف» ليكون سؤالاً للجميع، أما لا، فتاتي للنهي والنفي، والإصلاح هنا إعادة الوضع إلى ما كان سابقاً،
لكن ما أعنيه هو البحث عن الأجمل و الأكمل للأجيال المقبلة .. وفي حالة تقدم السن و التقادم فلا يمكن ذلك أبداً.
والعطار هو من نعرفه ونراه في الأسواق، وقد سُمّي عطاراً نسبة إلى العطر، في الماضي كان العطار يبيع العطر والأعشاب والبذور والحبوب ولوازم الزينة، وما إلى ذلك، فكلمة ما أفسد في المثل عكس الإصلاح تماماً،
فإذا فسد الطعام لم يعد صالحاً للأكل، وإذا فسد الرجل ساءت أخلاقه، والإفساد في الأرض السعي في الخراب،
أما الكلمة الأخيرة وهي الدهر، فمعناه: مدى الحياة والزمان الطويل، وإذا قلنا: أكل عليه الدهر وشرب، فنحن نعني: طال عمره وتأثر بمرور الوقت عليه، وبعد هذا الشرح الموجز والسريع أعود إلى «لا يصلح العطار ما أفسده الدهر» .. فهل يمكن لسنين العمر أن تعود؟
وبالنسبة للمثل:( لا يصلح العطار ما أفسده الدهر)، فله قصة، وهو شطر بيت ضمن أبيات قصيدة، قصة هذا المثل وردت في العقد الفريد لابن عبد ربه، وذكرها ابن المبرد في الكامل في اللغة والأدب، وذكرها الثعالبي في الإعجاز والإيجاز، أما صاحب هذه الأبيات فهو «أبوالعاج الكلبي» وقد كان له زوجة جميلة للغاية ومع مرور السنين عليها تغيرت ملامحها وذهب جمالها وكبرت، فكان زوجها أبو العاج لا يلتفت إليها ولا يعيرها اهتمامه كما كان يفعل وهي جميلة،
فذهبت إلى عطار قريب من منزلها، وشكت له حالها فطمأنها وقال لها: عندي دواء يعيد شبابك وحيويتك وجمالك، فصدقته المسكينة وعقدت الأمل على الدواء، وتصورت انها ستعود إلى سابق عهدها، فأخذ العطار يبتزها ويأخذ منها ما شاء من المال وهي على عميائها،
لاحظ زوجها أبوالعاج ذلك وعرف أن زوجته تذهب إلى العطار ليُعيد إليها جمالها، فوقف عليها يوماً وقال:
عجوز ترجى أن تكون صبية**وقد شاب منها الرأس واحدودب الظهر
تدس إلى العطار ميرة أهلها**وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر
أقول وقد شدّوا على رحالها**ألا حبذا الأرواح والبلد والقفر
ثم يقول:
تزوجتها قبل المحاق بليلة***فكان محاقاً كله ذلك الشهر
وما غرني إلا الخضاب بكفها***وحمرة خُديها وأثوابها الصفر
فوقفت غاضبة وقالت:
عدمت الشيوخ وأشباههم***وذلك من بعض أفعاله
ترى زوجة الشيخ مغبرة***وتمسي بصحبته باليه

فتقدم إليها ليضربها، فصاحت بالنساء فاجتمعن وضربن أبا العاج ضرباً مبرحاً.
من لا يتقدم يتقادم
هل يمكن لعجلة الزمن أن ترجع إلى الوراء؟
هل يعود للشيخ الفاني شبابه الذي ولّى؟
هل عندما كان الإنسان شاباً فتياً قوياً حسب لمرحلة عمره المتأخرة حسابها؟
الشباب مرحلة وتنتهي والجمال .. فالصحة ثوب مستعار لابد أن يُسلب منك رغماً عنك شئت أم أبيت،
إذاً هل يفسد العطار ما أصلحه الدهر؟
سؤال سهل وإجابته أسهل، نعم…
يفسد العطّار المدّعي و العطر المزيف ما أصلحه وبذله ولاة الأمر بالمال والجهد والوقت،
أترون هذه العمليات التجميلية التي يتسابق الرجال والنساء على إجرائها؟ ما هي إلا طمس وإفساد لخلق الله ثم قد لايعود الإنسان بعد العطب والتزييف إلى ما كان عليه سابقاً… إن لم يكن بصورة أسوأ،
فياليت يعود الطبيب الحكيم … المهندس الصحيح … المعلم الفصيح … المستشار الحصيف،

هذه قصة زوجة الكلبي والعطار والله أعلم بالصواب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق