الأربعاء, 19 شعبان 1440 هجريا, الموافق 24 أبريل 2019 ميلاديا

جمال الفتن

جمال الفتن
د. جمال يوسف الهميلي

“الفتن” كلمةٌ تتردَّد كثيرًا في حياتنا، وهي تُعطي رسالةً سلبيةً غالبًا للنفس المُسلِمة.

ويبقى سؤالٌ مهم: هل للمحن والفتن وجهٌ جميل؟

لقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: ((والشرُّ ليس إليك))، فلا يوجد شرٌّ محض، ففي كل حَدَث أوجهٌ مُتعدِّدة، والمُوفَّق مَن يُدرِك جميع الوجوه ويتعبَّد لله تعالى فيها، بل إن القرآن الكريم حين يصف حادثةَ الإفك يقول: ﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [النور: 11].

ومِن هنا كان لزامًا علينا أن نتعرَّف على “جمال الفتن”؛ فهي ليست شرًّا محضًا، وفيها مِن ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [النور: 11] الشيءُ الكثير، وبلا شكٍّ لن نستطيع إحصاء جميع أوجه “جمال الفتن” كلها، ولكني سأكتفي بذكر عشرة أوجه منها:

1- مؤشر: فالفتن إحدى مؤشرات الإيمان، حتى قال بعض السلف: “مَن لا يُبتلَى شككنا في إيمانه”؛ استنادًا على قوله تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ [العنكبوت: 1 – 2].

2- اتجاه بَوصلتك: وهذه لا تظهر إلا في حال الفتن، أين تتوجَّه بوصلتك؟ اقرَأْ معي: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج: 11].

3- كشف الحقائق وإظهارها أمام الناس: خاصة حين يكونُ هناك التباسٌ وضبابية في الواقع، فيحتار العباد بين الحقيقة والواقع، بين الحق والباطل، بين الصواب والخطأ.

4- رفع درجات الصابرين والعاملين والمخلصين: وقد يصل الأمرُ إلى استشهاد الأخيار، وما أجملَ التعبيرَ القرآنيَّ عن ذلك حين يقول: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ [آل عمران: 140]، إنه الاتخاذ الربانيُّ.

5- إزالة القناع: فهناك العديد مِن البشر لديهم القدرةُ على لُبْس أقنعة تُظهِرهُم بغير حقيقتهم، فتأتي الفتن لتُزيل تلك الأقنعة من خلال كلمات وسلوكيات وتوجهات، ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ [محمد: 30].

6- الإنابة والرجوع إلى الخالق سبحانه: فحين يبتعِدُ الناس عن ربِّهم يبتليهم بالفتن؛ ليرجعوا إلى ربِّهم، ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41].

7- إبراز قيادات وقدوات جديدة: حين تكون الفتنُ شديدةً، والمحن عديدة؛ فقد يموتُ الموجود أو يُمنع أو يمتنع، أو غير ذلك، ولَمَّا كانت هذه الأُمَّة ولودًا، والخير فيها موجودًا، يَبرُز الجُدُد، ويَظهَر المَدَد، وكأنَّ ما مضى طريقةٌ لتربيتِهم، وقد حان أوان قيادتهم.

8- وضوح البيِّنة في كلا الفُسطاطين: فسطاط أهل الإيمان، وفسطاط أهل النفاق والعصيان؛ فيحيا الفريقُ الأول، ويَهلِك الفريق الثاني، كما قال تعالى: ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ [الأنفال: 42]، وهذه البيِّنة إنما تكون للناس، وإلا فهي لله تعالى واضحةٌ مكشوفة.

9- مراجعة النفس: فمِن رحمة الله بعباده أن يُظهِر لهم نقاطَ ضعفهم، ويكشفها لهم؛ ليراجعوا ويتأملوا، فلا يغتروا ولا يتقاعسوا، ولا يضعوا كلَّ اللوم على أعدائهم، فعن غزوةِ أُحُدٍ يقول الله تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 165].

10- اكتشاف الأصدقاء من الأعداء على المستوى الفرديِّ والمجتمعي: فحين الرخاء الكلُّ يَدَّعِي الصداقة والأُخوَّة، ولا يثبُتُ عن الشدائد إلا الصادقون، ورحِم الله الإمام الشافعيَّ، فقد قال:

جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيرٍ
وإن كانت تُغَصِّصُنِي بِرِيقِي
وما شُكرِي لها حمدًا ولكنْ
عَرَفتُ بها عَدُوِّي مِن صديقي

نعم، نحن لا نستشرف الفتن، ولا نسعى إليها، ولا نتمنَّاها، لكنها قدرنا وحالنا وواقعنا، فالعاقل هو الذي يتقبَّلها ويستثمرها، ومِن لوازم الاستثمار الأمثلِ لها التأمُّلُ في “جمالها”، والسعي في الثبات حينَها.

اللهم اعصِمْنا من الفتن، ما ظهَر منها وما بطن.

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

علقّ على هذا المحتوى ..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.