مقالات

عبق الحنين

والحنين هو: غيمة تجمَّعَتْ من بحار الشوق، فاجتمعتْ بخيالٍ رَحْبٍ، حتى إذا هاجَتْ عليها رياحُ الحُبِّ والألم، بدأت تبرق وترعد، فينهلُّ مطرُ الحنين بحسب موقعه، إنه فعلًا مطَرٌ هتَّانٌ، تلعب بغيومه رياحُ الشوق.

وأشدُّ الحيوانات حنينًا هي الناقة، ولو قلبت ديوان العرب الجاهلي لوجدتَهم يُكثِرون من وَصْف الناقة بذلك، فهذا قول سالمة الكلبية:

لقد هاجَ لي شوقي وغالى صبابةً *** حنينُ قلوصيْ حين حنَّت بذي الأثلِ

وهذا قول جرير:

لقد شفَّني بَيْنُ الخليطِ بساجرٍ *** ومَحْبسُ أجمالٍ لهُنَّ حنينُ

والأمثلة كثيرة، وخيرُها وأجملُها تلك الأبيات التي تشد حنينك وتطير بفؤادك، وتأخُذ بشوقك الزكي؛ حيث الحياة المحمدية، حيث العبق النبوي الذي فاحت به الروضةُ النبوية والسيرة العطرة في أجمل البيوت وأزكاها، فلنذهب سويًّا في رحلة الحنين الجميل الأنيق.

فَفِي القلبِ أشواقٌ وفِي القلبِ لوعةٌ
وفِي العينِ مِنْ كحلِ الحنينِ سجالُ
إِلى ذكرياتٍ كُلَّمَا شَعَّ نُورُها
تَهلَّلَ مِنْ صَفْوِ الودادِ خيالُ
إلى ذلك البيتِ الخديجيِّ جنةً
يفوحُ بحبٍّ مَا احتواهُ دلالُ

هزة الحنين

صلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الظهر في مسجده، ولما انصرف من صلاته توجَّه لمن صلَّوا معه، وأخبرهم أن عيرًا لقريش ستمرُّ قريبًا، وأنه سيخرج لها لعلَّ الله أن يمنَّ عليهم بما فيها من الغنائم، ولم يخرج معه إلَّا مَنْ كان حاضر الظهر بأمر منه، وخرج صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين، وكتب الله أمورًا لم تكن في توقُّعاتهم، وَقَدَّر أن تسل السيوف، ويلتقي المؤمنون بالمشركين في معركة كانت أسبابُ النصر ودواعيه المادية غيرَ متأتية أبدًا، حتى المكان لم يكن مناسبًا لولا أن الله أنزل عليهم المطر؛ كما قال سبحانه: ﴿ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: 11].

ومع هذا كله كتب الله النصر، وأنزله ورفَع كلمة الحق، وقطع دابر الكفر وأهله، وأسَرَ المسلمون في تلك المعركة كثيرًا من الكفَّار، وفيهم زوج زينب رضي الله عنها أبو العاص بن الربيع، وكان رجلًا تغشاه المروءةُ من كل جهة، وتكسوه النخوةُ والأمانة بأحلى حلة، ولما وقع أسيرًا بيد المسلمين في غزوة بدر، بعثت زينب رضي الله عنها برسول يحمل فِديةَ زوجها، وفيها قلادة كانت قد أهدتها لها أُمُّها خديجة رضي الله عنها يوم زفافها إليه، فلما وقعت بيدي رسول الله وتأمَّلتها عيناه التي طالما فاضَتْ قرارًا بحُبِّ أُمِّها، وذرفت حنينًا لذكرى جميل أيامها، فبعد أن رأت عينه تلك القلادة غشته غيمةُ الحزن، وتأثر تأثُّرًا بليغًا، ورقَّ رقَّةً شديدة، ونقلته تلك القلادة إلى ذكريات ذلك البيت الجميل المخضر بربيع الحب، المنور بقمر التقدير والمودة، المعطر بعبق الحنان والرحمة، لقد نقلته تلك القلادة للحظات لن ينساها.

وكيف ينسى عينًا سهِرت لراحته، وذرفت لأذاه، وتكحَّلت بسناه؟! كيف ينسى يدًا تفطرت لسد جوعه؟! واخشوشنت لطلب ريِّه؟! ومسحت عليه بطرف الحنان وهو يدعو: ((زمِّلُوني زمِّلُوني))، وبذلَت وأنفقت جودًا وحبًّا لينعمَ بالراحة حتى يُبَلِّغ رسالة ربِّه؟! كيف ينسى قدمًا كانت تتتبَّع بزاده زوايا تحنُّثه وظلال دعوته فوق رمضاء مكة؟!

كيف ينساها وهو تاج الوفاء، ونجم السخاء، وشمس النبل والصفاء؟!

نعم، لقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم تلك القلادة، وذهب بخياله الرحب الوفي، وعاد بدمعه السخي لأصحابه قائلًا لهم: ((إن زينب بعثت بهذا المال، فإن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردُّوا لها مالها، فافعَلوا))، فقالوا دون تردُّد: نعم، ونعمة عين يا رسول الله.

عندئذٍ اشترط الرسول صلى الله عليه وسلم على أبي العاص أن يبعث إليه بزينب دون تأخير، ولما رجع أبو العاص إلى مكة وَفَّى بعهده، وأرسل زوجتَه إلى أبيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق