الجمعة, 21 شعبان 1440 هجريا, الموافق 26 أبريل 2019 ميلاديا

العم مصلح بن فرحان الابياتي الفيفي (رحمه الله)

العم مصلح بن فرحان الابياتي الفيفي  (رحمه الله)
أ . عبدالله بن علي قاسم الفيفي

وانا لفراقكم يا عم (مصلح) لمحزونون، ولكن لا نقول الا ما يرضي الله عنا، فإنا لله وإنا اليه راجعون، ولا حول ولا قوة الا بالله, لقد رحلت عن دنيانا الفانية، في بغتة وبصورة مفاجأة، زادت من الم الفراق، فالقلب يحزن، والعين تدمع، ولولا الايمان الواثق بانك انما رحلت إلى رب كريم، وإلى حياة باقية ابدية، لكن الاحساس بالفقد والمه اشد وافظع، ومع ذلك فقد ابقى فراقك في القلب غصة وحسرة وحزنا، وهو امر طبيعي وفطري ، نسال الله ان يجبر مصابنا ويعصمنا بالصبر والسلوان.

 ففقدك وفقد امثالك لا ينجبر بسهولة، لقد فقدنا برحيلك عن دنيانا انسانا تكاملت فيه صفات الانسانية، وتمثلت فيه بكل صورها وصفاتها وكامل معانيها، وجدها كل من عرفك في اخلاقك وفي تعاملك وبذّلك وسمتك وفي معظم صفاتك، فقد عشت وتعايشت مع الناس بجميع اطيافهم، كبيرهم وصغيرهم، قريبهم وبعيدهم، في تعامل واحد لا يتغير ولا يتبدل، لأنه جوهر معدنك، وحقيقة اخلاقك، جبلت وتربيت عليه، حتى غدى نسيجا اصيلا في حياتك، وصفات اصيلة لا تنفك عنك، لم تكن منك تصنعا أو مجاملة عابرة، لذلك بادلك الاوفياء بنفس التعامل والاسلوب، فأحبوك بقدر ما وجدوه فيك، فلكل فعل ردة فعل مماثلة، فصادق الود، وجميل الاخلاق، والتسامح والتواضع، تولد لدى الاخرين انطباعا جميلا وتعاملا حسنا، وهي للمسلم عاجل بشرى يتنعم بها في دنياه، مع ما يختزنه له الله في الاخرة من الاجر والثواب العظيم، والناس شهود الله في الارض، ولن يجمعوا في الغالب إلا على حق، قال صلى الله عليه وسلم ( إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ . فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ . فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ)، فما رأيناه من الحضور الكثيف عند تشييعه، وحضورهم بالمئات في التعزية، وما كان يظهر على محياهم من التأثر والحزن، والثناء الحسن من كل من تحدث عنه، كلها دلائل واضحة على ما صنعه في وجدانهم على مدى حياته.

 اشتهر بحب الناس، وبالتواضع والتبسط مع الجميع، فلم يعرف في طبعه التعالي والكبر قط، يضاحك الناس ويمازحهم ويتحبب اليهم، لا يحقد ولا يكره ولا يغل ولا يحسد، يعين المحتاج ويقف مع الضعيف، أستأسر القلوب بطيبة قلبه وحسن اخلاقه، يسأل عن اخبارهم، ويتفاقد احوالهم، ويزور مريضهم، ويواسي مصابهم، يعين ذا الحاجة، وينصر المظلوم، ويسعى دوما لجبر كل كسير، ويمد يده إلى كل محتاج وفقير، ولا يعتبر ذلك منه تفضلا ولا منة، بل يراه اقل واجب محتم يقدمه، ويعتبرها نعمة ساقها الله إليه.

 عرفته وعاشرته وخالطته منذ وفقني الله لمصاهرته، قبل اكثر من اربع واربعين سنة، لم يتغير ولم يتبدل إلا إلى الافضل، زادته السنين حكمة وحنكة وثباتا، معدن اصيل كالذهب الابريز الخالص، لا يصدأ ولا يتغير ولا يتبدل ولا يتلون، بل يزداد مع الايام وشدتها جمالا وقوة وحنكة ولمعانا، قوي الايمان ثابت العزيمة، صلب الارادة ثاقب الفكر، يبذل دون حدود سواء من جيبه أو من قلبه، كريم ودود صديق صدوق، لا يماري ولا يجامل ولا يخادع، تجد على لسانه ما يضمره قلبه، دون كذب ولا نفاق ولا تزييف، يصدح بما يومن به، في اسلوب راق مؤدب شجاع، يكتفي بالتلميح إن نفع، وإلا صرح به وصدع، لذلك احبه العقلاء من قومه، ووثقوا بصدقه وعدله، وما لوا الى حصافته وسداده، وثاقب فكره ورأيه.

عايشته ورافقته طوال هذه السنين، سواء في بيته أو في مسجده، وفي نزهاته واسفاره، اطلعت على خبايا نفسه، وتعرفت على مكنون امره، ومكتوم سره، وخبرته في حله وترحاله، وفي رحلاته وتنقلاته، وفي رضاه وفي ما يكدر خاطره، كان يبوح لي بأدق مشاعره، واجد بدوري فيه مخزن اسراري، ومجلي احزاني، فلم اعرف عنه إلا كل خير وكل صدق، قاعدة صلبة وقوية من الايمان والثبات، ورجاحة العقل وصادق العبارة، والخلق الرفيع والنزاهة والحكمة، ثابت الفكر والنبرة والمشاعر، جبل لا تهزه ريح، قوي شجاع لا يتغير ولا يتلون، صالح مصلح، له من اسمه كامل المعنى، كان ملجئ لكل ذي حاجة، ولكل مهضوم أو مظلوم، حيث يجدون فيه الحضن الدافئ، والحصن الواقي، وفي تفاعله واهتمامه، وفي تعابير وجهه، وفي منطوقه وفي عمله الايجابي، والمبادرة الفورية منه دون تردد، مسارع إلى المواساة والتخفيف عنهم، وسعيه جاهدا إلى نصرة المظلوم، وانصافه والوقوف إلى جانبه، حتى يبلغ الواحد منهم مراده وينال حقوقه .

 فمثله والله جدير بان يفقد، لقد فقده اهله، وفقدته جماعته ومجتمعه، واما أنا فلا تسأل عن مدى فقدي له، وعظم مصيبتي فيه، فهو فقد لا يجبره ولا يعوضه شيء، بل يزداد بمرور الوقت قوة وفداحة وثقلا، فقدت برحيله ابا رفيقا، واخا شفيقا، ومستشارا صادقا امينا، ومعلما ناصحا رزينا، فقدت به طمأنينة قلبي، وجمال توازني، ولولا الايمان بقضاء الله وقدره، وانه استكمل اجله المحتوم، (لكل أمة أجل فاذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، فهو مقبل على رب رحيم لن يخيب امله ومسعاه، كان من السائرين بكل ثقة على طريق الايمان والصلاح، والتقوى والاصلاح، موحد لله صائم ومصل وصادق متصدق، عاش كما خبرته على الهدى والتقى والعفاف، هكذا احسبه والله حسيبه ولا أزكي على الله احدا.

 رحمه الله وغفر له، وتجاوز عنا وعنه، وعصمنا من بعده، وثبتنا على الايمان، وعلى ما يحبه سبحانه ويرضاه، وجمعنا به ووالدينا وازواجنا وذرياتنا واخواننا واخواتنا ومن نحب في الفردوس الاعلى من الجنة .

 واما الاخ خالد فكان سر ابيه، ادبا وخلقا وتواضعا، بارا بوالديه مرض لهما، شفيق على اخوانه واخواته وعماته واقربائه، يتميز بالهدوء والطمأنينة والركادة، كتوم صابر محتسب، ذو عزيمة واصرار وصبر، كم تعثر في تكوينه الدراسي، ولكنه واصل واجتهد واصر إلى أن نال البكالوريوس في التقنية، وكان في السنوات الاخيرة عضيد والده في الاشراف على مصالحة الخاصة، وفي متابعة بعض عقاراته، وكم كان عنه راض وبه سعيدا، رحمهما الله وغفر لهما.

 استكمل اجله، واستوفى ساعات عمره، رحمه الله وغفر له، وعوض اهله وامه فيه خيرا، وعصمهم بالصبر والسلوان، اللهم ارحمهما واغفر لهما، واجمعنا بهما في ظل عرشك وفي الفردوس الاعلى من جنتك، وانا لله وانا اليه راجعون.

نفثات لم استطع كتمها، وارجو أن تكون صادقة ومعبرة، فالموقف اشد من ان اجمع فكري، واجلي كل ما اعرفه عنه، فلعلها تكون سببا لدعوة محب، بالعفو والمغفرة، وتجاوز الله عنه، فهو اليوم اشد حاجة لها من أي وقت مضى، وقد افضى إلى خالقه ومولاه.

اللهم ارحمهما، واغفر لهما، وتجاوز عنهما، ووسع مدخلهما، ونقهما من الخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس، واغسلهما منها بالماء والثلج والبرد، اللهم ابدلهما اهلا غير من اهلهما، ودارا خيرا من دارهما، اللهم جازهما بالحسنات احسانا، وبالسيئات عفوا وغفرانا ، اللهم ولا تفتنا بعدهما، واغفر لنا ولهما، واجبر قصورنا وتقصيرنا، وارحم ضعفنا، وقوي عزائمنا، واعصمنا بالصبر والسلوان.

 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وانا لله وانا اليه راجعون.

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرياض في 16/3/1440هـ 

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    يحيى الفيفي

    لَا شَيْءُ أَصْعَبُ مِنْ فُقْدَانِ عَزِيزِ لَنَا، وَلَا يُوجَدُ كَلَمَّاتٍ تُعَبِّرُ عَمَّا فِي دَاخَلَتَا وَلَا يَسَعُنَا سِوَى أَْنْ نَرْضَى بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ فَالْمَوْتِ عَلَيْنَا حَقٌّ لَا مَفَرٌّ مِنْهُ وَمَا ذِكْرِهِ ابو جَمَالٌ وَمَا ذِكْرِهِ الْكِتَابُ مِنْ قَبْلَ عَنِ المتوفي رَحِمَهُ اللهُ انما يُدْلِ عَلَى حَبَّ النَّاسُ لَهُ وَالْعَمَّ مُصَلِّحُ فرحان عرفته مِنْ صِغَرِيِّ كَثِيرِ ماجلست مَعَهُ وَفِي بَيْتِهِ كُنْتُ زَميلَ لِوَلَدِه ِيُحَيِّ مُصَلِّحٌ وَكُنْتُ اِجْلِسْ مَعَهُمْ بِالْأَسَابِيعِ كَرِيمٍ لَمْ يَتَضَايَقْ مَنَّا بَلْ كَانَا يُمَازِحُنَا لِكَيْ نَأْخُذَ حُرِّيَّتَنَا رَغْمَ مانحدثه مِنْ فَوْضَى عارمه دَاخِلِ الْبَيْتِ مَرْحَبَا ومسهلٍا كَانَتِ الْاِبْتِسَامَةُ لاتفارق مَحَيَاهُ عُرْفَتُهُ فِي الْكِبَرِ لِقَائِيَّ مَعَهُ يَوْمِيِّ طِيلَةِ عَمَلِيِّ فِي ثَانَوِيَّةُ فَيْفَاءِ يُعَرِّفُ الامور وَيُعَرِّفُ النَّاسَ مُسْتَحِيلَ انَّ تُجَالِسُهُ وَلَمْ تَطَّلِعْ بِفَائِدَةٍ مِنْهُ هُوَ مُدَرِّسُهُ بَلْ جَامَعَهُ لَمَّا لَدَيْهُ مِنْ خَبَرِهِ بِالْحَيَاةِ وَرَأْي صَائِبِ وَعَقْلِ رَاجِحِ وَتَوَاضُعِ جَمِّ نَقْدِهِ صَائِبٌ بَلْ تَوْجِيهٌ وَإِرْشَادُ لايخشى فِي اللهِ لَوْمَةٍ لَائِمٍ كلمة الحق يَشْدُو بِهَا مَهْمَا صَارَ مَصَائِبُ الْمَنَايَا كَثِيرَةَ مِنْ شِدَّةِ الْفَاجِعَةِ لم اقدر انَّ اُعْزِي اولاده الابعد ايام مِنْ وَفَاتِهِ لَانِيٌّ لَمِ اقوى عَلَى ذَلِكَ وَلَمِ اِصْلِ لَهُمِ الابعد اسبوع وانا اُعْرُفِ انَّ التَّسَخُّطَ وَعَدَمَ الرِّضَى بِأَقْدَارِ اللهِ وَالْكَلَاَمِ الَّذِي فِيهِ اِعْتِرَاضٌ هُوَ مانهي عَنْهُ وَلَيْسَ الحزن والدموع..
    قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ( إِنَّ الْعَيْنَ لِتَدْمَعُ وَالْقَلْبَ لِيَحْزُنُ وَلَا نُقُولٌ إِلَّا مايرضي رَبَّنَا وإِنَا بِفِرَاقِكَ يَا إبراهيم لمحزونون فَمُصَلِّحٌ لَهُ مَنِ اِسْمِهِ نَصِيبٌ فَهُوَ رَجُلُ مُصَلِّحُ حَسَبَتِهِ وَاللهِ حَسِيبِهِ وَلَيْسَ مَعْي آلَا انَّ أَقُولُ عَظْمَ اللهِ اجرهم وَجَبْرَ مُصَابِهِمْ وَغَفَرِ لَمِّيَّتِهِمِ اللَّهُ َّارحمة وَوُسْعَ نُزُلِهِ وَأكْرَمِ مَدْخَلَةٍ وَأَجْمَعَنَا بِهِ فِي مُسْتَقِرُّ رَحْمَتِهِ..
    اللَّهُمُّ أَرَحَّمْنَا أَذَا صِرِّنَا الى مَا صَارَ الِيُّهُ لِأُحَوِّلُ وَلَاقُوهُ آلَا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ اما الْاِبْنَ خَالِدٌ فَهُوَ اُحْدُ طُلَاَّبِيَّ فِي الْمُتَوَسِّطِ وَالثَّانَوِيِّ حَسَبَتَهُ وَاللهَ حَسِيبِهِ جَمْعَ صِفَاتٍ الادب وَحُسْنَ الْخُلُقِ رَحِمَهُمِ اللهَ جَمِيعًا واحسن الله عزائكم جميعا

علقّ على هذا المحتوى ..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: