عبور البرزخ | صحيفة فيفاء
الأحد, 9 ربيع الآخر 1440 هجريا, الموافق 16 ديسمبر 2018 ميلاديا

عبور البرزخ

عبور البرزخ
أ.محمد بن سالم بن سليمان الفيفي
محمد بن سالم الفيفي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:
فلنتأمل لحظة الموت، ولحظة عبور البرزخ إلى حياة ما بعد الموت، إلى ذلك العالَم المجهول، أو إلى حياة ما يمكن أن نسميه حياة ما وراء البرزخ .. إن هذ البرزخ الذي ينتظر كل إنسان على ظهر هذا الكوكب لتدور حوله أسئلة كثيرة:
ما الذي يحدث عبر هذا البرزخ؟
ماذا يوجد وراءه من عوالم؟
ما غمرات الموت التي تسبق مرحلة البرزخ؟
ما الأحداث والحوارات التي تحدث في منطقة غمرات الموت والبرزخ، وما وراء البرزخ؟
إذا تأملنا بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن لحظة الوفاة، ولحظة الموت التي تحضر الإنسان في أخر أيامه، ماذا يحدث هناك؟
ما الأحداث التي تنتظر كل إنسان بعد الموت؟
في البداية لنعلم أنه لا يوجد شيء اسمه حياة البرزخ؛ إنما “حياة ما وراء البرزخ” أو “حياة ما بعد البرزخ” أو “حياة ما بعد الموت”.
لماذا حياة ما بعد البرزخ؟
يقول الله سبحانه وتعالى: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) {المؤمنون:100} أي أن البرزخ سيصبح وراءك بعد موتك (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ) من خلفهم برزخ إلى يوم يبعثون؛ أي أن الإنسان بعد موته يعبر هذا البرزخ، ويصبح في حياة ما وراء البرزخ .. فيصبح البرزخ وراءه، ولا توجد حياة داخل البرزخ؛ لأن الله يقول: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ) فيكون ذلك البرزخ وراء الإنسان بعد موته.
لقد حير هذا الموضوع معظم الباحثين وتكرر هذا السؤل كثيراً: ما البرزخ؟
إن خير ما يفسر القرآن هو القرآن نفسه؛ فلو تأملنا كلمة “برزخ” في القرآن الكريم لوجدناها قد تكررت ثلاث مرات فقط:
المرة الأولى: في قضية موت الكافر قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) {المؤمنون:99-100}؛ فهذه الآية الأولى تتحدث عن برزخ الموت.
المرة الثانية: قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا) {الفرقان:53}؛ فهذه الآية تتحدث عن البرزخ إي المنطقة الفاصلة بين الماء العذب والماء المالح.
المرة الثالثة: قال تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ) {الرحمن:19-20} فهذه الآية تتحدث عن البحار.
فهذا حديث عن برزخ حاجز بين بحرين أحدهما عذب الماء، والأخر ملح أجاج، وفي بعض الأحيان قد يوجد البرزخ بين البحار المالحة؛ فنجد أن الحياة في هذا البحر تختلف عن الحياة في البحر الأخر من حيث اختلاف درجة الحرارة والملوحة والكثافة والتنوع البيئي.
ونعود لنفس السؤال: ما البرزخ؟
نقول هو الحد الفاصل بين بيئتين مختلفتين، وبين حياتين مختلفتين؛ فالأسماك والكائنات الأخرى التي تعيش في الماء العذب تختلف عن تلك الأسماك والكائنات التي تعيش في الماء المالح.
إذاً فالبرزخ دائماً ما يفصل بين بيئتين متناقضتين، أو مختلفتين وفيهما حياة؛ فعندما يصب النهر العذب في البحر المالح يتشكل بينهما برزخ، وهو خط فاصل وهمي لا نراها نحن، وهذا الخط الفاصل أو الجدار الفاصل الذي تشكل وكون حاجز بين محيطين مختلفين من المياه يمكن أن نسميه بالبرزخ كما ورد في القرآن.
وإذا تأملنا نجد أن الماء العذب هنا، والمالح مقابل له .. فهنا أسماك تعيش في الماء العذب ولا تستطيع لعيش في الماء المالح، وهنا أسماك تعيش في الماء المالح ولا تستطيع لعيش في الماء العذب، وهي في نفس الوقت لا تستطيع تجاوز هذا الحاجز؛ لأنه ليس عالمها الذي يجب أن تعيش فيه .. إذاً نستطيع من خلال هذه الآية أن نقول: بأن البرزخ حد بين شيئين .. أي حد فاصل، أو جدار فاصل يفصل بين حياتين مختلفتين تماماً.
ففي حالة برزخ الموت (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) يمكننا القول: إن هذا البرزخ هو حد فاصل يفصل بين الحياة الدنيا، وحيات ما بعد الموت.
فإذا كان لدينا حياة في الدنيا فيجب أن يكون لدينا حياة بعد الموت أيضاً، والبرزخ يفصل بينهما، ولكن هذه الحياة تختلف تماماً عن تلك الحياة. فكيف يكون ذلك؟
نعود لنتأمل آيات القرآن الكريم فنجدها تخبرنا بأن الإنسانَ سوف يعيش حياة بعد الموت؛ فلا يوجد شيء نسميه “حياة برزخية” دون حدوث أي حدث في تلك الحياة، وليس الموت حدث يحدث ثم يصبح بعده الإنسان في غيبوبة حتى يُبعث يوم القيامة.
بل أن هناك حياة؛ وربما قد تكون حافلة بالأحداث أكثر من الحياة الدنيا التي نعيشها الآن.
إذاً ما الدليل على ذلك؟
يقول الله – سبحانه وتعالى -: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ) {البقرة:154}، إذاً هذه آية صريحة في كتاب الله تؤكد أن الذي يموت في سبيل الله لهو حي يرزق عند ربه. يعيش حياة حقيقية وليس حياة وهمية، وهذا ما أكده نص قرآني أخر قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) {آل عمران:169} وكلمة يرزقون هنا هي بمعناها الحقيقي؛ فلو تتبعنا كلمة الرزق في القرآن الكريم نجدها تكررت (123) مرة بمشتقاتها.
فالرزق عادة ما يأتي مع الأشياء المادية الملموسة؛ فانظر مثلاً قوله تعالى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) {البقرة:57} فهذا رزق مادي ملموس، وقوله تعالى: (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) {يس:46} أي مما في أيديكم من الرزق الملموس، وقوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا) {غافر:13} أي المطر وهي رزق ملموس؛ إذاً فالرزق في القرآن الكريم يأتي مع الأشياء المادية الملموسة مثل: الثمار، والأمطار، والمال .. إلخ.
فهنا عندما يقول الله – سبحانه وتعالى -: (بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) فما معنى يرزقون هنا؟ أي أن هناك رزقاً مادياً ملموساً، ولكن نحن لا نشعر به، ولا نعرفه، ولا نستطيع الاطلاع عليه.
ماذا هناك أيضاً؟
ما خصائص تلك الحياة؟
قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) {آل عمران:169-170}.
فدلت الآية على أن هناك حياة، وهناك رزقاً، وهناك فرحاً، وهناك استبشاراً، فاشتملت الآية على النعيم المادي، والنعيم النفسي؛ فمن خلال الفرح والاستبشار أتى النعيم النفسي، ومن خلال الرزق أتى النعيم المادي .. إذاً هذا لمن يموت في سبيل الله.
لكن ماذا عن حال المؤمن الذي لم يمُت في سبيل الله؟
وماذا عن حال الكافر؟
وماذا عن حال المنافق؟
لنتأمل ما يسمى بالبرزخ؛ هناك منطقة ما بين الموت والحياة تسمى البرزخ، وهنا نحن نتعامل مع الزمن وليس مع المكان، هذه المنطقة الزمنية تسبقها منطقة زمنية أخرى تسمى غمرات الموت، وفي هذه المنطقة تبدأ لحظة الموت ومفارقة الدنيا، لكن قبل أن يموت الإنسان وتخرج روحه هناك حوار يجري من التهديد والوعيد، وأحداث كثيرة من التعنيف والزجر .. إلخ، ثم بعد تلك الأحداث يعبر الإنسان بنفسه وروحه منطقة البرزخ “الحاجز بين الحياة والموت” تاركاً ذلك الجسد البالي الذي عاش به خلفه في الحياة الدنيا .. أي يبقى المركوب ويترجل الراكب ويعبر تلك المنطقة الزمنية الفاصلة.
هذه المنطقة بالنسبة للإنسان الذي كفر بالله، وألحد، واستكبر، وتجبر، وتبع حزب الشيطان، وفعل الذنوب والمعاصي، وتحدى الخالق – سبحانه وتعالى.
هل يرسل الله لهذا المعاند المكابر ملائكة رحمة أم ملائكة عذاب؟
في تلك المنطقة الزمنية التي يلتقي فيها الإنسان مع الملائكة ويتحاور معهم ويجادلهم. ماذا سيكون حاله معهم؟
هل هؤلاء الملائكة التي ستتوفى هذا الكافر ستكون رحيمة به؟
هل ستكون الوفاة مريحة لا يشعر بها، أم أن هناك ألماً وعذاباً وضرباً وذلاً وهواناً؟ قال تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) {الأنفال:50}.
ولكي نعرف الإجابة على هذه الأسئلة؛ لنتأمل في القرآن؛ يقول الله – سبحانه وتعالى – في تعبير عجيب يصور لك الحدث؛ فلو أعطان الله القدرة على رؤية تلك الأحداث، لكنا رأينا ذلك المشهد المهيب الذي يقول الله فيه: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ) {الأنعام:93}.
إن هذا الكافر المعاند في هذه اللحظة التي تحدث فيها الله – سبحانه وتعالى – عن حاله حينما يعبر منطقة غمرات الموت تلك المنطقة العاصفة التي تعصف به إلى حد لا يمكن أن نتصوره لولا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: “لا إِلَهَ إِلا اللهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ” رواه الطبراني.
والغمرة تعني الستر أو الغطاء. نقول: غمرته المياه غطَّته المياه؛ إذاً هناك ما يشبه الغطاء يحيط بهذا الميت فهو يغلفه ويغمره لكننا لا نراها بأعيننا، ولا نستطيع أن نخترق تلك الحجب وتلك الأغطية لرؤية ما يحدث للميت مع الملائكة في تلك اللحظات، ولكن القرآن يحدثنا عن ذلك بالتفصيل.
يقول الله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ) الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين جميعاً يعني: أيها النبي لو أن الله أعطاك القدرة على أن ترى بعينك ما يحدث لهذا الكافر لحظة موته فسوف ترى المشهد الآتي:
قال تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) {الأنعام:93} والبسط هنا ليس مجرد أن تمد الملائكة أيديها إلى الميت طالبة من الروح الخروج للصعود بها فقط، بل أنها باسطة أيديها بالعذاب والنكال لهذا الكافر، والدليل على ذلك ما جاء في قصة قابيل وهابيل عندما هدد قابيل أخاه هابيل بالقتل قال تعالى: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) {المائدة:28} هنا يصور لنا القرآن بدقة مذهلة ما يحدث لهذا الظالم قال تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) وهذا تهديد من قبل الملائكة – لهذا الظالم – تقول لهؤلاء الظلمة: (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) وكأن الآية هنا تقول: هيا أيها الملحد الظالم المعاند الجاحد لربك إذا كان لديك القوة والغلبة والمنعة فأخرج نفسك من هذا العذاب.
يقول القرطبي – رحمه الله -: “أخرجوها كرهاً، لأن روح المؤمن تنشط للخروج للقاء ربه، وروح الكافر تنتزع انتزاعاً شديداً”.
فنفس المؤمن تنشط للخروج للقاء ربها لما يرى من نعيم الله ورضوانه، ونعيم الجنة، بينما نفس الكافر تأبى الخروج لما ترى من العذاب، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) {المؤمنون:99}
فالكافر يحاول أن يرجع إلى الدنيا لما يرى أمامه من العذاب الأليم، فهنا نرى أن الملائكة تهددهم، وتقول لهم: (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) فنفس الكافر تأبى الخروج والسبب: لأنها ترى الأهوال والعذاب أمامها، وترى شدة الهوان والذل، وبالتالي فإن هذا الظالم يحاول أن يرجع إلى الدنيا؛ فتأبى نفسه الخروج إلى ذلك العالم المهول “عالم ما بعد الموت” ولكن هذه الأنفس تُزهَق وتُخرَج، وهي كارهة.
لذلك نجد أن المؤمن يحب لقاء الله؛ بينما الكافر يكره لقاء الله، قال تعالى: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) {العنكبوت:5}.
هذه الآية موجهة للمؤمنين، وليس للكفار، ولا للملحدين؛ لأن الملحد عندما يرى حقيقة العذاب أمامه، ويرى هذا المصير الأسود المظلم الذي ينتظره؛ فإنه يحاول أن يعود إلى الدنيا ويهرب من هذه اللحظة، ولكن الملائكة تقول لهم: (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) فاليوم هنا في الآية ليس يوم القيامة، وإنما هو اليوم .. لحظة الموت؛ يوم موتك أيها الظالم.
فاليوم أيها الظالمون تجزون عذاب الهون، وعذاب الذل، والهوان: يعني الإهانة أي عذاب مع مهانة وذل، وذلك بما كنتم تقولون: على الله غير الحق، وكنتم عن آياته تستكبرون؛ وهنا نقول: إن مرحلة البرزخ تنتظر كل واحد منا ليعبر من خلالها بروحه ونفسه، وليس بجسده فالجسد يتركه خلفه في الحياة الدنيا؛ فليس له أي قيمة في ذلك العالم الجديد بل يتحول إلى تراب، أما الروح والنفس فهي التي تعود إلى الله – عز وجل – وتكون في نعيم فتعيش في أعلى عليين، وإما أن تكون في عذاب وشقاء وذل وهوان فتعيش في سجين.
نسأل الله – سبحانه وتعالى – أن يقينا شر ذلك اليوم .. يوم نغادر هذه الحياة الدنيا إلى حياة ما بعد الموت، وأن يتوفانا مسلمين موحدين راضين مرضيين.

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

علقّ على هذا المحتوى ..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.