رحلة الى مصر (الحلقة (1) | صحيفة فيفاء
الأحد, 9 ربيع الآخر 1440 هجريا, الموافق 16 ديسمبر 2018 ميلاديا

رحلة الى مصر (الحلقة (1)

رحلة الى مصر (الحلقة (1)
محبكم /عبد الله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ ابوجمال

بعد مضي ثلاث وثلاثين سنة بالتمام والكمال، ها انا اعود إلى مصر من جديد، في رحلة استكشافية شاملة، فقد كانت رحلاتي السابقة إليها لغرض الدراسة عندما انتسبت في معهد الدراسات الاسلامية بالقاهرة، للحصول على الدبلوم العالي والمرحلة التمهيدية للماجستير، ولكني لم اكمال الدراسة حينها لظروف العمل الوظيفي، وكانت الزيارات قاصرة على مدينة القاهرة فقط، إلا في زيارات خاطفة لا تزيد على يوم واحد إلى كل من الاسكندرية والفيوم، ولكن هذه المرة وقد تقاعدت، وتحررت من الارتباط الوظيفي، وتوفرت الرفقة الطيبة المتوافقة في الطبائع والافكار والتوجهات ، عزمت وخططت مع هولاء الصحبة الطيبة على جولة سياحية في مصر، تشمل اكبر عدد من المناطق والمحافظات، وبعد التمحيص وجمع المعلومات الضرورية، انشأنا هذه الرحلة المباركة، وكانت رحلة جميلة وممتعة، شملت عدة مناطق مميزة، وعامرة بالمدن والقرى الكثيرة، وفيها عدد كبير من الاثار القديمة، والمناظر الجميلة، والاجواء الساحرة، وخضنا فيها تجارب جديدة، سواء في نوعية المواصلات أو في السكن، وكان وقتها وزمانها مناسبين ومتوافقين مع اعتدال الاجواء وجمال الطبيعة، حيث كانت في افضل اشهر السنة اعتدالا في مصر، فقد كانت في (شهر ابريل).
غادرنا مطار الملك خالد الدولي بالرياض، في تمام الساعة السابعة والنصف صباحا، من يوم الجمعة الموافق 27/7/1439هـ، حيث وصلنا مطار القاهرة الدولي، في حوالي الساعة العاشرة صباحا بتوقيت الرياض، الساعة التاسعة بتوقيت مدينة القاهرة، فكان فارق التوقيت بينهما ساعة كاملة.
اصبح مطار القاهرة مطارا حديثا، مختلفا عما كان عليه في الماضي، قبل ثلاثين سنة، فاختلف في بنيانه وتجهيزاته ومرافقه، وبه العديد من الصالات والتجهيزات الحديثة، حيث لم تستغرق اجراءات الدخول واستلام الامتعة الا وقتا يسيرا، وخرجنا بعدها مباشرة إلى ساحات المطار.

حيث استقللنا سيارة اتجهت بنا إلى فندق سبق لنا الحجز فيه، يحمل اسم فندق (سفير) يقع في حي الدقي، وبعد وصولنا الفندق والاستراحة البسيطة فيه، وقد اتفقنا أن يكون هذا اليوم مخصص لاستكشاف المحيط الذي نحن فيه، وتهيئة الامور الضرورية من التزود ببعض العملات، والاشتراك في شبكة الاتصالات الداخلية، مما يسهل لنا التواصل فيما بيننا بصورة اسهل وارخص.
خرجنا بعد العصر مشيا على الاقدام، في جولة جميلة دون أي قيود أو تحديد هدف معين، واخذتنا الطريق شرقا الى ضفاف نهر النيل القريب من سكننا، واعتلينا فيه جسر الجامعة القريب.

ولما كان هذا الوقت عصرا من نهار يوم الجمعة، العطلة الاسبوعية لديهم، والناس عادة يخرجون فيه للفسحة والتنزه والترويح عن النفس، فالمكان كان يعج بالناس، والزحام كبير جدا في كل الاماكن هاهنا، ويمتلئ بكل اطياف المجتمع، فهنا وهناك الجلوس والسائرون، والحيوية تعم كل الزوايا والاركان، فتجد من يقضي وقته بالفرجة والتحدث مع من حوله، وهناك من يقوم بصيد السمك على ضفاف النهر، ومنهم من يلقي بسنارة صيده الطويلة من فوق الجسر، بل وبعضهم اتخذ له مكانا لممارسة الصيد من فوق القواعد الضخمة التي تحمل هذا الجسر، فالحركة دائبة لا تمل ترقبها في كل نقطة فوق وتحت الجسر، وهناك جلسات وبسطات لتقديم الخدمات لهولاء المتنزهين، فتجد من يقدم المشروبات من الشاهي والقهوة والعصير، ونوعيات متعددة من الاكلات الشعبية الخفيفة، فالعربات المتخصصة من ثابت ومتحرك امامك حيثما اتجهت، فروعة المكان واطلالاته الجميلة فوق النهر، كلها محفزات تستجلب الناس إلى القدوم اليه، فلا تكاد تمل ولا تشبع من الفرجة والتنزه، فحركة الناس ذهابا وايابا، وأنواع المركبات والمواصلات، من السيارات المختلفة والدراجات النارية والعادية، والعربات التي تجرها الخيول (الحنطور)، والزوارق والقوارب تتهادى على صفحات النهر من اسفل منك، تمخر مياه النهر في كل الاتجاهات، والناس في هذه المراكب العابرة ملتهين بعالمهم، ففيهم من يمرح ومن يرقص، ومن يتجاذبون اطراف الحديث مع بعضهم، وكلها مشاهد تستقطب ناظريك وفكرك، فلا تكاد تشعر بالوقت ومروره السريع بين يديك، حيث توقفنا في بعض الاماكن مستمتعين بالمشاهد والحياة الصاخبة من حولنا، وما بين جلسة واخرى ونحن نواصل سيرنا شرقا، لم ندري أو نشعر إلا ونحن في الضفة الاخرى من النهر، حيث كنا قد قطعنا كامل الجسر من أوله إلى آخره، وانتهى بنا المطاف في اخره على الضفة المقابلة للنهر، حيث وصلنا الى منتهاه مع آذان صلاة المغرب، الذي كان يرتفع حينها من جامع صلاح الدين في هذه النقطة، واتجهنا مع بقية الناس إلى داخل الجامع، فصلينا فيه المغرب مع الجماعة، ثم اتبعناه في احد الزوايا بصلاة العشاء جمعا، وبعدها غادرنا عائدين من حيث اتينا، إلى أن وصلنا إلى الفندق، للاستراحة واستعدادا لما نتوقعه في اليوم التالي.
يوم السبت الموافق 28/7/1439هـ :
افطرنا في صباح هذا اليوم في الفندق، وكنا قد نسقنا مع (سائق سيارة) دللنا عليه، ليكون رفيقنا في جولاتنا، وليكون دليلنا والمعرف لنا في زياراتنا، وكان بالفعل عند حسن الظن به، كان متميزا في تعامله واخلاقه العالية، كبير في عمره وفي ثقافته واطلاعه، يملك العديد من المعرفة والخبرة التامة في هذا المجال، فارتحنا اليه وارتاح لنا.
انطلقنا بعد التوافق والاتفاق، وبناء على اقتراح دليلنا في اولويات الزيارات، كان الاتجاه اولاً لزيارة اهرامات الجيزة العظيمة، وتقع في اطراف القاهرة الجنوبية الغربية ، ولما وصلناها اتجه بنا مباشرة إلى احدى المكاتب المشهورة، فقد اصبحت السياحية في مصر افضل تنظيما، وفيها كثير من الوضوح والاتقان، خلافا لما كانت عليه في الماضي الذي (عرفته)، حيث كان يعتريها كثير من الفوضى والارتجالية، واما اليوم مع هذه المكاتب المصرحة وامثالها، يقدم فيها للسائح العروض المتاحة بكل شفافية، ويعرض له درجاتها المختلفة والمميزات المتوفرة، مع تبيان اسعارها التي يتم التفاوض عليها، فهناك لديهم عدة درجات شاملة ومختصرة، فالشاملة تطوف فيها كل المواقع المهمة، والمختصرة تقتصر على زيارة أجزاء محدودة، ولك اختيار ما يناسبك منها مسبقا، ويتم التوافق على الوسيلة التي ترغب في استخدامها، سواء كانت خيولا أو جمالا أو عربيات يجرها الخيل (الحنطور)، مع دليل سياحي يصحبك خلال هذه الجولة، ويشرح لك عن كل ما يتعلق بهذه الاماكن، ويجيب على أسالتك، ويعرفك بكل المعالم الموجودة، وعن تاريخها وما يحيط بها من معلومات ومعتقدات.
كان عددنا اربعة اشخاص، مع سائق السيارة الذي دعوناه لمرافقتنا في هذه الجولة على حسابنا، وقد اختار ثلاثة منا كنت احدهم ركوب الخيل، واما رابعنا فقد فضل ركوب العربية ورافقه فيها السائق، وفي اثناء اعداد المركوبات، وبطريقة الخبرة التسويقية لديهم، اصطحبنا بعضهم في جولة تسويقية داخل معرض جانبي في المكتب، كان يحتوي على منتجات من العطور والبخور المحلي، واشياء فنية تتعلق بها من الادوات والفواحات الزجاجية، وهم يقدمونها للزوار في عروض جميلة مغرية، بحيث لا يتردد معظمهم على شراء بعض منها، ويعدونها بعد الشراء في اغلفة جميلة ومتينة تتحمل السفر، ولقد اشترينا اشياء منها راقة لنا، مع اننا اكشفنا بعد ذلك زيادة في القيمة وان كانت طفيفة، وكذلك يوجد في جوار المكتب معرض جميل لورق البردي، شجعونا على زيارته، ووجدناه يحتوي على كثير من الفنيات واللوحات الجميلة، معظمها مصنوع من ورق البردي، ولديهم امكانية اضافة ما ترغبه في تكوين هذه اللوحات، من صور شخصية أو رسومات او كتابات، سواء شخصية أو تزيينها ببعض الآيات القرآنية، أو الاحاديث الشريفة، ويتوفر عدد كبير من الهدايا والتحف الجميلة، ولكننا لم نوليها كثيرا من الاهتمام، لأنها ليست من اهتماماتنا.
انطلقنا في جولتنا بعد الاتفاق على أن تكون جولة شاملة، وبعد أن امتطينا خيولنا، وهي تجربة في حد ذاتها ممتعة.

اخذ بنا دليلنا طريقا مختلفا عن طريق العربيات (الحنطور)، لأنهم يسلكون بالخيول طريقا صحراويا، فالخيول لديها القدرة على السير والركض في هذه الاماكن، بل هو اسهل واريح لها، بخلاف العربيات فلا بد لها من طريق مرصوف تسير عليه، لذلك افترقنا عن رفيقانا وكلنا اتخذ له طريقا مغايرا، وخيولنا على ما يبدو مذللة ومطيعة للدليل وحده ، اما نحن الفرسان فنادرا ما تتجاوب معنا، إلا في حالة طلب التوقف بسحب اللجام، وبالذات إذا زادت سرعتها على ما لا نطيق، فالدليل الذي يسير في الخلف هو المتحكم، يثيرها بصوته المميز فتنطلق دون هوادة، ويأمرها فتخفف من ركضها، أو يفرقع لها بسوط يحمله في يده فتزداد سرعة، كان يجريها بنا في سرعات متفاوتة، حتى نكاد نقع من فوق ظهورها، ولكن سرعان ما الفنا التعامل والثبات عليها، مما اقتضته الحاجة وخوف السقوط، فاتقنا بعد فترة طريقة التشبث والثبات الجيد على صهواتها، واستفدنا من توجيهات الدليل في اتباع الطريقة المثلى في الجلوس واحكام العنان، ويقوم بين فترة واخرى بتعديل الركاب ليتناسب مع وضعية الارجل، ولما لاحظ ان فرسي لم تكن سلسة في الركض كالأخريات، قام باستبدالها بالفرس التي كان يركبها، وكانت بالفعل فرسا متميزة في ركضها وحركاتها، وكانت جولة جميلة وتجربة ممتعة، استمرت لما يقارب الساعتين، في مسافة تزيد على خمسة كيلوات أو تزيد.
كان في الطريق يقف بنا الدليل في اماكن محددة، لكونها مشرفة على الاثار الكبيرة المتعددة، وقد نبقى على خيولنا في هذا التوقف أو ننزل عنها، ليشرح لنا بإسهاب تاريخ او جغرافيا، او عن عقائد تتعلق بهذا الموقع، ويتعمق في التاريخ وفي التعريف بالماضي ومعتقدات هولاء، ويتطرق إلى بعض القصص التي لها ارتباط بالمكان، سواء في الماضي القديم أو في الحديث بعدما اعيد اكتشافها، ثم كيف جرى تأهيلها لتكون على صورتها الاصلية المتصورة.
جميع هذه الهضاب تعرف باسم الجيزة، وتحتوي على اضخم واعظم الاهرامات الفرعونية، (وهذه الاهرامات تعتبر مقابر ملكية للفراعنة، وكل منها يحمل اسم الملك الذي بناه و المدفون فيه، وقد بنيت على شكل هرمي، ولهذا تم تسميتها بالأهرامات، وتعتبر هذه الاهرامات مرحلة من مراحل تطور عمارة المقابر في العصر الفرعوني، حيث كانت القبور في البدا عبارة عن حفرة صغيرة عادية، ثم تحول بعدها إلى حجرة مبنية تحت الارض، ثم تطورت إلى عدة حجرات وغرف تعلوها مصطبة، ثم تطور بعد ذلك على يد المهندس (ايمحوتب)، وهو وزير الفرعون والملك (زوسر)، من الاسرة الحاكمة الثالثة، واخذت شكل الهرم المدرج، ثم استطاع المهندس (هميونو)، وهو مهندس الملك (خوفو)، في أن ينجز هذا الشكل الهرمي المثالي، (هرم خوفو) الاكبر هاهنا، حيث نفذه على مساحة تقدر بـ (13) فداناً، ثم ساروا على ذلك في تنفيذ هرمي (خفرع ومنقرع)، وهي تعتبر من اعظم الاهرامات التي صنعها الانسان على مستوى العالم، وهي ثلاثة اهرامات ضخمة شبيهة بالجبال، اولها واكبرها هو (خوفو)، ثم (خفرع) وثالثهما (منقرع)، ويوجد حولها اهرامات صغيرة ، قيل إنها تخص حريم هولاء الملوك، وفي جنبات الموقع عدد هائل من القبور العادية، تختص بمقابر عامة الناس، وبالذات من العمال الذين ماتوا اثناء تنفيذ عملهم في بناء هذه الاهرامات، لأنه استغرق بنائها عشرات السنين، واستغرق بناء الهرم الاكبر (خوفو) ما يقارب عشرين عاما، وقد تم بناء الممرات والاجزاء السفلية في عشرة اعوام.

كانت فكرة هذا الشكل الهرمي، مرتبطة لديهم بفكرة نشأة الكون، فطبقا لبعض كتاباتهم ونصوصهم الدينية، يكون الهرم وسيلة تساعد روح المتوفى في الوصول الى السماء، لتقترن مع المعبود (رع)، فهم لا يتخلون عن هذا الشكل الهرمي، في كل تطوراتهم اللاحقة.
وبعد تطوافنا الذي شمل ما يحيط بجميع هذه الاهرامات الضخمة، اتجه بنا الدليل إلى الاسفل منها، في مكان منخفض عن تلة الاهرامات، إلى أن وقف بنا امام تمثال عظيم، منحوت على شكل جسد الاسد، واما راسه فراس انسان، والمعروف الان باسم تمثال (أبو الهول)، وهو يحمل في الاصل اسم (تفنوت)، أي ابن ام الارض، ويجسد لديهم صورة اسطورية، وقد نحت من الحجر الكلسي، وعلى ما يذكره الباحثون انه في الاصل غطي بطبقة من الجص الملون، ولا زالت بعض آثار هذا الجص الملون الاصلي ظاهرة بجانب احدى اذني التمثال، ولضخامته يرى من بعد، لأن طوله يبلغ حوالي (73.5) م ، من ضمنها (15)م طول رجليه الاماميتين، وأما عرضه فيبلغ (19.3) م، وارتفاعه من على سطح الارض الى قمة الرأس (20)م.

وتنتهي الجولة عند هذا المعلم وفي هذا المكان، حيث اتجهنا بعدها مباشرة إلى مقر المكتب الذي انطلقنا منه، وموقعه قريب في الجوار .
كانت رحلة رائعة وجميلة، ومليئة بالمعلومات والمعارف والتجارب الجديدة، واعظمها كما ذكرت هي امتطاء صهوات الخيول، في تجربة بقيت اثارها على الافخاذ لأكثر من ثلاثة ايام، وما ذلك إلا لشدة الحماس وشدة التشبث لكي ابقى منتصبا فوق ظهره ولا اسقط، وما زلت إلى اليوم والغد (بمشيئة الله) راغبا ومستعدا لتكرار هذه التجربة ولو لعدة مرات.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وإلى اللقاء في حلقة قادمة بمشيئة الله .

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    Hadi

    وفقك الله يا ابا جمال ابدعت فى نقلك ومشارتنا احداث هذه الرحلة الجميله ووقفت بنا على محطات جميله الا انك دخلت الى الاهرامات وخرجت منها دون ان اتصور حتى الان تصميمها الداخلى وؤيتها فهل هى عبارة عن غرفة واحدة كما هو حال العشة مثل ام ان بداخل كل هرم تقسيم داخلى وكيف هى تقسيماتهتا وطرقاتها وهل كل غرفة تمثل قبر واحد ام انها توابيت مرصوصة فى هذه الغرف واذا كان هناك صور لداخل الاهرامات ننتضر مشاركتها معنا
    ولك جزيل التقدير

علقّ على هذا المحتوى ..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: