السبت, 13 جمادى الأول 1440 هجريا, الموافق 19 يناير 2019 ميلاديا

وراءهم

وراءهم
بقلم : د.جمال الهميلي

قال الراوي:

في يوم الجمعة بالتحديد، كنت جالسًا في وسط أسرتي السعيدة، نتجاذب أطراف الحديث، وفجأة قفز أحد أبنائي (عمره 14 سنة فقط) ليبادرنا بسؤال غريب بالنسبة لنا،

قال: أبي، كنت أخبرتنا بقراءة سورة الكهف كل جمعة، وقد علمتنا أن نجمع القراءة الصحيحة مع الفهم السليم!

وراءهم

الأب: نعم ولا أزال على ذلك، لك ولجميع أخوتك.

الابن: لقد وقفت عند كلمة أزعم أني أقرأها بشكل صحيح، لكن معناها يبدو غريبًا جدًّا؟

التفت الجميع إليه وهو يترقبون.

الأب: وما هي؟

الابن: قوله تعالى: ﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴾ [الكهف: 79]، ماذا تعني (وراءهم)؟ أنا أفهم وراءهم يعني خلفهم، لكن لا يمكن أن يكون الملك خلف المساكين!

التفت الأب إلى بقية أفراد الأسرة، فهو يطلب منهم الإجابة لسؤال الفتى الواعي، لكنه لم يجد عندهم شيئًا، بل شاركوا أخاهم استغرابه!

الأب (وقد بدت عليه علامات الخجل): منذ أكثر من عشرين سنة وأنا اقرأ هذه السورة في كل جمعة، لكني لم أقف على هذا السؤال من قبلُ، ما رأيكم أن نراجع أقوال العلماء في ذلك؟!

بدأ الجميع يُقلِّب جوَّاله ويفتح المواقع الإلكترونية لمعرفة الجواب.

الابن الأكبر: أظن أني وقعت على الجواب الشافي.

الكل: أسمعنا.

الأكبر: قال شيخ المفسرين الطبري: وراء في هذا الموضع يعني أمام، وقال القرطبي: الأكثر على أن معنى وراء هنا أمام.

الابن: يعني معنى الآية أن أمام المساكين ملك يأخذ كل سفينة غصبًا، طيب، أمام عكس خلف.

الأم: بمعنى آخر أن كلمة “وراء” وهي ظرف زمان ومكان تأتي بمعنى خلف وأمام وقدام، فهي من الأضداد؛ يعني الكلمات التي تحمل معنيين متضادين.

الأب: اسمعوا، يقول هنا: وردت كلمة “وراء” 24 مرة في القرآن الكريم، ولها عدة معانٍ[1]، وعند البحث في أصلها اللغوي نجدها تحت كلمة (ورى) التي تعني الستر والاختفاء.

الابن: طيب، إذا كانت وراء هنا بمعنى أمام، فما سر استخدام وراء بدل أمام؟

الأم: أظن أني بمجموع ما سمعت منك ومن أخيك الأكبر ووالدك، أستطيع أن أقول: حين إرادة التعبير عن الزمن القادم المستتر والمخفي وغير الظاهر، نستخدم كلمة “وراء”، ولا نستخدم كلمة “أمام”؛ لأن كلمة أمام تعني الأمام المكاني والمشاهد، ولما كان الخضر يتحدث عن زمن قادمٍ مخفيٍّ، عبَّر بقوله: “وراء”.

الأب: وهذا أحد أساليب البلاغة العُليا في اللغة العربية؛ من حيث الاختصار وحسن التعبير.

الأم: ولعل الغالب في استخدام وراء بهذا المعنى عند التهديد والوعيد والأمر الشديد.

الابن الأوسط: هل من أمثلة أخرى في القرآن على المنوال نفسه.

لنبحث، (ما رأيك أخي القارئ تبحث معنا في القرآن الكريم)؟

وعاد الجميع إلى جوالاتهم وبدأت عملية التنقيب.

الابن: لقد وجدت، الأكبر: وأنا كذلك، الأب: وأنا أيضًا، الأم: يبدو أنها كثيرة في القرآن، أسمعونا

الابن: قال تعالى: ” ﴿ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ﴾ [إبراهيم: 16].

الابن الأكبر: وقال تعالى: ﴿ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: 100].

الأب: وقال تعالى: ….

قاطعته الأم: كفى لا تكمل يا أبا…. فلندع فرصة للقارئ؛ لكي يبحث بنفسه؛ ليستمتع مع كلمات القرآن وحسن البيان.

وقبل أن تغرب شمس يوم الجمعة، شكر الجميع ابنهم وأخاهم على طرحه وملاحظته، فقد فتح الذهن وأعمل الفكر، فهل سيبقى العقل مفتوحًا متيقظًا؟

اللهم وفِّقنا لتدبُّر كتابك، وفَهْمِ مرادك، ونَيْل جناتك، والنجاة من نيرانك.

 


[1] ولها معان أخرى بحسب سياقها في الجملة بمكنك مراجعتها في مظانها.

التعليقات (٠) اضف تعليق

علقّ على هذا المحتوى ..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.