الأحد, 17 رجب 1440 هجريا, الموافق 24 مارس 2019 ميلاديا

الحلقة السادسة : رحلة إلى مصر

الحلقة السادسة : رحلة إلى مصر
الاستاذ: عبد الله بن علي الخسافي
محبكم /عبد الله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ ابوجمال

ما إن تحرك القطار حتى احضروا لنا العشاء، وكان عشاء متكاملا، وإن لم يكن مناسبا لنا بسبب طريقة الطهي، وبعدها احضروا لنا الشاهي والقهوة، وفي حوالي الساعة التاسعة استفسروا هل نرغب في النوم، واجبنا بالإيجاب لأن الظلام الخارجي يحجب عنا الرؤيا، فلا نكاد نرى شيئا من الخارج، فانت لا تدري اين تتحرك، وبالفعل حضر الموظف المسؤول عن الكبينة، ونحن لا نتصور كيف سيكون شكل سرائر النوم، فكنا نترقب بكل حواسنا ماذا سيفعل، ولكنه في اقل من دقيقة سحب طرف احدى هذه الاسرة من خلف كراسي جلوسنا، وما هي إلا أن اختفت هذه الكراسي وحل محلها سرير متكامل، بمرتبته وشراشفه ومخدته وبطانياته، ثم سحب اخر من تجويف اعلى منه فاذا هو سرير آخر مماثل له.

واستخرج من دولاب مفتوح فوق الباب بعض المخاد وبعض البطانيات الاضافية، واستخرج سلما مثبت تحت كراسي الجلوس، وركزه في احد الاطراف ليسهل الصعود إلى السرير العلوي، فاذا الكبينة في لحظة تتحول إلى غرفة نوم متكاملة ومريحة، استلقى كل منا على واحد من هذه الاسرة، واطفأنا الانوار الرئيسية ورحنا في نوم عميق، وكانت هناك إضاءة خاصة لكل سرير، إن  رغب صاحبه في الحركة أو القراءة دون ازعاج للآخر، فلكل سرير منها خصوصية لا تزعج نهائيا من يشاركك في الكبينة.

كانت تجربة جميلة وجديدة، وفي البداية يشعر المرء بالاهتزازات المتواصلة، والاصوات التي لا تنقطع مع احتكاك عجلات القطار بسكة الحديد، وفي توقفات القطار المتكررة عند بعض المحطات في الطريق، ولكنك مع الوقت تجد نفسك تأقلمت مع الوضع ، فتمر بك فترات من النوم العميق، وتصحو على بعض  الحركات المفاجئة، وتعاود النوم من جديد ، وهكذا تجدك قد نمت فترات لا باس بها، إن نظرت إلى ساعتك، ولكنه نوم قلق لمن تعود على الهدوء التام.

مسافة الرحلة بعيدة جدا، تبلغ حوالي تسعمائة كم ، وسرعة القطار لا تتجاوز السبعين أو الثمانين كم في الساعة، مع توقفاته المتكررة في المحطات، لأنه يمر بعدد كبير من المدن الكبيرة، وكنا نعرف ذلك من خلال الاضاءة الكهربائية وهي تقتحم المهجع، مع وجود ستائر تغطي كامل النوافذ،  وعلى العموم فعلى هذا الطريق لا يكاد العمران والمساكن تنقطع نهائيا على طول الرحلة، فالعمران متوصل من بداية الرحلة إلى منتهاها، فالقطار يسير بمحاذات نهر النيل، يبتعد عنه قليلا ويقترب منه كثيرا، والعمران والمزارع ممتدة على طول المسار، فالنهر هو سر الحياة في هذه الاراضي، فانت تجد كل مدن الصعيد المشهورة متناثرة على جنبات هذا النهر، ومن هذه المدن التي التقطنا اسمائها من خلال المحطات التي نمر بها، أو نتوقف في بعضها، وهي كثيرة وعديدة لم نستطيع احصاها جميعا، ومنها : ( الواسطة، وبني سويف، والمنيا، واسيوط، وطهطا، وسوهاج، وقنا، والاقصر، وأسنا ، وأدفو، وكوم امبو، ودراو، ثم اسوان) وهناك العديد من المدن الصغيرة، التي لها وقع خاص وذكرى جميلة، لأنها تذكرك بكثير من المشاهير من العلماء والادباء، ومن هذه المدن والقرى (منفلوط، وجرجا، والسباعية، والرضوانية، وازمنت، وكلابشة، والرغامة) وغيرها مما لم نستطع كتابتها أو نسيناها، فهي سلسلة متصلة من العمران والمزارع والحياة العامرة.

مع طلوع الفجر واشراق شمس يوم الاربعاء، لم نستطع مواصلة النوم شوقا الى الفرجة، فكل منا تلبد واقفا امام نوافذ القطار، نستمتع بكل سعادة في مشاهدة الحياة من حولنا، فالقطار يمر بك في معرض لا يكاد ينتهي من الجمال والحياة النابضة، فالناس من حول سكة القطار في حركة دائبة ونشطة، فهذا تراه في مزرعته يحرث الارض، وهذا يحصد قمحه ويجفف سنابلها في الشمس، وهذا في زورقه يجدف في النهر ليصيد الاسماك، وهذا طالب علم يحمل حقيبته في طريقه إلى المدرسة، أو موظف يحمل أوراقه ذاهبا إلى مقر عمله، فمناظر متتابعة لا تمل منها ولا تشبع فيها، بل ولا تستطيع أن تتغافل عنها، ولم نصل إلى محطة اسوان المقصودة إلا في تمام الساعة التاسعة صباحا، حيث استغرقت الرحلة لثلاثة عشرة ساعة، ومع طولها إلا انها كانت رحلة جميلة، وتجربة ممتعة ومريحة.

الاربعاء 2/8/1439هـ :

ما إن هبطنا في محطة مدينة اسوان، إلا ووجدنا في استقبالنا موظف من المكتب السياحي، ومعه آخر هو الدليل السياحي، الذي سيصحبنا طول ايام الرحلة ، وخرجنا في صحبتهما من المحطة إلى مواقف للسيارت في الجوار، وركبنا مع الدليل في احدى هذه السيارات، التي اقلتنا إلى داخل المدينة، واسوان مدينة متوسطة المساحة، وهي العاصمة الاقليمية لجنوب مصر، وتمتد على شواطئ النيل، ومعظمها في الجزء الشرقي منه.

اتجهت بنا السيارة مخترقة البلدة إلى الغرب، واعتلت جسرا ينفذ بنا إلى الضفة الغربية من النهر، وفي نهايته صعدنا في تلال من الرمال، وتواصل اتجاهنا في الغرب، إلى أن اتخذت مسارا إلى الجهة الجنوبية، وعلى امتداد هذه الطريق تلاحظ قيام مشاريع حديثة هنا وهناك، وكثير منها يخص جامعة اسوان كما يظهر على لوحاتها، وتلاحظ وجود بعض من المنتزهات والحدائق،  وهناك طرق معبدة تمتد الى الجهة الغربية،  لتصل كما علمنا الى ابي سنبل، التي اخبرنا أن بها عدد هائل من الاثار الفرعونية ، ولكنها لم تكن ضمن خطتنا ، لذا واصلنا سيرنا جنوبا لمسافة تقارب خمس كم، وكان ينتهي بنا هذا الطريق إلى بوابة السد العالي، وكان هو مقصدنا في هذا المشوار.

السد العالي يعتبر من اعظم السدود في العالم واهمها، وهو فكرة قديمة لأهميته، حاول الخديوي عباس بنائه، وبناه على شكل حجيرات مربعة في داخل النهر، في مكان ادنى من مكان السد الحالي، وكان  غرضه منه حينها هو الحد من قوة اندفاع النهر ، وتخفيف اندفاعه الشديد الجارف في حالة الفيضانات السنوية، ولم يعطي النتائج المأمولة حينها، لذلك جرى العمل على تنفيذه بالشكل الحالي ، ولكن كانت تقف دون تنفيذه عوائق عديدة، واهمها هو التمويل الضخم الذي تعجز الخزينة المصرية حينها عن ذلك، وفي عهد الرئيس جمال عبد الناصر، سعى لطلب تمويله من الدول الغربية العظمى، وطالت عملية التباحث مع هذه الدول، وكان للتوجهات السياسية، والمصالح والإملاءات السيادية سبب مهم في عدم التوافق، حيث رفضت حكومة الولايات المتحدة، وكذلك دول الغرب الكبيرة، وبسبب المماحكات السياسية مع مصر في ذلك الوقت، ولنفس العوامل السابقة تبنت كامل المشروع جمهورية الاتحاد السوفيتي، وتم توقيع الاتفاقية والعقود، وبدأ المشروع في عام 1960م، ولكنه لم يكتمل نهائيا الا في عام 1971م، وقد افتتحه حينها الرئيس محمد انور السادات.

كان مشروعا كبيرا وضخما، لضخامة النهر الذي بني عليه، وكانت الغاية الاساسية منه تتلخص في تخفيف الفيضانات السنوية مع موسم هطول الامطار، حيث كانت هذه الفيضانات تجتاح كل الاراضي الواقعة على ضفاف النهر، وتخلف اضرارا كبيرة توثر على جميع البلدات والاراضي القائمة على ضفتي النهر، فاصبح هذا السد محبسا قويا لهذه المياه يحد من اندفاعها غير المنضبط، فلا يسمح بدخولها إلا بطريقة انسيابية مقننة، وكانت الغاية الثانية هي الاستفادة من قوة اندفاعه لتوليد الطاقة الكهربائية، وبفضل الله تحققت هاتين الغايتين عند اكتماله .

لما وصلنا إلى مدخل السد ، وبعد دفع الرسوم المالية المقررة على الزائر، والتعرف على الهويات الوطنية، دخلنا إلى اعلى هذا البناء الواسع، وكان بناء ضخما في طوله وعرضه، يحبس خلفه بحيرة عظيمة من المياه، الممتدة على مدى البصر.

يبلغ طول السد من اعلاه 3600م، وارتفاعه يبلغ 111م، وعرض قاعدته بلغت 980م، ويصفي هذا العرض عند القمة بمقدار 40م، وبسبب حجزه للمياه والحد من تدفقها الطبيعي، تكونت خلفه بحيرة ضخمة، تمددت واجتاحت كثيرا من الاراضي الشاسعة، بما كان فيها من حقول وبيوت وقرى عديدة، وعدد هائل من الاثار القائمة في تلك المناطق، وقد بلغت مساحة هذه البحيرة الكبيرة، بما مقداره داخل الاراضي المصرية (350) كم، وفي الاراضي السودانية المجاورة حوالي (150) كم، ولأجل ذلك سعت الحكومة المصرية بالتعاون مع هيئات الامم المتحدة، في انقاذ كثيرا من هذه الاثار التي طمرتها المياه، والعمل على نقلها الى اماكن اخرى، انشئ للسد عدد (180) بوابة، منها (100) بوابة لتخفيف اندفاع المياه، ليواصل بعدها جريانه شمالا بانسيابية وهدوء على طول العام, وبقية البوابات (80) بوابة فهي مخصصة لتوليد الكهرباء، فمن خلالها يمر الماء مندفعا بقوة، ليحرك طربينات ودواليب في نهايتها، ليتولد من ذلك طاقة كبيرة من الكهرباء، مما تغطي و تكفي معظم جمهورية مصر من هذه الطاقة المستمرة.

لم نطيل المكث بعد اخذ كامل الصورة، بل قفلنا عائدين من نفس الطريق الذي قدمنا منه، وبعد أن تجاوزنا الجسر الذي فوق النهر إلى داخل المدينة، اتجهنا في نهايته إلى جهة اليمين، من بعد بقايا تبة قائمة بعد الجسر استقطع منها الطريق، وقد اعادتنا هذه الالتفافة إلى جهة النهر من الشرق، حيث توقفنا عند فرضة نهرية قائمة في هذا المكان، معدة كمرفأ نهري للقوارب الصغيرة، يوجد منها اعداد كبيرة ، كان امام مدخل هذه الفرضة ساحة كبيرة، مواقف للسيارات وبها محلات تجارية، على الاطراف  تباع فيها بعض التحف، وغيرها من الملبوسات الشعبية، والعديد من السلع الاستهلاكية، وفي نهايتها كمدخل للرصيف بوابة كبيرة عليها حراس، لا يسمح بالدخول منها الابعد دفع رسوم محددة، تحصل مقابل الركوب في احد الزوارق لزيارة المعبد الاثري في الضفة المقابلة، ولا يتم الوصل اليها إلا بواسطة القوارب من هذا الموقع فقط.

كان اسم هذا المعبد (فيله)، وهو من ضمن المعابد التي تم اخراجها وانقاذها بعد أن غمرتها مياه السد، المنكفئة الى الخلف بعد التحكم في انطلاق المياه بشكل حر، فقامت الحكومة المصرية بالاستعانة ببعض المنظمات العالمية على استخراجها من تحت هذه المياه، وقد عملوا جاهدين على نقلها بكل معالمها وتكوينها بصورة دقيقة.

معبد فيله يعني (الحبيبة) أو (الحدود)، حيث ورد اسمها في اللغة الرومانية (أيزس فيله) ويعني (الحبيبة)، وفي اللغة القبطية (بيلاك) ويعني (الحدود)، فهذا المكان يعتبر نهاية حدود الدولة الفرعونية، في تمددها في عصورها الذهبية، واستغرقت بنا الرحلة النهرية للوصول اليها في حدود عشر دقائق، اشغلنا عن التركيز احد الاشخاص الذين ركبوا معنا في القارب، كان يعمل جاهدا على تسويق بضاعته ، كانت كمية من العقود والحلي والقلائد الحجرية والخشبية والودع، كان يحملها في كيس معه، ويقول انها صناعة يدوية تأتيهم من السودان، يجلبونها لجمالها وكونها مطلوبة من كثير من السواح، وهو سيضفيها إلى بضاعة المماثلة بجوار المعبد الذي نزوره، وبالطبع لاحظنا ونحن نمر على المرفأ لنصل إلى المركب عدد كبير من هذه المعروضات، كانت منتشرة على جوانب الممر، بينها كثير من القلائد والتماثيل والمنحوتات بأشكال متعددة، وكذلك امثالها عند المرفأ الاخر بجوار المعبد المقصود، فمن كان يحب اقتنا هذه الاشياء أو اهدائها فسيجد منها الكثير هنا.

رست بنا المركبة على مرافئ خشبية مترابطة بين عدد من الصخور، وكل منها يمتد إلى جوار درج مسلح يوصل إلى اعلى التلة، ومنه تنفد الى ساحات متعددة امام مباني المعبد الكثيرة، كانت اثار ضخمة ومرتفعة، تتكون من عدة مباني مبسوطة على هذه الساحات، جزيرة صغيرة يكتنفها النهر من كل الجوانب، وفيها زحام كبير من السواح الذين يقصدونها، ومعظمهم كانوا من الغربيين ومن الصين وشرق اسيا، وعندما بلغنا اعلى الدرج في بداية هذه الساحة، كانت تستقبلنا لجبة واصوات موسيقية مرتفعة وغناء، فاتجهنا مباشرة الى حيث مصدر هذه الاصوات للفرجة.

كانت هناك فرقة نوبية في كامل نشاطها وحماسها، يقومون بالغناء والرقص، واعداد هائلة من السواح تحيط بهم من كل جانب، بل وبعضهم متفاعل يشارك معهم في الرقص، كانت فرقة شعبية تودي دورها الفلكلوري من الرقصات الشعبية، وقد بقينا في هذا المشهد لنأخذ فكرة عامة عن هذا الفن، وبعدها اتجهنا الى خارج التجمع لمشاهدة بعض العروض الفنية الاخرى، فهناك مجموعات من الفنانين والرسامين يقدمون ما لديهم، ومعظم مادة ما يقدمون رسم هذه الاثار التي امامهم.

انصرفنا بعدها لنجول على الطبيعة داخل مباني المعبد، وكان في تكوينه اثرا وبناء ضخما، ويوجد به عدد كبير من الحجر، وبه اعمدة عالية ضخمة، ولكل زاوية او عمود أو تمثال حكاية ومعان وقصص، حكى لنا معظمها المرشد المرافق، ووجدناها أو معظمها يتكرر بتفصيلاته في ما بعد، في معظم المعابد والاثار الممتدة على طول هذه الرقعة، التي قامت عليها الحضارة الفرعونية القديمة ، والتي تمتد من هنا في اسوان الى القاهرة وما حولها، وعلى امتداد اكثر من الف كيلو متر بمحاذاة نهر النيل العظيم.

خرجنا من هذا المكان بعد حوالي الساعة، وعدنا بنفس القارب إلى حيث كنا في الضفة الشرقية المقابلة، ومن هناك ركبنا سيارتنا، لتوصلنا الى حيث ستكون اقامتنا في هذه المدينة، وكانت اقامة مختلفة بالكلية، وتجربة فريدة علينا جميعا، انها في الحقيقة (فندقا عائما)، كان يحمل هذا الفندق أو السفينة اسم (بلوشادو)، والملاحظ انها منتشرة بكثيرة في هذه المدينة (اسوان)، وكذلك في مدينة (الاقصر)، بل هي الاكثر استخداما في هذا الجزء من النهر، تتحرك بين هاتين المدينتين (اسوان والاقصر)، وتوجد منها العشرات، تقف بكثافة وبهدوء تام على ضفاف النهر، وهي في حقيقتها سفن ضخمة اعدت لتناسب هذا الاستخدام، كل منها أو معظمها يبلغ ارتفاعاتها اكثر من اربعة ادوار.

جهزت بكل دقة لتكون فندقا ضخما ومريحا، ولتكون في نفس الوقت وسيلة نقل نهرية مناسبة، حيث اعدت سكنا متكاملا ومركبا للمواصلات، يربط في رحلات سياحية منتظمة بين مديني اسوان والاقصر وما بينهما من المدن،  في مسافة تقارب الثلاثمائة كم نهري.

                          والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

                               وإلى اللقاء في حلقة قادمة بمشيئة الله .

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

علقّ على هذا المحتوى ..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.