مقالات

أوهام الشيخ والمشيخ!

لا شك أن للتَّوقُّف -أو ربما الانحدار- الملحوظ في مسيرة التطوُّر والرقي في جارة القمر، ومتكئ النجوم، ودرّة الجنوب، ومعشوقة السحاب، إلى آخر ألقاب، محافظة فيفاء_ عدة أسباب، منها ما يعود إلى المسؤولين، ومنها ما يعود إلى المجتمع الفيفي نفسه.
قد لا نستطيع التحكم بما في يدّ المسؤول، كما لا يمكن أن نختزل مشكلاتنا على المستوى الاجتماعي فيما سأذكره في هذه الخاطرة العابرة، التي نشرتها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، فألحّ عليّ بعض الأصدقاء بأن أنشرها على صحيفتنا، التي أعتبرها من أهم الخدمات الجليلة التي قدمها بعض أبناء فيفاء لفيفاء.
فلنترك إذاً المسؤول الذي تركنا لعشرات السنين جانبا، ولنركز على أنفسنا أولا كمجتمع فيفي، وبالتالي على مستوى المبادرات التطوعية، أو الخيرية، أو السياحية، أو التسوقية، أو الربحية، أو التجارية، أو التوعوية، أو الثقافية، أو الإعلامية… إلخ_ التي قدمها أبناء المجتمع الفيفي إلى فيفاء، والتي بدورها قد تلزم المسؤول أيّا كان موقعه بإعادة النظر والتقييم وبالتالي الالتفات إلى محافظتنا الغالية.
في البداية لا بد لنا من إعادة تقييم أنفسنا، ماذا قدمنا من كل ما سبق ذكره من مبادرات أو غيرها؟
باختصار: تقريبا لا شيء! ثم لنسأل أنفسنا بعدها، لماذا؟
وأعيد هنا ما ذكرته سابقا، لا يمكن اختزال المسببات فيما سأسرده في هذه الخاطرة، فهي كثيرة جدا، منها جوانب قصور مادية، مع أن بعض المبادرات الربحية قد تخلق المادة، منها جوانب قصور ذاتي كاللامبالاة، أو الأنانية، أو الاتكالية، أو التكاسل، أو التخاذل، أو التباغض، أو التحاسد من قبل “بعض” أفراد المجتمع، كما قد يكون منها البيئي، كالقات مثلا، فهو شئنا أم أبينا، أحد مسببات الفتور لمجتمعنا مؤخرا، لاسيما مع الإقبال الشديد عليه من الأجيال الحالية، لساعات أو ربما لأيام متواصلة.
لا أرغب في التشعّب هنا، فلدي لكل موضوع يؤرقني بخصوص فيفاء سبعون لسانا لو أردت التحدث عن أحدها بإسهاب، لكني قد أتطرق إلى تلك المواضيع في مناسبات أخرى، أو سأدعها لكم، للتأمل فيها، والحديث عنها، وتحليل مسبباتها، والمشاركة في حلحلت عقدها ومشكلاتها.
كما يعلم البعض- بأني أحب نكش ما أعلم يقينا بأن غيري لن يضع يده عليه، مع كونه مشكلٌ جوهري جلي، لذلك سأتحدث اليوم عن وهمين، هما وهم المشيخ، وفي المقابل وهم الشيخ، لكونهما في رأيي من أكبر المثبطات لأي مبادرة فردية أو عمل جماعي في فيفاء، لذا سأفصل فيهما قليلا، وأدع ما سواهما للقارئ الكريم، فلنبدأ بوهم المشيخ، وهو عبارة عن تخيلات قد تكون أحيانا مرضية جرّاء تعاطي القات، فالبعض لديهم ما يسمى طبيا بالميول الطبيعي (Tendency) لحدوث بعض المضاعفات، ومن مضاعفات مادة الكاتين الموجود في القات، على سبيل المثال لا الحصر؛ الوساوس القهري (OCD)، والأوهام (Delusions)، والشكوك (Paranoia)، أو قد يكون ذلك مجرد نتيجة لحماقة عقلية بنيوية يستغلها آخرون بتعزيزها وإذكائها، لتصفية حساباتهم الشخصية مع المشايخ، وقد لا تكون حالات مرضية ولا نتيجة قصور عقلي، فمنهم من قد يصلح وزير دولة لا مجرد شيخ، لكنهم يهملون جانبا مهمًا، هو أن الشيخ عبارة عن رمز للّحمة الاجتماعية في القبيلة، درجت العادة على أن لعائلته احتراما وتقديرا وجذورا عرفية في القبيلة، يتم بناء عليها اختياره بالوراثة تلقائيا، قد لا يكون الأفضل ولا حتى الأنسب، لكن اختياره بهذه الطريقة، وأكرر: التلقائية، في الغالب يحافظ على الروابط الاجتماعية في القبيلة، ولست هنا أرى مانعا من اختيار أي شخص كان من بقية أفراد القبيلة، مادام ذلك لن يحدث أي تنافس مقيت، أو فرقة بغيضة، أو عداوات وشروخ ونزاعات بين أفراد وأفخاذ وعوائل تلك القبيلة أو مجموع القبائل عموما، لكن كما نعلم ليست تلك هي الحال ولا واقع المآل، فنحن أبناء المجتمع ونحن أعلم به، فلم تقدم مثل تلك الأوهام لمجتمعاتنا القبلية سوى الأحقاد، والضغائن، والتحاسد، والتباغض، والتدابر، وقطع الأرحام، وتشتيت العوائل والقبائل وتفريق كلمتها، وتبديد عملها المشترك، بل وتقليل شأنها وشأن أبنائها أمام الآخرين من مسؤولين وغيرهم.
لا أرغب في الإطالة، فالبقية لديكم، حيث سأنتقل بكم هنا مباشرة إلى توصيف وهم الشيخ، كما لن أسهب في تفصيله هو الآخر، لحساسية المشايخ المفرطة من النقد، ولجلد القبائل المتكرر لهم، بتحميلهم كل معظلات الكون.
لذا فوهم الشيخ باختصار، هو شعور “بعض” المشايخ بالعجز والضعف وبالتالي الخوف والتوجّس عندما يقدّم شخص أو مجموعة أشخاص من قبائلهم أي مبادرة تطوعية أو خيرية أو عمل توعوي أو تثقيفي أو حتى مجرد مقترح مفيد أو فكرة رائدة إلخ ما ذكرت وكررت سابقا، أو أي محاولة لجلب مصلحة أو خير أو معروف أو إصلاح بين الناس أو غيره، حيث يبدأ الشيخ المتوجس تلقائيا بمحاربتهم ومعارضتهم ومعاداتهم وتحريف غاياتهم عن مساراتها النبيلة، ظنا منه أن العالم أجمع يعمل على منافسته في شيخته التي لن ينتزعها منه سوى الموت، مما يدفع بمعظم الأخيار إلى النأي بأنفسهم عن القيل والقال، مع أنه لا ينبغي لذلك أن يكون مبررا للمخلصين في النأي بأنفسهم عن تقديم كل ما يخدم مجتمعاتهم، لكون ذلك سيرميهم في دائرة المتمشيخين، فمن يعمل لله ثم لوطنه ومجتمعه والأقربين لن يضره من خذله، فالله معه، كما لن يُفقِده الأمل أو يثنيه عن العمل مجرد حديث مغرضٍ صدر عن رعديد لا يثق في مكانته ولا يحترمها، إلا إذا كانت غايته من الأساس، هي حديث الناس، وتلك أبرز غايات المتمشيخين.
خلاصة ما سبق في عشر نقاط:
١- لدينا مشكلة جلية تتلخص في انحدار مستوى التطور والرقي بمحافظة فيفاء.
٢- المجتمع الفيفي نفسه هو أبرز شِقَّيْ تلك المشكلة.
٣- مسببات تلك المشكلة لا يمكن حصرها في مقال واحد، إنما الغرض هو دفع الغير للتفكير وبالتالي التعبير عن وجهات نظرهم في ضوء هذا المشكلة الملحوظة، وفق إمكاناتهم واستطاعتهم وبيئتهم المحيطة، وما تمليه عليه مسؤوليتهم.
٤- ليست المشكلة بحجم الأرض والسماوات، إنما هو مجرد توصيف ونقد وتنبيه للمجتمع، لإعادة تقييم نفسه والعمل على التحسين، ما أمكن إلى ذلك سبيلا.
٥- اخترت هذا الموضوع الجزئي البسيط، لكونه في رأيي أحد أبرز مثبطات العمل الفردي والجماعي على المستوى القبلي، كما أنه موضوع حساس، قد لا يتقبله البعض من البعض الآخر، أما أنا فقد “وقعت لمحقرة” عند الجميع.
٦- عند تقديم أي مباردة مجتمعية أو عمل خيري أو غيره مما ذكر، يراد به خدمة المجتمع (أي: القبيلة، في حال فيفاء أو غيرها من المجتمعات القبلية)، فلا بد من البحث في النفس أولا، للانطلاق بنية صالحة من الداخل، فما بني على باطل فهو باطل.
٧- القائد الناجح، بغض النظر عن كونه شيخ قبيلة، دائما وأبدا هو القائد الذي يدعم المبادرات الخيّرة والأعمال النيرة في محيطه سواء كان محيطه قبيلةً أو غيرها، لا من يعمل على إعاقة العمل وتبديد الأمل، أو على تجيير النجاحات والإنجازات لنفسه.
٨- العامل والمبادر المخلص لله ثم لوطنه ومجتمعه، ليس من “ينتكت” من قول ناقد أو ربما حاسد، وليس من يعمل لأجل كلام الناس، بل من يعمل لأجل الناس أنفسهم.
٩- لاشك أن بيئة فيفاء الحالية طاردة وغير محفزة، لكنها ستبقى قرة أعين نواظر أبنائها ممن هم خارجها، أما الأمل والمنظور فهو دائما معقود على ساكنيها، ممن ضحوا لأجلها بداية، بالعودة إليها أو البقاء فيها، ثم مع مُضي الوقت، وجدناهم كمن يعيش خارجها، لم يقدموا لها شيئا.
١٠- فيفاء دائما ولادة، وأهلها دائما مبدعون وقادرون ومثابرون وناجحون في شتى المجالات، فكما نجح أبناؤها في الخارج؛ بإمكان أبنائها في الداخل النجاح، والرقي بفيفاء الإنسان والمكان إلى المنزلة المرموقة التي تليق بها وبأهلها.
تقبلوا مني التحية والاشتياق،،،

 

‫8 تعليقات

  1. كالعادة لم نرى جديد ، يجتهد الكتاب في التشخيص والتحليل والعرض للمشاكل الإجتماعية والخدمية ، فينقسم الناس إلى فريقين .
    الاول يهتم بالثناء والثاني مهتم بالقدح والذم .
    فمتى نرى ونقرأ من الجميع حلولاً عملية تصحح الأوضاع وتحقق الأهداف .

  2. مقال مفكك غير متزن الكاتب يبحث عن شيئ ماقدر يوصل له والمطبلين له كثر بحجه الدفاع مصالح القبيله

  3. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
    قرأت الكتاب وأعتقد أن ما أشار إليه قلم الدكتور عبدالرحمن من أن القات هو أحد أهم أسباب انحدار المستوى الاجتماعي والحضاري للمحافظة وأقول نعم للأسف قد ثبط عزائم الرجال وهممهم التي هي في الأصل كجبال فيفاء الشامخة ، فأفسد اللقاءات والاجتماعات والعادات والعبادات وجنى على ضروريات الدين والدنيا وأساء لسمعة قبيلتنا الغراء وتقدمت علينا المحافظات المجاورة في كافة المجالات وما دامت هذه الآفة محل تقدير من قبل البعض فلن يعدو كلامنا مجرد سواليف.
    إذا استطعنا أن نصلح هذا الأمر وننقذ فيفاء من براثن فساد هذه الشجرة الخبيثة فأستطيع القول أننا بدأنا في النهوض من جديد ومواكبة المجتمعات المتحضرة
    والله أنه من المؤسف أن تكون ديرتنا ملاذا لمدمني المخدرات وأن تستقطب أوسخ فئات المجتمع بسبب هذه الشجرة فترى أشكالا ومناظر لا تسر لاسيما في الإجازات والأعياد.

  4. paranoid تحدث من نقص vitamin D ولا يوجد رابط بينها وبين القات او المشيخ وتسمى ايضاً جنون العظمه ومن وجهة نظري أن مقالك متخبط ولا هدف له سوا إبراز الذات أو من منطلق خالف تعرف

    1. الأخ Explicit

      أولا: بخصوص تحليلك النقدي للمقالة، ثم لأهدافي في محاول البروز وأن أعرف، فلا أرى حاجة للرد على ذلك.

      ثانيا. بخصوص الفتوى الطبية التي تفضلت بها، فمن الأمانة العلمية أن أرد عليك. يقول المثل: من أفتى في غير فنه جاء بالعجائب.
      ١- البارانويد paranoid هو مرض، بينما البارانويا paranoia فعَرَضَ. مثال ذلك: التهاب الرئة مرض، والكحة عَرَضَ.
      ٢- لا يوجد في أي قاعدة بيانات طبية أو بحثية أي رابط بين فيتامين د واضطراب البارانويد.
      ٣- عندما ترى رابط NCBI فهو عند الأطباء، كصحيح البخاري عند المسلمين. انصحك بالقراءة قبل إطلاق الفتاوى الطبية.
      https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5793931/

      ٤- بالنسبة للقات، ومضاعفاته، فأيضا، من نفس المكتبة NCBI. انزل، اقرأ السطر الرابع، تحت عنوان: Toxicologic aspect of khat
      https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3905534/

      ثالثا: تأكد بأنه يمكن أن يقبل منك الناس أي أمر إلا الكذب على الله أو العلم.

  5. حياك الله وبياك عمي الغالي. أتشرف بمروك العاطر، ويسعدني ثناؤك الكريم على توصيفي المتواضع. وها أنت أول بادر ظاهر أمام الجميع، تثري الموضوع، وتضع النقاط على الحروف، وتأمل ما نأمله جميعا، وتضيف خيرا مما ذكرت في مقالتي كلها، بالآتي: “لا بد لنا أن نعيد تقييم وتقويم أنفسنا جميعا، وبالتالي نخرج برؤية موحدة نرسم من خلالها رؤية ذات سقف زمني محدد للعمل الجمعي الجاد، ثم -وهو الأهم- نقيم مدى نجاحنا في هذه الفترة الزمنية المحدد، فنعمل على تبني وتعزيز الإيجابيات، ونئد السلبيات، بل ونجتثها من جذورها لكي نستطيع مواكبة العصر” أ. هـ، وهذا هو كل المأمول والمطلوب من الجميع.

  6. كلام جميل وواقعي صح لسانك وسلمت يداك يادكتور عبدالرحمن شكلك دكتور بكل شيء لقد لامست الجرح فعلا .

    1. لافض فوك يادكتورنا الحبيب عبدالرحمن فكما تنجح في وضع مشرط الجراح على المرض وتجتزه كونك طبيب ماهر استطعت أيضا أن تضع شوكة قلمك الشريف على جذور مشكلة المجتمع السعودي عامة والفيفي خاصة ، وأنا لاأقول هذا مدحا أومجاملة فلعلي أول المستهدفين من هذاالمقال ، ولكني وجدت أنه ماخرج عن الحقيقة أوتجاوزها قيد أنملة . وأهيب بمجتمعنا الفيفي أن نتخذ من مثل هذاالمقال خارطة طريق نعيد من خلالها تقييم وتقويم أنفسنا جميعا وبالتالي نخرج برؤية موحدة نرسم من خلالها رؤية ذات سقف زمني محدد للعمل الجمعي الجاد ثم – وهو الأهم – نقيم مدى نجاحنا في هذه الفترة الزمنية المحددة ، فنعمل على تبني وتعزيز الإيجابيات ، ونئد السلبيات بل ونجتثها من جذورها لكي نستطيع مواكبة العصر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: