الثلاثاء, 14 جمادى الآخر 1440 هجريا, الموافق 19 فبراير 2019 ميلاديا

الحلقة العاشرة: رحلة إلى مصر

الحلقة العاشرة: رحلة إلى مصر
الاستاذ: عبد الله بن علي الخسافي
محبكم /عبد الله بن علي قاسم آل طارش الفيفي ـ ابوجمال

نعود إلى واقعنا ونكمل جولتنا، حيث خرجنا من هذا الوادي(وادي الملوك)، الواقع في قلب هذا الجبل، المطل على مدينة الاقصر من الجهة الغربية، لندخل إلى جانب اخر جنوب هذا الوادي، وإلى اثر آخر في فسحة من الارض، في الجانب الاخر من هذا الجبل، كان عبارة عن معبد (الملك حتشبسوت)، وهو مبنى مكشوف في وسط سهل في سفح الجبل.

ويصل الزائر إلى بداية موقعه بواسطة عربيات مماثلة لما في وادي الملوك، وتقف بالزائر عند بداية جدار يحيط بجوانب المعبد الامامية، وليس ذو ارتفاع كبير وانما وضع لتحديد معالم حدود المعبد، فبعد هذا الحائط تسير في فناء واسع لحوالي عشرين مترا، حيث تجد في نهايته ممشى مرتفع، وفي وسط الممشى درجات لمن يرغب السير فيها، تصل من خلالها إلى مستوى الطابق الاول من المعبد، لأننا لم ندخل الى الطابق الارضي، لأنه كما يلاحظ لا يختلف كثيرا عن هذا الدور، ويرى خاليا من التماثيل كما هو عليه هذا الدور، حيث لا يرى فيه إلا مجموعة من الغرف الفارغة، وبعض الاعمدة الضخمة، المنقوش عليها بعض الرسومات والصور، وفي هذا الدور الاول فيقابلك في الواجهة تماثيل مصفوفة على جنبات المدخل، وعلى طول واجهة المعبد الذي يبلغ طوله حوالي ثلاثين مترا، فتجد هذه التماثيل مرصوصة عليه تماثل الاشكال البشرية الضخمة، متقنة النحت والتصوير.

وفي الداخل بعد المدخل لهذا الدور تجد مجموعة من الحجر المتعددة، تحتوي على تماثيل كذلك وكتابات ورسوم وتصاوير.

لم نطل المكث في هذا المكان، لصغر حجمه وتشبعنا من هذه المعابد المتماثلة، وكذلك لحرارة الجو المرتفعة، وقوة حرارة الشمس الملتهبة، في عز الظهيرة من هذا اليوم، لذلك خرجنا عائدين من حيث اتينا، ويلاحظ في سفوح هذا الجبل المحيط والممتد على يسارنا، وجود كثير من اعمال الحفريات والتنقيب، ويرى اعداد كبيرة من العمال يشتغلون بكل همة، رغم ارتفاع المكان وحرارة الشمس في هذا الوقت.

لما خرجنا متجهين صوب السيارة، جلسنا قليلا في مقهى متفردا في هذا المكان يقدم القهوة والشاهي والعصير، ولم يرق لنا البقاء فيه فانصرفنا إلى سيارتنا مغادرين.

انطلقت بنا السيارة متجهة بنا الى مدينة الاقصر، فعرض علينا المرشد أن نمر على بعض مصانع (البلاستر)، كما يسمونها وهي كثيرة في هذه الاماكن، وكانت عبارة عن مصانع لتصنيع التحف والتماثيل والمداليات، وخامتها الاساسية أو معظمها من الاحجار القابلة للتشكيل، التي يستخرجونها من بعض الجبال في الجوار، ويصنعون منها اشكال فنية جميلة ، منها التماثيل والعقود والآنية واشكال أخرى متعددة، وعلى ما يبدو ان هناك اتفاق مسبق بين هذه المصانع والمرشدين ومع سائقي السيارات، ليغروا السائح ويقنعوه بزيارة هذه المصانع، لأنك عندما تصل يقابلونك بحفاوة وبشاشة وترحيب، ويتحدثون معك باللغة التي تتحدث بها، وهنا يبتعد عنك المرشد ويتركك لقمة سائغة بين ايديهم، فهم يعرضون عليك بكل احترافية موجوداتهم، ويثبتون لك جودة ما لديهم عن ما قد تجده في السوق أو في أي مكان آخر، فيوكدون لك ان كل ما لديهم مصنوع من حجارة السراميك الاصلية، وتجد منها لديهم كل الانواع والوان المتعددة، بخلاف ما قد تجده عند الاخرين من تحف انما هي مصنوعة من الجبس، وشكلت بالألوان والصبغات المتقنة، فينخدع بها من لا يعرفها تمام المعرفة، وما اسرع ما تتلف وتتأثر مع الوقت.

المكان جميل وتكسب فيه معارف جديدة، فيوجد في فنائه عريش تستعرض فيه مراحل تصنيع هذه الموجودات، حيث يجلس امامك مجموعة من الحرفيين، كل منهم يقوم بجزيئة معينة من تشكيل هذه التحف، فتبدأ القطعة من شكلها البدائي الخام (حجر)، وكل له دوره وعمله التكميلي لعمل الاخرين، فيمر

بعدة خطوات متكاملة إلى ان يخرج هذا الحجر تحفة جميلة وبديعة، فهذا يشكل الحجر الخام بالقدوم، وهذا يثقبه ويجوف ما يحتاج منه إلى ذلك، وهذا يلمعه ويصقله بطرق متقنة، وقد تجد هولاء العمال الحرفيين بين فترة واخرى، يرفعون اصواتهم منشدين بالغناء بصوت واحد ملحن، ويرددون بين فينة واخرى بعض الاهازيج الجميلة، ويصاحبها في الغالب صفقة باليدين في صورة استعراضية جميلة، تجد معظم السياح يحبونها ويستمتعون مع هولاء المبدعين.

بعد هذا الاستعراض والتعريف الموجز بمصنعهم، وكيف يؤدون الاعمال الحرفية والفنية المتقنة فيه، اخذونا في جولة تسويقية في داخل المعرض المجاور، وحقيقة تجد فيه كل جميل وكل ما يرغب الانسان في اقتنائه، ففيه عدد هائل من التحف والفنيات، ومن الاشكال الجميلة والتماثيل البديعة، ومن البخور وادواته المبتكرة، وحتى الحلي والجماليات والسبح وخلافها، كثير من الاشياء الثمينة والقيمة، فاذا ما رغبت في شراء شيء من هذه السلع المعروضة، (وهذا هو هدفهم ومبتغاهم وما يسعون اليه) فعندها تدخل معهم في تفاوض في تخفيض القيمة المعروضة لك، ثم يقومون بعدها بتغليف هذه القطعة بما يناسبها ويحافظ عليها، بحيث يعدونها لك بما يحفظها من التلف عند الشحن، ولهم طريقتهم الاحترافية وخبرتهم التراكمية في هذا المجال ، وبالطبع فقد استفدنا منهم معلومات قيمة، ولم يستفيدوا منا هم بأي شيء مقابل كل ذلك، فبعد أن تفرجنا واستمتعنا وتذوقنا وشممنا، ترددنا عند الرغبة في شراء أي شيء من ذلك، فقد وجدنا انما سنشتريه من هنا سيتعبنا في حمله والتنقل به، فأمامنا طريق شاق وبعيد، إلى أن نصل من هنا الى القاهرة، ثم فيما بعد الى الرياض، لذلك تخلينا تماما عن فكرة الشراء، وانصرفنا عائدين الى سيارتنا في الخارج، التي انطلقت بنا في طريق العودة الى داخل مدينة الاقصر.

ولما لم يكن عندما بعد ذلك أي ارتباط معين، ولم يعد لنا مقر رسمي في الفندق (السفينة)، قررنا ان نستفيد من بقية الوقت فيما يفيد، فطلبنا من السائق أن ينزلنا في وسط البلدة، وفيها اتجهنا إلى احدى المطاعم الشعبية الراقية، حيث تناولنا الغداء طعاما شعبيا راقيا، ثم اتجهنا بعدها إلى قهوة في وسط احد الشوارع الداخلية، كانت كراسيها وطاولاتها تمتد في داخل الشارع، وتظللها مظلات وشرفات المنازل المحيطة، وبعض هذه الجلسات داخل مبنى المقهى في غرف مكيفة، ولكنا اخترنا الجلوس على طاولة في الخارج وسط الشارع، وتناولنا فيها بعض المشروبات من الشاهي والقهوة، وكانت جلسة جميلة تعايشنا فيها مع كل الاجواء، داخل الاحياء، ووسط الناس العاديين في غدوهم ورواحهم، وما هم عليه من حياة بسيطة كادحة.

لما اقترب موعد اذان العصر، اتجهنا عائدين إلى حيث السفينة، وفيها جلسنا في صالاتها وفي ردهاتها المكيفة، ومضى بنا الوقت مستمتعين بهذه المجالس، فلما قارب النهار على الغروب، وخفت حدة الشمس في الخارج، صعدنا إلى اعلى سطح السفينة.

لنكمل استمتاعنا بالجلسة الجميلة والاطلالة الرائعة على النهر، والفرجة على الحركة الدائبة في النهر وفي الشوارع المجاورة، وبقينا في هذا المكان إلى ان قرب موعد مغادرتنا المدينة، حيث تحركنا في حوالي الساعة التاسعة إلى خارج السفينة نهائيا، حاملين حقائبنا إلى محطة القطار.

لنركب في قطار المبيت للعودة إلى القاهرة، وهي محطة كبيرة ومتكاملة، ولمعرفتنا السابقة عن رداءة الاكل الذي يقدم في القطار، لذا احنطنا من بعض المحلات المجاورة للمحطة بشيء من الاكل الخفيف والعصير والماء، وقد انهينا اجراءات سفرنا وانتظرنا القطار، مع انه لم يغادر المحطة الا في حوالي الساعة الحادية عشرة متأخرا لحوالي الساعة، وقد اكتسبنا الخبرة حيث اتجهنا مباشرة إلى مقصوراتنا الخاصة، ولما كنا منهكين طول ذلك النهار فقد سارع كل واحد منا إلى تهيئة سريره، ودخلنا في نوم هانئ مريح .

الاحد 6/8/1439هـ :

لم نفق من النوم الا مع حلول صلاة الفجر، والقطار مواصلا سيره، وكان نوما مريحا، مع ان الازعاج والاصوات كانت اكثر منذ قبل، فكان موقعنا في مؤخرة القطار عكس الذهاب، لكن بسبب تعبنا في اليوم السابق، ثم لتعودنا على هذا الجو من الرحلة السابقة، جعلنا نتأقلم مع هذا الوضع بسرعة ، وبعد طلوع الشمس كانت المتعة في الفرجة على العالم المتجدد من حولنا، ومشاهدة الناس في ذهابهم وغدوهم إلى اعمالهم ومزارعهم ومدارسهم، وفي ممارستهم لحرفهم من الحرث والصيد والاعمال المتعددة، مما يحول الرحلة إلى متعة لا تمل منها، وانت تنقل فيها ناظريك في كل اتجاه وكل جديد، فلا تكاد تشعر بالوقت والمسافة.

لم نتنبه الا عندما ولجنا إلى داخل احياء القاهرة، حيث وقف بنا القطار في محطة الوصول فيها، مع تمام الساعة العاشرة صباحا، حيث استقبلتنا فيها سيارة تابعة للمكتب السياحي، اوصلتنا إلى فندقنا السابق (سفير)، حيث واصلنا الحجز فيه لبقية اقامتنا في القاهرة.

ارتحنا في غرفنا إلى صلاة العصر، وبعدها قررنا التسوق بقية ذلك اليوم، واخترنا الاتجاه إلى خان الخليل في وسط القاهرة القديمة، وكنا قد مررنا به سريعا في الاسبوع الماضي، لذلك طلبنا سيارة توصلنا عن طريق (اوبر)، وجلنا داخل السوق إلى المغرب.

وبعد الصلاة في احد المساجد الصغيرة داخل السوق، وكان مسجدا صغيرا انيقا، وبعدها اتممنا تسوقنا داخل السوق، ولم نخرج منه الا في حوالي الساعة التاسعة، لنعود كما قدمنا بسيارة (اوبر) الى الفندق ، كان برنامج هذا اليوم قاصر على ذلك.

الاثنين 7/8/1439هـ :

كان اليوم مفتوحا امامنا، فليس في البال مكان محدد نزوره، وبعد الحوار واستعراض الخيارات، قررنا زيارة (المتحف الوطني)، الواقع في ميدان التحرير بوسط القاهرة، يعتبر من اكبر واقدم المتاحف بمصر، يعود تاريخه إلى عام 1901م، أي قبل مائة وسبعة عشرة سنة، حيث بدأ العمل في انشائه عام 1897م، يقع في مبنى متسع ومهيئ في وسط القاهرة القديمة.

يتكون من دورين ذات اجنحة متعددة، فكل دور منها يحتوي على قاعات ضخمة ممتدة، وتحتوي كل منها على العديد من الاثار والتماثيل، ومزينة بالأعمدة الفرعونية، وبها اجنحة لبعض الاثار اليونانية، ويعطي الزائر صورة كاملة عن كل اثار مصر، فهو نموذج متكامل لكل المواقع الاثرية على طول مساحة مصر، ابتداء من محافظة اسوان إلى الاسكندرية وما بينهما، حيث جلب اليه نماذج من كل هذه المواقع، من التماثيل المنحوتة والتوابيت والنقوش، والاواني والحلي والاسلحة، وتعليقات عليها توضح تاريخ كل منها وتطورها، من خلال اللوحات التعريفية وتفصيلاتها، التي تشرحها بصورة مختصرة ومتكاملة، فعلى هذه المساحة المحدودة تتنقل فيها بين عصور التاريخ وحضاراته، بداية من نشأت الحضارة الفرعونية وتطورها وتجددها، وماهي عليه حياتهم ومعتقداتهم واهتماماتهم، وصور تعبيرية لأجزاء دقيقة من حياتهم المعيشية، سواء في الحقول أو في البيوت وفي المعابد وفي كل الجوانب، وتعريف بأنواع الالهة التي يعبدونها ويقدسونها، ومظاهر حضارتهم وابهة ملكهم، وكراسي جلوسهم ونومهم، ومراكبهم النهرية ووسائل تنقلاتهم الاخرى، وانواع الاغذية والحلي والاسلحة، وحتى تعريفات بحيواناتهم الاليفة، وبعض الحيوانات المتوحشة في محيطهم، وبعض الحشرات التي يقدسونها، فكل هذه الامور تجدها في هذا المتحف، وتستقرأ عنها من خلال تأملك في موجوداته.

تجد في جنباته كل ما يتعلق بمصر القديمة من حضارات، فرعونية ويونانية ورومانية، التي استقرت وتطورت في مصر.

وما يلفت النظر كثرة زواره ومرتاديه، يأتون من كل انحاء العالم، فتجد كل الجنسيات تطوف بإعجاب وانبهار في موجوداته، وتجد كل له اهتماماته الخاصة، ويركز على جوانب معينة ويتتبعها، وشاهدنا مجموعة من الطلاب والطالبات من بعض الجامعات، يحمل كل منهم بيده مراسم واوراق، وقد جلس امام احد التماثيل أو الاعمدة يرسمه على هذه الورقة بكل دقة، واذا ما ركزت على رسمه تلاحظ بروز المعلم الذي امامه على الورقة قليلا قليلا، جلست إلى بعضهم لاستفسر عما يقومون به، فاخبروني انهم يتبعون بعض الجامعات في القاهرة وحولها، ومعظمهم طلابا في كلية الفنون الجميلة، يقومون هنا بأداء واجب دراسي مقرر، يندرج تحت مسمى (فن المتاحف)، لذلك تجد كل منهم قد اختار زاوية له امام او بجانب احد التماثيل، يتعرف على معالمه لينقلها على الورقة امامه، فتراه ينقل نظره بين التمثال وفي الورقة بين يديه، وبعضهم قد التقط للمعلم المرغوب صورة بجواله، ثم يجتهد لنقلها على ورقته، ويتأكد من صحة النقل بالنظر للمعلم على الطبيعة امامه.

لم نعد إلى الفندق الا قبيل العصر قليلا، وكانت جولة جميلة لولا انها متعبة، لكبر مساحة المتحف واتساعه وتعدد موجوداته، ورغبة الانسان في أن لا يفوته شيء من محتوياته، مع ان كثير منها هو اعادة لما شاهدناه على الطبيعة في جولاتنا، سواء في الجيزة أو اسوان وادفو وكوم امبو والاقصر، ولكنها مفيدة جدا صححت لنا بعض المعلومات المغلوطة عن بعض ما رأيناه على الواقع، واطلعنا على اشياء جديدة فاتتنا في تلك الزيارات، فكانت منافعها أما تأكيدا او تصحيحا لكثير من تلك المعلومات، وتعطي تصورا مختصرا ومركزا عن هذه الحضارة العظيمة، التي مازال العلماء إلى اليوم في حيرة عن كثير مما وجدوه فيها، ولم يدركوا كيف نفذت وصنعت وكيف توصلوا اليها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

وإلى اللقاء في حلقة قادمة بمشيئة الله .

التعليقات (٠) اضف تعليق

علقّ على هذا المحتوى ..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.