الأربعاء, 19 شعبان 1440 هجريا, الموافق 24 أبريل 2019 ميلاديا

علة الخيرية وجرثومة المنكر

علة الخيرية وجرثومة المنكر
أ . فهد بن جابر

هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -كأي جهاز- لها نصيبها من الأخطاء كما لغيرها، وكما قيل: “من لا يعمل؛ لا يخطئ”، لها من المحاسن التي يجهلها أو يتجاهلها ممن يبحث عن حريته-التي تُقيد حُرِّيات غيره. قال تعالى: ” كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ” أي أن تلك الشعيرة هي علة الخيرية، وقد سبقت الإيمان بالله في الآية.
كتبتْ إحداهن -ما يفتقر لأدنى مقومات المقال أسلوباً ومضمونا- عن موقف مع حارسة أمن في مجمع؛ لتلتف على هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. تقول إن -تلك الحارسة- كانت تعطي أوامر بخصوص لباس النساء. واصفة ذلك بأنه أيدلوجية فهم سطحي للفضيلة والاحتشام. تضيف “كأنها تضرب أخلاق الناس بسياط الهيئة”. تستمر لتَصِف النصح بالوصاية على الغير، رافضة ذلك وتسميه جرأة! وتقول -وهذا الأخطر- بأن ذلك محاولة إنعاش أخيرة للدور القمعي الذي أرهب الناس. وتُشَبه تطبيق تلك الشعيرة بطريقة (سلطان الأباريق)، تُحسِّن من أسلوبها بقولها “إن “الهيئة مؤسسة رسمية لها قيمتها ومكانتها الاعتبارية”، لتنتكس قائلة “أن لها ممارسات متطرفة مثل الوصاية والقمعية المُؤطرة للرؤى المتشددة التي لا تخدم المجتمع”.
لو كان الطرح منطقياً، لتحدثتُ عن أثر الهيئة الفاعل في المجتمع، وعن ضرورتها. ولو كان من باب التساؤل، لكانت الاحصائيات والأرقام خير من يتكلم، ولكن تلك (السوالف) لم تكن سوى تشفٍ، في ثوب نصح وشكل قصة. في جميع الدول يوجد ما يشبه هذا الجهاز، ولو لم يسمى بجهاز الحسبة، أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إن ما يُميز المجتمع المسلم عن غيره هو وجود تشريع لهذا الواجب، يَسقط عن الكل في حال أقامته مجموعة، ويأثم الجميع في حالة اهماله.
من منطلق منطقي، ولغوي وفلسفي عقلاني أتساءل: كيف يمكن تأدية شعيرة الأمر بالمعروف دون أمر؟ أو النهي عن المنكر دون نهي، كثير من المتشددين في آرائهم يتهمون الآخرين في التشدد في الرأي، ولكن -كمثال- ليس من المنطق أن يتهم شخص طريقة تطبيق شعيرة بالسطحية، بتعاطيها من منظور أكثر سطحية! فكيف تعتقد تلك الكاتبة أن الفهم الصحيح للاحتشام لا ينطبق على اللباس ، وأن الفضيلة لا تَظهر للسطح؟ أما سياط الهيئة -المزعومة- فليست لضرب أخلاق الناس، بل هي لضرب سوء أخلاق السيء منها، وسياج يحفظ شعيرة دينية من أن تُهمل. من يَنطَلِق من مبدأ خاطئ، فسيُكرر الخطأ مراراً؛ تتهم داعي الفضيلة بالوصاية على الكل، ثم تتحدث وكأنها مُوَكلة من الكل بالوصاية على الرأي. ثم تتساءل عن تلك الجرأة، وأنا والله من يتساءل عن تلكم الجرأة على شرع الله ومن يُقمه .
ضمن (السوالف) وردتْ أحلام بائسة ويائسة مثل تشبيه السعي للحفاظ على الحشمة بمحاولة إنعاش أخيرة، والحمد لله أن الخير سيبقى في هذه الأمة إلى قيام الساعة، وأضغاث الأحلام ليست بمصادر للتشريع. كما وردت ألفاظ خشنة مثل تشبيه التوجيه بالدور القمعي الذي يُرهب الناس، وهذا أسلوب دارج من قِبَل كل من يحاول أن يهاجم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسبب هو أن الحصن المنيع يحتاج لجهد أكبر للإضرار به.
أما الأسوأ فيما ورد في (السوالف) كان تشبيه المحتسب بتطبيق تلك الشعيرة بإسقاط القصة الرمزية لسلطان الأباريق، ثم تحاول أن تُحسِّن من أسلوبها بقول “أن “الهيئة مؤسسة رسمية لها قيمتها ومكانتها الاعتبارية” أي نوع من الرسمية تَحترم؟ وأي درجة من القيمة والمكانة الاعتبارية تتحدث عنها ، ثم عادت لتنتكس قائلة “أن لها ممارسات متطرفة مثل الوصاية والقمعية المُؤطرة للرؤى المتشددة التي لا تخدم المجتمع”. البعض يعتقد أن امتلاك مخزون لغوي، أو سرد مفردات رنانة كافٍ ليُشعر القارئ بأنه فقيه عصره، والمتخصص الضليع في كافة العلوم، وصاحب النظرة الشمولية. من باب العدل لنفترض أنها بتلك الكلمات تطبق المبدأ الذي أدافع عنه فأجيب: أن شَرطَي الخيرية (تأمرون) و(تنهون) لا قيمة لهما بدون الإيمان بالله؛ والذي مقتضاه تطبيق الشرع والشعائر. وهناك مقياس بسيط للتمييز هو أن المعروف ما تفخر به، ولا يُشكل أن تُعرف به، والمنكر ما يُنكَر، ولا تريد أن تُعرف به. ما لا شك فيه أنه أمر نسبي، والقياس على العامة، أما المصيبة حينما تختل أداة القياس.
أخيرا فجرثومة المنكر أوضح في الآية: “لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)”. لاحظ ورود كلمة (يتناهون) لا كلمة (ينهون) لتأكيد أن المناصحة واجب وإن كان الناصح عاصٍ ومعتدٍ وفاعلٍ للمنكر ، كلنا مُقصر، ولكن من (واجبنا علينا) أن نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر عليه، وأن (نأمرنا) بالمعروف وأن (ننهانا) عن المنكر، فنحن (في سفينة واحدة).

@FahdBinJaber

التعليقات (٠) اضف تعليق

علقّ على هذا المحتوى ..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.