الثلاثاء, 19 رجب 1440 هجريا, الموافق 26 مارس 2019 ميلاديا

بحث مقدم لمؤتمر علم النفس الإسلامي الثاني

صراع الهوية لدى الشباب المظاهر والعلاج

صراع الهوية لدى الشباب المظاهر والعلاج
كتبه: خالد بن محمد الشهري

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبيه وآله وصحبه وبعد:

“الناسُ بزمانِهم أشبهُ منهم بآبائِهم” عمر بن الخطاب

مقدمة:

يُعدّ صراع الهوية لدى الإنسان بشكل عام ولدى الشباب بشكل خاص من أكثر الأسباب لنمو مشاعر القلق والاضطراب الفكري ذلك لأن بناء الهوية واكتسابها لملامح ثابتة ومستقرة تتسم بالتناسق والاتزان يُعدّ من أهم الأهداف التي يسعى الإنسان إلى تحقيقها وخاصة في مراحل الشباب الأولى. كما يُعد ذلك هدفاً من أهداف المربين والمهتمين بالصحة النفسية.

والهوية كما يُعرفها بعض الباحثين (هي إحساس الشخص بأنه يعرف من هو؟ وإلى أين يتجه؟).

وهي من أكثر المسائل التي حيرت الناس منذ القدم، كما أنها من ضمن الأسئلة المقلقة والمحيّرة التي عاشت وعاثت في عقول الفلاسفة منذ ظهرت الفلسفة كونها أسئلة مصيرية يحتاج الإنسان إلى أن يعرف إجاباتها.

ولا يمكن لإنسان يعيش في هذه الحياة ويحاول أن يبني شخصيته ويحدد ملامح مميزة لنفسه – وهذا من ضرورات مرحلة الشباب – لا يمكن له ذلك دون أن يُجيب على تلك الأسئلة التي تحدد بدايته ونهايته ودوره فيما بين ذلك:

من أنا؟

لماذا وُجدت على هذا الكون؟ ولماذا وجد الآخرون؟

من أين جاء هذا الكون؟

ما هو هدف هذه الحياة؟

وما هو دوري في هذه الحياة وفي هذا الكون؟

هذه الأسئلة المقلقة التي يحتاج معرفة إجاباتها كل إنسان تضطرب بشكل أكبر في نفس الشاب في بدايات حياته؛ وبناءاً على الإجابات النهائية التي يصل إليها يتحدد مستوى الهوية لديه وتبعاً لذلك قد يختفي الصراع أو يحدث وقد يزداد اضطراباً إلى حدّ المرض النفسي في بعض الحالات.

وبدوري أسأل هل تُعد تلك الأسئلة التي حيّرت الشباب ودوّخت الفلاسفة هل هي بهذه الصعوبة حتى لا نستطيع أن نصل إلى إجاباتها؟

أمّا بالنسبة لي فأنا لا أشك في صعوبتها لو ترك الإنسان وحده ليجيب عليها، وهذا ما يثبته تاريخ الفلسفة؛ ولهذا فإن الله الكريم الرحيم رحمة بهذا الإنسان وإكراماً له قد تكفل بإجابتها بنفسه سبحانه وتعالى لئلا نضل ونشقى.

وقد رسم لنا المولى تبارك وتعالى صورة كاملة وتامة للإجابة على تلك الأسئلة المحيّرة حتى أصبحت واضحة كوضوح النهار.

وسأنقل هنا بعض ما جاء في القرآن الكريم حول التصور الإسلامي[1] عن الإنسان والكون والحياة التي تُكون هويته وتبني شخصيته بشكل متناغم ومتسق مع ما حوله.

1-التصور الإسلامي عن الإنسان:

أ- أصل خلق الإنسان من طين ونفخة من روح الله. قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ [سورة الحجر: 28-29]

ب- الإنسان مخلوق مكرم قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 30].

ج- الإنسان مُستخلفٌ في الأرض قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً .. ﴾ [سورة البقرة: 30].

د- سخّر الله للإنسان ما في الكون لعمارته قال الله تعالى: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ [سورة هود: 61].

هـ- مهمة الإنسان الأولى العبادة قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [سورة الذاريات: 56] و(.. العبادة المقصودة بحكم النص القرآني أن الإنسان العابد لا بد أن يكون عاملا منتجا، باعتبار أن العمل الجاد هو السبيل لإسعاد الفرد والجماعة، وفى هذا يقول -سبحانه وتعالى-: ﴿ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [سورة الحج: 41][2]. والتمكين لا يكون دون بذل الأسباب الموصلة إليه وبناء المجتمع القوي المتماسك.

و- المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز.. ) رواه مسلم.. والقوة مطلب شرعي لكنها يجب أن تبقى ضمن الإيمان والعبودية لله وما لم تحكمها الأخلاق فسيكون ضررها أعظم من نفعها.

2- التصور الإسلامي عن الكون:

الكون هو الميدان الفسيح الذي يرى الإنسان فيه قدرة الله تعالى وعظمته وبديع خلقه وينقسم إلى عالمين هما: عالم الغيب وهو مالا نستطيع إدراكه بالحواس. لكننا نؤمن به على ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة مثل عالم الملائكة وعالم الجن وغيرهما. وهو من مقتضيات الإيمان كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [سورة البقرة: 4].

والثاني: عالم الشهادة وهو ما نستطيع مشاهدته ونحس به. وما فيه من كائنات ومخلوقات.

وكل هذا الكون بما فيه يعبد الله ويخضع له ويسبح بحمده كما قال تعالى: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [سورة الإسراء: 44].

فإذاً كما نحن نعبد الله فإن جميع الكون يعبده لكن كل مخلوق يؤدي العبادة التي هُيئ لها.

3- التصور الإسلامي عن الحياة:

أ- الحياة ميدان للبذل والعطاء. قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴾ [سورة إبراهيم: 31].

وقد عدّ بعض الباحثين[3] آيات الإنفاق في القرآن الكريم فوجدها مائة وآيات الصدقة عشرين آية فهذه مائة وعشرون آية تحض على البذل والعطاء والتنافس في ذلك.

ب- الحياة الدنيا متاع مؤقت وجسر إلى الآخرة قال تعالى: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [سورة الحديد: 20].

ج- الحياة الدنيا ميدان للصراع بين الحق والباطل والخير والشرّ والفضيلة والرذيلة قال تعالى: ﴿ ولَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ [ سورة البقرة: 217].

وقال تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ [سورة الصف: 8].

د- الحياة دار ابتلاء وامتحان تحتاج إلى صبر وتضحية قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [سورة البقرة: 155-157].

هـ – الحياة فرصة لا تعوض ولذلك ينبغي أن يستغلها الإنسان فيما يعود عليه بالنفع في الآخرة قال الله تبارك وتعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [سورة المؤمنون: 99-100].

4- إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا: هذا جزء من آية في سورة فاطر كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: 6] وهي كما ترى أمر إلهي وبيان لمستقبل من يتبعون الشيطان.

والشيطان مهمته الأولى إضلال بني آدم كما أقسم على ذلك ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [ص: 82].

ولن يدع طريقاً لإغواء بني آدم إلا ويسلكه قال تعالى: ﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 17].

وله مهام يسعى لتحقيقها: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا * إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ﴾ [النساء: 116 – 121].

وهنالك صراع دائم بين الملائكة والشياطين على قلب ابن آدم كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ للشَّيطانِ لمَّةً بابنِ آدمَ وللملَكِ لمَّةً: فأمَّا لمَّةُ الشَّيطانِ، فإيعادٌ بالشَّرِّ، وتَكْذيبٌ بالحقِّ، وأمَّا لمَّةُ الملَكِ، فإيعادٌ بالخيرِ، وتصديقٌ بالحقِّ، فمن وجدَ ذلِكَ فليعلَم أنَّهُ منَ اللَّهِ فليحمَدِ اللَّهَ، ومن وجدَ الأخرى، فليتعوَّذ باللَّهِ منَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ، ثمَّ قرأَ: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ الآيةَ[4] ومن هنا نعلم أن جميع أنواع التسويل والمشاعر السلبية إنما يكون مصدرها من وسوسة الشيطان ولضعفه فإن الاستعاذة منه تُبعده وذكر الله عز وجل يطرده؛ وهو لا يملك غير الوسوسة وكلما اقترب الإنسان من طاعة الله كلما اشتد الشيطان في وسوسته للإنسان وخوفه ومعرفة هذا جيداً والإيمان به يساعد الإنسان على تجاوز كثير من المشكلات والمخاوف التي تعترض حياته.

كان ذلك بعضاً مما ورد في القرآن الكريم من بيان لتلك الأسئلة التي حيرت العالم ونغصت عيش الفلاسفة وهي أسئلة وجودية على أساسها يبني الفرد شخصيته ويمارس دوره في الحياة وبقدر اطمئنانه ومعرفته لحقيقة وجوده وغايته يكون دوره متسقاً مع الكون والناس من حوله ويتحول لأداء مهمته التي تُنتظر منه؛ وإذا عجز عن فهم ذلك وتصوره عاش حياةً مضمّخة بالصراع وقلباً مشتتاً وضاع عمره هباء يطرد خلف السراب للبحث عن إجاباتها في صحراء الجهل.

ودعني ألخص هذا التصور الذي ينبغي لنا أن نربي عليه أبنائنا منذ نعومة أظفارهم حتى نساعدهم على تكوين هويتهم بما يُحقق لهم الطمأنينة:

الإنسان مخلوق من طين – أرضي – بكل ما في ذلك من معاني تدل على ثقله والتصاقه بالأرض ونفخة من الروح -سماوية – ترقى به إلى السماوات العلا؛ وهو مخلوق مكرم ومستخلف وقد سُخرت له الكائنات وكلُ ما في الأرض ليعمرها بطاعة الله وعبادته.

وهو يعيش في كون كُشف له ما يتناسب مع حاجاته ووظيفته وغُيّب عنه جانب من الكون اختباراً له وامتحاناً كما غُيّبت عنه أمور لعجزه عنها وعدم كفاية طاقته وحواسه لاستقبالها. [5]

وهو مكلفٌ بالعبادة بما يتناسب مع إمكاناته كما أن جميع المخلوقات الأخرى مكلفة بعبادة تتناسب مع مكانها ووظيفتها في الحياة الدنيا؛ وهذا ما يشعره بالتناغم والانسجام مع الكون حوله.

وهو يحيا حياة جعلها الله ممراً وجسراً للآخرة ليبتليه ويرى عمله ولهذا فقد امتلأت حياته بالمزعجات والكدح والكدّ والصراعات حتى لا يركن إلى الدنيا ويعمل للآخرة إذ كلُّ ما في الدنيا يدلُ على نقصها وسرعة انقضائها.

ومهما أغرته نفسه بشيءٌ منها أو زيّن له الشيطان الوقوع في المعصية والزلل وتعرض لأخطاء تدفعه إليها طبيعة تكوينه الطيني فإنه يبقى قادراً على النهوض من جديد بفعل جانبه الروحي لتصحيح مساره وهو مع تعرضه لفترات الضعف الإنساني إلا أنه متسق ومستقر نفسياً مع الكون حوله ويعرف دوره ضمن هذه الحياة وهذه الكائنات.

كلُ ذلك كان تأسيساً للمنهج الصحيح في تكوين الهوية التي تُبنى منذ المراحل الأولى لنشأة الشاب.

وقد فضلت أن أبدأ بحثي هذا بالتصور الصحيح وصورة الكمال لنحاكم إليه واقع الشباب ولنعرف كيف يحدث النقص والخلل في تكوين الهوية وكيف تبدأ صراعاتها.

مصطلح الهوية:

(مفهوم الهوية Identity هي إحساس الشخص بأنه يعرف من هو وإلى أين يتجه. والفرد إن كان لديه شعور قوي بالهوية يرى نفسه إنساناً فريداً متكاملاً يتوافر لشخصيته وسلوكه قدرٌ معقول من الثبات والاتساق على مرّ الزمن)[6].

وأثناء النشأة (يمر الطفل في العادة بسلسلة من الخطوات المهمة التي يكون لها أثرها الواضح في تكوين هويته الشخصية. فهو في البداية يعمد إلى التشبه بالأشخاص المهمين في البيئة من حوله. إنه يتشبه بالأب في أمور ويحاول في حالات معينة تقليد أخيه وفي حالات أخرى تقليد أخته.

إنه يعمل على محاكاة كل فرد من هؤلاء الأفراد والتشبه به في أوقات متفاوتة، وقد يقلدهم جميعاً في نفس الوقت.. مما يجعل من شخصيته شيئاً متفكك الأوصال.. وتشعيب الأدوار هذا ما لم يمكن التخلص منه في وقت مبكر قد يؤدي إلى سلسلة من الاضطرابات النفسية…

ويستمر هذا التشعيب في المراهقة لكن المراهق يتعلم كيف يتقن لعب الأدوار المتضادة ويعمل في الوقت ذاته على تخليص نفسه من أن يصبح نسخة طبق الأصل عن الأفراد الذين يتشبه بهم، ويسعى إلى تحقيق ذاته المستقلة، وتحديد معالم هويته المتميزة اعتماداً على خبراته الخاصة وقدراته الموروثة والمكتسبة على حدّ سواء، ولا يخفى أن الطريق أمامه في – الوقت الحاضر- وعر وشائك، وأنه يحتاج إلى الكثير من العناية وحسن الإرشاد وإلا أصبح فريسة للتخبط والضياع…

والسبل التي يسلكها الفرد في تكوين هويته الشخصية بشكلها النهائي متعددة وتعتمد على ما يخرج به ذلك الفرد من خبرات نتيجة قيامه بمختلف الأدوار التي يتاح له أن يلعبها. فالمراهق يمر في العادة بالعديد من الخبرات الذاتية ويتعرض لتأثير عدد غير قليل من فلسفات الحياة دينية كانت أو سياسية أو أيدولوجية أو غير ذلك كما أنه يبدأ استطلاعه للمهن التي سيتعاطاها في المستقبل وإلى غير ذلك من الأمور التي عليه أن يَخبُرَها قبل أن تأخذ شخصيته في الاستقرار على وضع ما.

إن الكثير من المجتمعات توفر للمراهقين الفرص المناسبة والحرية اللازمة لتمكينهم من المرور في هذه الخبرات وتجربتها قبل أن ينتقلوا إلى مرحلة الشباب.. فإذا سارت الأمور على ما يرام فإنه يتجاوز تلك المرحلة وقد تمكن من ترسيخ المعالم الرئيسة لبنيان شخصيته على أسس وطيدة وأكمل تحقيق الذات وقام بتكوين الهوية الشخصية.. )[7].

نشأة مصطلح الهوية:

مصطلح الهوية في علم النفس يُنسب لإيريك إيركسون وهو أحد تلاميذ المدرسة التحليلية لفرويد وهو على خلاف أستاذه فرويد الذي ينسب الصراعات إلى اللاشعور نسب صراع الهوية إلى منطقة الشعور وسبب ذلك هو سيرة حياته وما تعرض له من عدم قبول المجتمع الأمريكي له كمهاجر من ألمانيا (لقد شعر اريكسون – الطفل ذو الإرث الثقافي المختلط والشاب المهاجر إلى أمريكا – بالإهمال والهامشية من قبل المجتمع, وعاش يبحث عن تكوين هويته يقول عن نفسه: “لقد واجهتُ – كمهاجر- واحدة من أهم عمليات “إعادة التعريف” التي ينبغي ان يقوم بها كل من فقد سمعه ولغته و”مراجعه” التي بنيت على انطباعاته الحسية والعقلية الأولية وبعض صوره المفاهيمية”. وتوضح محادثاته مع نيوتن أنه كان شديد الحساسية لما يرتبط بالمشكلات التي تعانيها جماعات الأقلية عند محاولاتهم لتكوين هوياتهم.

وبدأ يستخدم مصطلح “مشكلة الهوية” لوصف عملية فقد الهوية التي لاحظها لدى الجنود أثناء الحرب العالمية الثانية.

واكتشف إريكسون مشكلة مماثلة لدى المراهقين المضطربين “الذين يحاربون مجتمعاتهم”. وأخيراً فقد أدرك أن مشكلة الهوية تظهر في كافة أنماط الحياة – عادة بمقاييس صغيرة. وعلاوة على ذلك فقد أدرك أن الهوية تعد مشكلة أساسية في العصور المختلفة.. )[8].

من هنا نشأ مصطلح صراع الهوية في علم النفس المعاصر من تلك الأزمة التي مرّ بها إيركسون بسبب اختلاف ثقافته الألمانية عن المجتمع الأمريكي وبسبب خلفيته الفكرية التي تنتمي إلى مدرسة التحليل النفسي الفرويدية التي تعتبر الصراع حتمية لا تنفك عنها حياة الإنسان وتكوينه.

ومعرفة هذا يفيدنا فيما نحن بصدده عند الحديث عن صراع الهوية لدى شبابنا ونحن نحتاج في نفس الوقت لعدد من العلوم المرتبطة بهذه النوع من الصراع مثل علم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ والإدارة والتخطيط والسياسة والإعلام وغيرها لعلاقتها بتكوين الهوية وكذلك إذا أردنا التخطيط لبناء الهوية بطريقة صحيحة.

كما أننا هنا محتاجون لعدد من المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بها مثل الشخصية والتنشئة الاجتماعية والنمذجة والقدوة والمثل الأعلى والأنا والأنا الأعلى والتقمص وتوكيد الذات والمحاكاة والتقليد ومراحل النمو وخصائصه وغيرها من مفاهيم تُسهم في تشكل الشخصية. ولأني أتحدث أمام مختصين في علم النفس فإن هذا سيضع عني عبء شرح تلك المصطلحات وعلاقة تلك العلوم بمجال حديثنا عن الهوية.

وإذا كان تكوين الهوية مرتبط بنظرة الشاب إلى نفسه وما يُتوقع منه فإن ذلك حتماً سيعتمد على طريقة تكون شخصيته والعوامل ذات التأثير في تكون الشخصية ومفهوم الذات.

والشخصية كما يُعرفها بعض المختصين (جُملة السمات الجسمية والعقلية والاجتماعية والانفعالية)[9] أضف لذلك السمات الروحية، وهي (نتاج للعوامل الوراثية والبيئية وموقف الفرد من الحاجات والدوافع ومواقف التعلم والاحباطات… )[10].

فإذا تمّ تكوين الشخصية بطريقة متسقة ومتوازنة فإن ذلك سيقود إلى تكوين هوية متزنة ومستقرة وإيجابية والعكس صحيح وبقدر النقص يكون مستوى الاضطراب الذي تتعرض له الشخصية ومفهوم الذات وتبعاً لها الهوية.

مظاهر اضطراب الهوية لدى شباب العرب:

نحن في زمن العولمة وصراع الحضارات الذي نعيشه وزخم الإعلام وثورة الإعلام الجديد وشيوع مبادئ الرأسمالية وسيطرت الشركات عابرة القارات على الاقتصاد العالمي وتحول العالم إلى قرية صغيرة تتحكم فيها رؤوس الأموال فيما يعرف باقتصاد المعرفة ودخول وسائط ومواقع التواصل الاجتماعي في حياتنا اليومية؛ كل ذلك مع تأخر العرب والمسلمين وضعفهم وبقائهم ضمن العالم الثالث في فئة المستهلكين كل ذلك غيّب التصور الإسلامي الواضح للإنسان والحياة والكون وجعل مبادئ الكثير من الشباب تهتز مما أثّر على هويتهم وجعلها عرضة للتشتت في كثير من الأحيان، والتمزق في أحيان أخرى.

وسأحاول هنا جمع مظاهر تدل على وجود صراع الهوية لدى الشباب من خلال عملي في مجال التربية والتعليم ومشاركتي في الاستشارات النفسية ومن خلال القراءة في الكتب ذات العلاقة، ومن خلال ما يُنشر في الإعلام وأود أن أذكّر بأن هذه المظاهر تختلف حدتها من مجتمع لآخر ومن وضع اقتصادي لآخر ومن أسرة لأخرى ومن شاب لآخر ومن مرحلة عمرية لأخرى كما هي طبيعة الاستجابة النفسية للمؤثرات؛ وأن بعض هذه الصراعات هي التي تستمر وتتطور لتشكل نوعاً من المرض الذي يحتاج إلى تدخل علاجي فيما أكثرها تخف حدته ويزول مع التقدم في العمر والاستقرار على نظرية واضحة في الحياة وغالباً ما يكون ذلك بعد تكوين أسرة وتحمّل المسئولية حيث تنتقل اهتمامات الشاب إلى الجوانب الإيجابية وهذا من رحمة الله بعباده فله الحمد والشكر؛ لكن يبقى دورنا في مجال الوقاية خيرٌ من التأخر حتى نحتاج إلى العلاج.

ومن هذه المظاهر التي رصدتها:

1- الخضوع للعولمة وشيوع السلوك الاستهلاكي: لاشك أن شركات التجارة العالمية بما تملكه من وسائل دعاية ضخمة وموجهة؛ مستمرةٌ في تحويل شبابنا إلى مستهلكين وتحاول أن تقلل ثقة الشباب بأنفسهم وقدرتهم على المشاركة في الإنتاج؛ نعم هذا خارج عن طاقة الشباب وقدرتهم لكن يجب تسجيله لأهميته في تشكيل أنماط سلوك الشباب.: وإن كانت هذه بالأساس إحدى مشكلات دول العالم الإسلامي بسبب ضعفها في الجانب الحضاري لكن تأثر الشباب بها واضح كون المقاومة الذاتية لدى الشباب تنخفض بسبب ضعف إعدادهم وتحولهم إلى مستهلكين وأرقام إحصائية أكثر منهم أفراداً ذوي رأي وقدرة على اتخاذ القرار في قبول أو رفض ما يعرض عليهم من منتجات العولمة وفي النهاية عجزهم أن يكونوا من ذوي القدرة أو التأثير في موجة العولمة مما يجرّ بعضاً من المظاهر التالية.

2- انبهار الشباب بالغرب وولعهم بكل ماهو غربي. وتأثير ذلك على سلوكهم اليومي. ومن مظاهر تأثر الشباب بها إغراق بعضهم في بناء الأجسام حتى يُشكلوا أجسامهم وقد أدى هذا إلى نشوء تجارة رائجة تخصصت في هذا المجال. وقد نسي كثير منهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم) صحيح الجامع.. وقد ذكر بعض العلماء أن المشابهة في الظاهر يتبعها ولو بعد حين مشابهة في الداخل.

3- كذلك من المظاهر شيوع مراكز العناية بالجمال[11]: صحيح أن الإسلام يحب الجمال ويشجع الإنسان عليه كما في حديث: (إن الله جميل يحب الجمال) رواه مسلم.

لكن الأمر تجاوز البحث عن الجمال المحبوب للنفوس؛ وظهر ولع الشباب وخاصة الإناث بتقليد مواصفات الجمال الأمريكي ونشأ لذلك تجارة ومستفيدين من هذا الولع بالجمال كما يظهر على عارضات الأزياء وفاتنات الشاشة؛ وتطور الأمر ليصل بكثير من الشباب إلى تغيير خلقة الله لهم عبر عمليات التعديل المختلفة التي لا تدعو إليها الحاجة وتخالف الشريعة الإسلامية التي تنهى عن تغيير خلق الله وتعده من التعدّي. ناسين أو متناسين أن هذا مجال تحدي الشيطان لعباد الله كما قال تعالى عنه: ﴿ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [النساء: 119، 120].

4- الشهرة والسعي إليها بكل وسيلة من مظاهر صراعات الهوية لدى عدد من الشباب حيث تأثر بعضهم بما تروجه وسائل الإعلام ولاشك أن كثيراً من مركبات النقص والشخصيات الهستيرية تعززها مثل هذه الدعوات للحاق بركب المشاهير. وهو سلوك ينافي آداب الإسلام كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من عبدٍ لبس ثوبَ شهرةٍ إلا أعرض اللهُ عنه حتى ينزعَه)[12].

5- المبالغة في العناية باللغة الإنجليزية والحرص على تعلمها في سنّ مبكرة أكثر من تعلم لغة القرآن الكريم. غافلين عن أن (اللغة العربية لغة دين تستجيب لا للمتطلبات المادية والدنيوية للإنسان فقط؛ بل لمتطلباته الروحية والنفسية والأخروية)[13]. وتقول إحدى الأكاديميات بجامعة جورجيا الأمريكية: أرسلت أحد طلابي لممارسة اللغة العربية في بلد عربي، فعاد مستهزئا وهو يقول: لقد تعلمت الفرنسية بدلاً من العربية) [14]. وهي دلالة واضحة على زهد شبابنا في لغتهم العربية. نعم نحن نحتاج لتعلم اللغات المؤثرة اليوم ولكن يجب ألا يكون ذلك على حساب لغتنا وديننا.

6- إغراق الشباب في الروايات والأدب الغربي: ومع فرحنا بعودة الجيل الناشئ إلى القراءة وحب الكتاب إلا أنها اتجهت فيما يهدم بناء الهوية الصحيح ويحرفها عن مسارها الصحيح ولا يخفى على أحدٍ من المربين ماذا تؤسسه تلك الروايات والأدبيات التي تناقض الإسلام في نفوس الشباب وتسهم في تشكيل شخصياتهم بما يخالف المنهج.

7- الازدواجية السلوكية بين العالم الواقعي والعالم الافتراضي: فتجد أن بعضاً من الشباب يحاولون أن يظهروا بغير صورتهم الحقيقية في وسائل التواصل الاجتماعي ليعوضوا مركبات النقص التي يشعرون بها على مثال تلك القصة الأدبية( أنا لا أكذب لكني أتجمّل). وإن كان علم النفس الحديث ينفي ازدواجية الشخصية كمرض لكن يبدو أنه إذا استمر الحال على ما هو عليه الآن فسيصنف كمرض وذلك حين يتبدى الفرد لمن حوله بشخصيتين إحداهما واقعية والأخرى افتراضية وفي البداية يمكن أن يرواح بينهما بوعي لكن الإغراق في ذلك سيجعلهما تتداخلان ويدل على ذلك ما يظهر في سلوكيات من يُعرفون ب “نجوم الإعلام الجديد”.

8- ضعف الثقة في النفس وعدم القدرة على تحمل المسئولية: من مظاهر صراع الهوية وهي ظاهرة يشتكي منها كثير من الآباء ويبدو أن ذلك عائد بالأساس لنمط الحياة المدنية وتهميش دور الشاب حتى يتخرج من الجامعة حيث لا يُعد إنساناً مستقلاً ذا قيمة إلا بعد سن الثالثة والعشرين وهنا يكون قد تعدى مراحل تكوين الشخصية المهمة ويصعب تعديل ذلك لفوات المرحلة العمرية المناسبة لتعلم الاعتمادية. [15]

9- عقوق الوالدين: وهو مظهر من عدم تشكل الهوية بطريقة سليمة. وصراع الأجيال مسألة يعرفها المختصون. والتهاون في ذلك نذير خطر على الشباب لأن الله عز وجل قرن رضا الوالدين برضاه. قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23].

ومن خلال مشاركتي في العديد من الاستشارات الأسرية لاحظت زيادة الشكوى من عقوق الأبناء وصحيح أن أكثر هذه الحالات لم تبلغ الإيذاء الجسدي لكنها تصنف ضمن مشكلة العقوق.

10- السلوك المضاد للمجتمع: مثل إتلاف الممتلكات العامة والمرافق وهو دليل على ضعف الانتماء لمجتمعه حيث لم يتضح له التكامل في تكوين هويته بين دوره الحقيقي وعلاقته بما يتوقعه منه مجتمعه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) رواه البخاري

14-القلق العُصابي: (رغم أن القلق غالباً ما يكون عرضاً لبعض الاضطرابات النفسية إلا أنه قد يصبح هو مرضا في حدّ ذاته،وهو أشيع حالات العصاب.. ويمثل قرابة 30%-40% من الحالات العصابية وهو أشيع بين الإناث والطفولة والمراهقة وسن القعود والشيخوخة.. ومن أسبابه: مواقف الحياة الضاغطة والضغوط الحضارية والبيئة الحديثة ومطالب ومطامح ومطامح المدنية المتغيرة.. نحن نعيش عصر القلق.. )[16].

15-ومن المظاهر المرضية لصراع الهوية القلق الوجودي: وهو مركب من القلق والاكتئاب بسبب رؤية الشاب ما يعجز عن تفسيره من انحرافات في الحياة أو تضاد بين الأحداث المختلفة. ( والقلق الوجودي شكل آخر من الاضطرابات الانفعالية التي دخلت مسرح علم النفس حديثا. وهو مثل الاكتئاب من حيث أن الشخص تتملكه مشاعر بأن الحياة عبث ولا قيمة لها، ويفقد إحساسه بقيمة كل ما يفعله. وهو أيضا كغيره من أنواع العصاب الأخرى له اضطراباته الوجدانية، والفكرية والسلوكية. فمن الناحية الوجدانية، يكون الشعور الغالب هو الإحساس بالملل والفراغ ومشاعر بالاكتئاب المتقطع. ومن الناحية الفكرية تسيطر على الشخص أفكار بأن الحياة لا معنى ولا ضرورة لها. أما من الناحية السلوكية، فإن الشخص يصبح غير مكترث للقيام بأي نشاط، أو أن يمضي في حياته. ولكن أهم من هذا هو التبريرات الفلسفية التي يحيكها الشخص بمهارة مبرراً بها إحساسه ومشاعره وتقاعسه عن أداء نشاطاته المعتادة. والقلق الوجودي كالاكتئاب من حيث أن كليهما يحكمهما الإغراق في الحزن، ومشاعر الاغتراب، واللاجدوى. لكن ما يغلب في حالات القلق الوجودي هو اللاإكتراث وغياب المشاعر القوية، وفقدان الإحساس بوجود أي معنى للحياة.. )[17].

16- من مظاهر (صراع الهوية المرضي لدى الشباب الإدمان على الكحوليات، والمواد المخدرة: حيث يرجع ذلك إلى خلل الهوية الذاتية للفرد داخل منظومة الجماعة، خاصة داخل منظومة الأسرة، حيث القمع أو التدليل الزائد مما لا يعطى الفرصة إلى بناء هوية نفسية مستقرة فى المراهقة.. ) [18].

(وأسباب مُعاقرة العقاقير وإدمانها: قد يبدأ الشخص بمُعاقرة العقاقير لأسباب كثيرة، فقد يُجرّب الشخص العقاقير مثلاً لأنه يرغبُ بتغيير حالته العاطفيّة، أو كي “يشعر بالراحة”. تعاطي العقاقير قد يجعل الشخصَ يشعرُ بالراحة لفترة قصيرة. وهذا هو أحد أسباب استمرار المُتعاطين بأخذ العقاقير؛ العقاقيرُ قد تمثلُ مَهرباً سهلاً من الواقع. فهي قد تُساعدُ الشخص على نسيان مشاكله الشخصية، غيرَ أنَّ الشعورَ بالراحة المُصاحبة لمعاقرة العقاقير لا يدوم. عندما ينتهي هذا التأثيرُ للعقار في نهاية الأمر، قد يترك المتعاطي في حالة أسوأ ممّا كان قبلَ مُعاقرة العقار.. )[19].

17- وكذلك من مظاهره المرضية اضطراب الهوية الجنسية[20]: وهو من الاضطرابات التى نتجت عن انقسام هوية الفرد بين شقى النوع أو الجنس، وقبول الدور الملائم لهذا النوع، خاصة داخل مجتمع الأسرة، فيفقد الابن نموذج الأب القدوة، فتختل هويته مع جنسه العضوى أو البيولوجى، فيتخذ سلوكاً لا يتفق ونوعه، وبالمثل الابنة حين يتساوى فى نظرها دور نموذج الأب مع دور نموذج الأم، بل وفى بعض الأحيان سيطرة نموذج الأم، فتختل هويتها..

18-انتشار وحل الجنس والهوس الجنسي: نلاحظ ذلك في سلوك الشباب والشابات وهذا مرتبط بصلة وثيقة بصراعات الهوية بين ما تعلمه الشباب من دينهم وبين ما يتعرضون له من مؤثرات وما لم يكن لدى الشباب رصيد من التأسيس الإيماني فإنهم عرضة للتلوث بوحل الجنس. لا سيما مع سهولة الوصول إليه وصعوبة الزواج وتأخره والعنوسة عند البعض.

19-انتشار الشباب المثليين: (يرى كثير من الباحثين، ان الانحرافات الجنسية هي نوع من حدوث خلل في عملية التعلم، والذي يتم فيه الربط بين تجربة جنسية جيدة مع فعالية منحرفة، الامر الذي من شانه ان يسبب حاجة داخلية للقيام بتجربة مماثلة… )[21] ومثل هذا السلوك المنحرف مسجل في الدراسات النفسية وانتشاره في دول العالم الأول من أهم أسباب شيوعه كظاهرة عالمية؛ وإن كان شبابنا مسلمون ويعدون من يفعل ذلك شاذاً لكن أثر العولمة ظاهر، لا سيما بعد إقرارها رسميا في الولايات المتحدة الأمريكية ولا يُجهل أثر الثقافة الأمريكية وتغلغل الإعلام الأمريكي وسطوته عالمياً؛ والمثلية لن تأتي وحدها بل ستصحب معها الظاهرتين الآتيتين:

20-الدعوة إلى ديانة العصر الجديد[22]: ديانة العصر الجديد إحدى الديانات الحديثة نسبيا وهي ديانة تلفيقية تجمع بين ديانات العالم أجمع الشرقية والغربية والأديان السماوية لكنها متأثرة بشكل كبير بالمذاهب الفلسفية والصوفية. ولهذا فإنك ستجد لديهم خليط وأمشاج من كل دين. وديانة العصر الجديد تأخذ من كل ديانة ما يعجبها ولا يحتكم أصحابها إلا إلى ذوقهم وأهوائهم وما تبلغه عقولهم-القاصرة- ويصدق عليهم قول الله عز وجل: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ﴾ [الفرقان: 43]

21-ظهور الدعوة إلى الإلحاد[23]: بجميع أشكاله وألوانه ونتذكر جميعاً كيف صُدمنا لما نُشر في الإعلام عن عبدة الشيطان الذين قُبض عليهم في بعض البلاد العربية وهي إحدى إفرازات الإلحاد بمفهومه الواسع؛ إن الإلحاد ظاهرة عالمية بلا شك وحسب الدراسات الحديثة فإن نسبة الإلحاد بين سكان العالم تصل إلى السدس. إذ تفيد بعض الإحصاءات الغربية أن بين كل ستة أشخاص في العالم يوجد ملحد واحد وهذه نسبة كبيرة جدا وقد فرضت نفسها على المستوى العالمي في الوقت الراهن. ومع عدم وجود الممانعة المناسبة لتحجيم ضغوط العولمة وإغراءات الحياة المادية وتفشي الرأسمالية وزخمها الإعلامي القاهر أضف إلى ذلك أن مجتمعنا في غالبيته مكون من الشباب، فربما كان هذا سبباً كبيراً في تأثر شبابنا بالجوانب السلبية للعولمة ومن أشدّها خطر الانحلال الأخلاقي في جانب السلوك والانحلال الفكري في جانب المعتقد وفي الغالب أنهما وجهان لعملة واحدة إذ أن الإباحية تصاحب الإلحاد. لهذا فإن الوضع إن استمر على ما هو عليه فإن مجتمعنا رغم تدينه إلا أنه مرشح وبقوة لأن يصبح الإلحاد فيه ظاهرة بين الشباب.

وحين نتأمل في تلك المظاهر السابقة نجدها آخذ بعضها برقاب بعض وبعضها يجرُّ بعضاً لكن مربط الفرس فيها هي ضعف التربية الإيمانية وضعف الإعداد النفسي للشاب وقوة المؤثرات في الجانب الآخر مع فقد الثقة في النفس وضعف الدعم من قبل مؤسسات المجتمع وانشغال أكثرها عن حاجات الشباب وقوة نفوذ مفاهيم العولمة.

تكوين الهوية فطرة أم صراع نفسي أم أزمة حضارية؟

“أسباب المشكلة”

لم يكن تكوين الهوية يُعدّ مشكلة لدى الأجيال السابقة. فلماذا أصبح الآن مشكلة؟

ذلك لأن المجتمعات كانت بسيطة وصغيرة وشبه مغلقة على نفسها وكان مصدر التلقي في المجتمع واحد يخضع له جميع أفراد المجتمع ويدينون له بالطاعة وتشكل سلوك المجتمع كله بناءاً على ذلك المصدر، وكان كل فرد في المجتمع له قيمة ودور منوط به فيشعر بقيمته ويساهم بما يُوكل إليه من مهام ولم يكن هنالك فصلٌ في جوانب الحياة التي يعيشونها بين مؤسسات التربية والأسرة والاقتصاد والعبادة بكل كانت كلها موحدة وتمارس في وقت واحد ولم تتعرض تلك المجتمعات لضغوط المدنية الحديثة ولا وسائل الإعلام ولهذا لم تعرف مشكلة الصراع في تكوين الهوية فهويتهم كلهم ذات أصل واحد يشتركون فيه ولا يشذ عنه أحد ولو حدث ذلك فإن المجتمع يمارس قوانين ضبط لتعيده للتوافق مع مجتمعه، أو نفيه منه في حالات نادرة تأبى.

ومن هنا يتضح لنا عدة أمور في الإجابة وهي:

1- المجتمع كله متضامن ومتفق على هوية واحدة ومصدر التلقي لديه واحد.

2- كل فرد يشعر بقيمته وأنه يؤدي وظيفة في الحياة من خلال مشاركته في العمل والإنتاج مهما كان بسيطاً.

3-لم تتعرض تلك المجتمعات لضغوط الحضارة المدنية المعاصرة.

4- مؤسسات المجتمع كلها مجتمعة ولا يوجد فصل بين مؤسسات التربية عن الأسرة ويشتركون في النمط الاقتصادي.

أما في عصرنا الحاضر فإن مشكلة البحث عن الذات تُعدّ من أهم المشكلات التي قد يمر بها الشاب في ظل التغيرات التي تصحب مراحل نموه وتكوين نظرته للحياة مع الصراع بين ما يتعلمه من مبادئ وأخلاق وبين ما يواجهه في واقع الحياة وهذا قد يتطور لدى البعض ليصبح صراعاً يحتدم في نفسه ويبقى سنوات حتى يستطيع أن يتجاوزه خاصة إذا افتقد التنشئة الصحيحة ولم يُوفق بقدوة عملية تمثل مبادئ الإسلام ليراها واقعاً يمكن أن يعيشه.

وقد يتطور بفعل ضغط الإعلام لأزمة هوية وهي ضمن المشكلات المصنفة نفسياً التي يقوم التوجيه والإرشاد النفسي بوضع طرق لعلاجها وتجاوزها.

فما هي الأسباب التي جعلت هذه المشكلة الصغيرة التي يمر بها الشاب تتحول إلى أزمة،هنالك عدد من الأسباب من وجهة نظري يمكن أن نستخلص شيئاً منها من المظاهر السابقة مثل:

1- ضعف التربية الإيمانية وعدم معرفة كثير من النشء للتصور الإسلامي للحياة والوجود.

2- طبيعة تكوين النفس الإنسانية وعوامل الصراع مع الشيطان.

3- تأخر الأسرة عن القيام بدورها المنوط بها في تكوين شخصية أبنائها.

4- عجز المدرسة والمؤسسات التربوية في شكلها المعاصر عن إشباع حاجات النمو التي تهيئ التوازن لعناصر الشخصية.

5- عدم شعور الشباب بقيمتهم وأهميتهم في الحياة وتعطيل دورهم عن المشاركة في المسئولية حتى ينتهوا من التعليم الجامعي؛ مما يؤدي إلى شعورهم بالتهميش.

6- قوة الزخم الإعلامي وما يروجه من أنماط جديدة للحياة.

7- ضغط العولمة على المجتمعات النامية.

8- سرعة التحولات الاقتصادية.

9- ظهور ما يعرف باقتصاد المعرفة وما يتبع ذلك من أثر على سلوك الشباب وتوجهاتهم نحو مستقبلهم؛ وقد يتساءل بعضهم لماذا نتعلم ونتعب ونحن نستطيع من خلال نجومية الإعلام الجديد على أن نحقق أفضل مما نحققه في العمل الجادّ؟

10- سيطرة الشركات العالمية العابرة للقارات وممارستها الضغط على شعوب العالم.

11- عجز العالم العربي عن المنافسة وتشتته وعدم اجتماع كلمته.

12- انتشار الترف في بعض المجتمعات.

13- تدني مستوى المعيشة وزيادة الفقر في مجتمعات أخرى.

14- ارتفاع مستوى البطالة لدى الشباب بنوعيها الحقيقية والمقنعة.

15- انتشار التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي وسهولة الانفتاح على الآخرين وهذا التبادل الثقافي سلاح ذو حدين.

16- عجز كبار السن ومؤسسات التعليم في العالم العربي عن مواكبة التغيرات التقنية السريعة وظهور لغة جديدة لدى الشباب ومصطلحات يومية لا يستوعبها الكبار.

17- ظهور وسائل جديدة وسريعة للشهرة.

18- تحقيق بعض الشباب مصادر دخل والإثراء السريع من العمل في التقنية فتح باباً جديداً للطامحين وما قد يصاحب ذلك من إشكالات شرعية واجتماعية.

تكوين الهوية فطرة أم صراع نفسي أم أزمة حضارية:

يقول أحد علماء النفس المسلمين المعاصرين: (إن المراهقة ليست بالضرورة مرحلة أزمة وعاصفة، إنها تتحول إلى عاصفة وشدّة إذا أراد لها المجتمع ذلك)[24].

وفي كتاب أشهر خمسين خرافة في علم النفس سجل المؤلفون الخرافة رقم 7 تحت عنوان: (المراهقة هي حتماً مرحلة اضطراب نفسي). وعزا هذا الفهم الخاطئ إلى ما أسماه علم النفس الشعبي الذي تتناوله الكتب التجارية والأفلام التي تعزف على السلوك الشاذ يقول في معرض هذا: (ولأن الكتب والأفلام تركز على حكايات المراهقين المضطربين أكثر بكثير من تركيزها على المراهقين الأسوياء إذ أنه من غير المحتمل أن يصنع فيلم من أفلام هوليوود يتحدث عن مراهق سوي تماماً قصة مشوقة، ناهيك عن أن يحقق إيرادات ضخمة.. )

(وقد ذكر بعض الباحثين أن مدرسة التحليل النفسي كانت سبباً في شيوع هذا الفهم لدفع المراهقين إلى وحل الجنس وتبعتها المدرسة السلوكية في مرحلة تالية.

إن الأدلة تتوافر على أن الكُتاب بالغوا في كثرة أزمات الهوية وخطورتها بين الشباب. كما قاله جمع من الباحثين النفسيين في جامعة هارفرد وجامعة كالفورنيا وجامعة كلورادو..

ولذلك توصل بعض الباحثين المسلمين إلى أن أزمة الهوية المنتشرة إنما هي أزمة المراهق الأمريكي في الدرجة الأولى.. تنتقل إلينا عبر وسائل العولمة والضخ الإعلامي وللأسف عبر بعض المختصين الذين لا يحسنون سوى النقل عن الدراسات الأمريكية.. ) [25]

ولهذا أؤكد في هذا البحث على أن مشكلات تكوين الهوية لدى الشباب هي مشكلات صراع حضاري قبل أن تكون صراعاً نفسياً وكلما كان المجتمع ذا مناعة أكبر كلما قلت معاناة الشاب في أثناء رسمه لملامح شخصيته وتكوين هويته.

وهنا قضية مهمة يجدر بنا أن نتنبه لها حينما نتحدث عن تكوين الهوية وأهمية بناءها بطريقة سوية أن بعض علماء النفس قد عدّها ضمن الدوافع النفسية: (بل ذهب بعضهم مثل إيرك فروم إلى القول بأن بعض الدوافع النفسية والتي يسميها فروم الحاجات النفسية مثل الحاجة إلى الانتماء والحاجة إلى السمو والحاجة إلى هوية والحاجة إلى إطار للتوجيه هي حاجات فطرية أساسية في طبيعة الإنسان وهي ليست مكتسبة من المجتمع… ) [26].
العلاج

في ما سبق تناولت مشكلة تكوين الهوية وما يتعلق بها من مشكلات ووصفتها بالصراع لشيوع ذلك الوصف في أدبيات الدراسات النفسية وإن كنت شخصيا أفضل وصف القلق لأنه أدق تعبيرا في وصف المشكلة..

وعلى كلٍ فحين تناولت أسباب صراع تكوين الهوية فقد حاولت أن أفرق بين أقسامها إذ أن منها ما يتعلق بالمجتمع والصراع الحضاري وأثر العولمة ومنها ما يتعلق بالأسرة ومنها ما يتعلق بالشاب نفسه وما يتعلق بالجانب الغيبي من خبايا النفس وأثر الشيطان على سلوك الإنسان.

وهنا سأحاول أن أقيد ما ظهر لي من وسائل العلاج وفق نفس الأقسام كالتالي:

أولاً: وسائل العلاج على مستوى المؤسسات المجتمعية:

بدأت هنا في وسائل العلاج بالجانب الاجتماعي المؤسسي قبل الجانب الفردي للتذكير بواجبات مؤسسات المجتمع في الحياة المدنية الحديثة كما أود أن أذكر بضرورة العناية ببناء التصور الإسلامي الصحيح لدى النشء حول الإنسان والحياة والكون لأن هذا يختصر كثيراً من جهود العلاج المعرفي. كما يجب أن نعتني بالوسائل التالية التي تسهم في علاج ظاهرة صراع الهوية وبعضها يمنع حدوثها من الأصل بشكل وقائي فاعل:

1- العناية بالتنشئة الاجتماعية كهدف استراتيجي للمجتمع: إن التنشئة الاجتماعية التي لا تكتمل معها الشخصية ولا تتكون فيها الهوية بشكل صحيح ولا يتم بناء تقدير الذات فيها بطريقة متزنة تعني ظهور جيل ضعيف لا يعتمد عليه . ولهذا فإن التخطيط للتنشئة الاجتماعية الصحيحة يجب أن يكون إحدى اهتمامات التخطيط الاستراتيجي للمجتمعات لأنه سيوفر عليها الكثير في الجوانب الأمنية وجوانب الرعاية الصحية وبناء المجتمع المنسجم. والتخطيط للتنشئة الاجتماعية الصحيحة لابد أن يشمل كل المؤسسات المؤثرة فيها وعلى رأسها الأسرة والمدرسة والإعلام والمساجد لتسير جميعها في خطة متوازنة يخدم بعضها بعضاً ويتمثل فيها مبدأ الجسد الواحد. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنينَ: في تراحُمِهم، وتوادِّهم، وتعاطُفِهم، كمثلِ الجسدِ، إذا اشتَكى عضوًا، تداعى لَه سائرُ جسدِه بالسَّهرِ والحمَّى) رواه البخاري.. فهل يمكن في العصر الحديث أن يصبح المجتمع كالجسد الواحد دون تخطيط استراتيجي؟.

2- تفعيل دور التعليم: إن غياب التعليم العام والعالي عن دوره في عملية التنشئة الاجتماعية واقتصاره على التلقين والتركيز على الجوانب المعرفية فقط دون اهتمام بحاجات النمو ومطالبه في الجوانب الأخرى. فلا يوجد في مؤسسات التعليم بناء قيمي وإيماني عملي ولا سلوكي، نعم هنالك اهتمام بالقيم في الجانب المعرفي لكن أثره ينتهي بمجرد خروج الطلاب من قاعة الامتحان. وهنا يعجبني أن أستعرض تجربة حية قام بها أحد الصالحين وعرض دواعيها بنَفَسِ المسلم الصالح الحريص على جعل مؤسسات التعليم تتجاوب مع أهداف الحياة بشكل متناسق في كتاب “بعنوان لماذا نتعلم؟”[27]. وأنا أدعو المسئولين عن التعليم إلى الاطلاع على تجربته وهي حية تشع بالأمل وتُسخر نمط الحياة المدنية المعاصرة لخدمة عمارة الأرض.

3- المساهمة في بناء الأسرة بطريقة صحيحة: عدم بناء الأسرة بطريقة صحيحة له أثر في نشأة الشباب لأنها المحضن الأول وهي أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية على الإطلاق وعدم قيامها بدورها على الوجه الصحيح يضطر المجتمع لدفع ضريبة عالية في مستقبل الأيام.

وفي بعض الأحيان يتزوج الشاب والشابة وهما لا يعرفان شيئاً عن الحقوق الزوجية ولا طرق تربية الأبناء، فيكون نتاج مثل هذه الأسرة معرضاً لمشكلات صراع الهوية. أضف لذلك أن الأب والأم مشغولان بالوظيفة والسعي لتدبير وسائل العيش مما صنع فراغاً مهماً لا يستطيع أحدٌ ملئه وإذا عادا إلى البيت عادا منهكين متعبين يبحثان عن الراحة فماذا سيبقى للتربية وبناء هوية الأطفال؟

قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت) رواه أبو داود

يقول شوقي:

لَيسَ اليَتيمُ مَنِ اِنتَهى أَبَواهُ مِن
هَمِّ الحَياةِ وَخَلَّفاهُ ذَليلا
فَأَصابَ بِالدُنيا الحَكيمَةِ مِنهُما
وَبِحُسنِ تَربِيَةِ الزَمانِ بَديلا
إِنَّ اليَتيمَ هُوَ الَّذي تَلقى لَهُ
أُمّاً تَخَلَّت أَو أَباً مَشغولا

4- دور الأسرة في تكوين هوية الأبناء:

كل الناس سواسية من حيث أصل خلقهم وتتداخل مؤثرات الوراثة والبيئة في تشكيل الناتج النهائي الذي يميز الفرد عن غيره حديث كل مولود المشهور أصل في بيان قوة أثر الأسرة في تشكيل هوية أبنائها وإذا صلحت الأسرة تبعها رقيٌّ بالفطرة؛ وإذا لم تصلح فإن انحرافاتها ستنعكس مباشرة على أبنائها .

قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (ما من مولودٍ إلا يولَدُ على الفِطرَةِ، فأبواه يُهَوِّدانِه، أو يُنَصِّرانِه، أو يُمَجِّسانِه، كما تُنتَجُ البهيمةُ بهيمةً جَمعاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها من جَدعاءَ . ثم يقولُ أبو هُرَيرَةَ رضي الله عنه: ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ) رواه البخاري

إن “بناء الإنسان عمل مدهش وأخاذ وذو نمطية متنوعة وممتدة بشكل لا يكاد يتناهى. فكل فرد هو عالم قائم بذاته وبمقدار ما تحيط به القوانين تحف به الخصوصية ويشع من داخله الثراء. وبناء الأطفال بالذات عالم خصب ممرع كلما أجاد فيه المربي تألقت التحفة البشرية التي بين يديه .. ومن القضايا الكبرى في تربية الأبناء تكوين هويتهم وذلك من خلال العناية بخمسة أمور هي:

١- من أنا: تحديد الهوية.

٢- أُشبه من أنا: تحديد الانتماء.

٣- من أتّبع: تحديد القدوة.

٤- كيف أتصرف: تحديد الهدف المرحلي.

٥- ما قيمة ما أفعله: تحديد الهدف النهائي. “[28].

4- المسجد إحدى مؤسسات التنشئة الاجتماعية: وله رسالة سامية في بناء الهوية الإسلامية وربط الناس بالقرآن الكريم والسنة النبوية ولكن هل يمارسها القائمون على المساجد بطريقة مناسبة؟

حسب علمي إن القليل من يعتني بالتربية من خلال المسجد وللأسف فإن خُطبة الجمعة لم يستفد منها على الوجه الأكمل في بناء المجتمع المسلم؛ نُقل عن الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله أنه قال: (خطبة الجمعة لو أُحكم أمرها وجاءت على وجهها لحققت انقلاباً في الأخلاق والعادات في ثلاثة أشهر) وهذا صحيح وتخيل لو بذل هذا الجهد لزرع خلق الرقابة الذاتية ومراقبة الله عز وجل سراً وعلناً في الناس فكيف سينقل المجتمع نقلة بعيدة تعجز عنها مؤسسات أخرى. وتخيل لو ركزت على الاهتمام بالنظافة ووجوب المحافظة على نظافة البيئة فأي أثر يمكن أن تحققه خلال فترة وجيزة. والدليل على أهمية خطبة الجمعة أن المسلمين في صدر الإسلام لم تكن لديهم دورٌ للتربية ولا مؤسسات إعلامية ولم يكن هنالك وسيلة عامة للتربية والتعليم إلا خُطبة الجمعة ومن خلالها تم تعديل سلوك كثير من أعراب الجاهلية الذين يقتل بعضهم بعضاً ليصبحوا مؤمنين بررة يرحمون صغيرهم ويوقرون كبيرهم ويعرفون لعالمهم حقه ويدينون بالسمع والطاعة لأمرائهم في خلال عقد واحد من الزمن.

5- إبراز نماذج القدوة المؤثرة في الشباب في مؤسسات المجتمع وفي الإعلام: حدد الله عز وجل نموذجاً تاماً بلغ درجة الكمال الإنساني التي لم يصلها أحد غيره وهو نبينا عليه الصلاة والسلام وأمرنا ربنا تبارك وتعالى باتخاذه قدوة: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]. ولاحظ أن الآية ربطت الاقتداء بالنبي مع اليوم الآخر ومع ذكر الله عز وجل ويوضح هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كلُّ أمتي يدخلون الجنةَ إلا من أبى. قالوا: يا رسولَ اللهِ، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنةَ، ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري

لهذا فمن الواجب أن نبرز جوانب القدوة الصحيحة التي تدخل ضمن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وتقريبها إلى النشء من خلال القصص والأفلام وسلوك الآباء وسلوك المعلمين إن أثر القدوة مهم للصغار حين يتمثلوها في سلوكهم فهم حين يرون تطبيقاً عملياً للقيم التي يُربون عليها يبادرون إلى تقليده ومحاكاته دون حاجة لأمرهم به كما في مراحل تشكل السلوك الأولى. إننا حين ننجح في هذا فإننا سنقدم خدمة للإنسانية كلها لأن ديننا قائم على الرحمة والرفق والحياء وغيرها من الأخلاق الفاضلة.

6- توفير وسائل وإمكانات ومؤسسات تساعد الشباب على الشعور بقيمتهم ودورهم الإيجابي في الحياة: من أسوأ المشاعر السلبية التي يُشعر بها الشباب هو الشعور بالتهميش وتركيز المجتمع والأسرة على تلبية حاجاتهم المادية فقط والغفلة عن حاجتهم لما يملأ أنفسهم وأوقاتهم بالمشاعر الإيجابية التي تُشعرهم بكينونتهم وتعطيهم تأكيداً على قيمتهم في الحياة من خلال توفر أدوار مناسبة لهم ومخطط لها بما يدعم المجتمع، وإلا كانت النتيجة ما نراه الآن من سلوك مضاد للمجتمع ولا مبالاة وافتعال صراع بين الأجيال؛ وهنا لا بد أن تتدخل مؤسسات رعاية الشباب والنوادي الرياضية والاجتماعية والثقافية والأدبية مع رؤوس الأموال ومؤسسات التربية لتملأ هذا الفراغ.

وإلى متى تبقى مؤسسات رعاية الشباب في مجتمعاتنا تنفق ميزانياتها المليارية لرعاية عدد قليل لا يُشكل 1% من شباب المجتمع للمشاركة في المسابقات الداخلية والدولية؟

أعتقد أنه حان الوقت لإعادة بناء خريطة اهتمامات الأندية الشبابية لأهدافها وخططها وفي ذلك فوائد صحية واجتماعية وأمنية لا تخفى على المهتمين بشؤون الشباب.

ثانياً: وسائل العلاج الفردية[29]:

مع أن المشكلة قائمة بالدرجة الأولى على الصراع الحضاري والمدافعة بين الأمم إلا إننا لابد أن نساهم على المستوى الفردي سواءً كنا مختصين في علم النفس من خلال التوجيه والإرشاد أو مربين من خلال التنشئة الاجتماعية والقدوة الحسنة لنساعد في تجاوز تلك المشكلة التي قد يعاني منها بعض الشباب وقد تتطور عند بعضهم لتصبح سبباً في المرض النفسي؛ ولنساهم في استقرار الشباب النفسي في وقت مبكر ولنجنبهم تجارب المحاولة والخطأ التي ربما يمرّ بها بعضهم وهذه من أولويات مهام التوجيه والإرشاد النفسي التي نهتم بها كمختصين في الجانب الوقائي قبل أن نحتاج إلى الجانب العلاجي ودرهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج. ولنركز في توجيه الشباب والأسر على العناية بالجوانب التالي:

1- اعرف نفسك جيداً: مساعدة الشاب لمعرفة نفسه والاستبصار فيها أولى دعائم الصحة النفسية قال تعالى: ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات: 21] الذاريات ونحن من خلال ممارساتنا في التوجيه والإرشاد نجد أن كثيراً من المشكلات التي يعاني منها كثير من الناس إنما تأتي من جهلهم بحقيقتهم وحقيقة الآخرين؛ وكثير من المشكلات النفسية لدى الناشئة تعبر عن ذوبان تام في الآخرين أو رفض تام لهم.

2- كن أنت نفسك ولا تقلد غيرك وركز على جوانب قوتك: فأنت لم تُخلق عبثاً ولا لتكون صورة من إنسان آخر وإنما أعطاك ما أعطى الآخرين من مواهب لتبني ملامح شخصية مستقلة ومفيدة. وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللَّهِ منَ المؤمنِ الضَّعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِص على ما ينفعُكَ، واستِعِن باللَّهِ ولا تعجِزْ، وإن أصابَكَ شيءٌ، فلا تقُل: لو أنِّي فعلتُ كان كذا وَكَذا، ولَكِن قل: قدَّرَ اللَّهُ، وما شاءَ فعلَ، فإنَّ لو تَفتحُ عملَ الشَّيطانِ) رواه مسلم

3- اشترك في أنشطة اجتماعية مفيدة وساهم في الأعمال التطوعية: لتكتسب ثقة بنفسك ولتشعر بأن لك قيمة في الحياة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفعُهُمْ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ تُدخِلُهُ على مُسلِمٍ، أو تَكشِفُ عنهُ كُربةً، أو تَقضِيَ عنهُ دَيْنًا، أو تَطرُدَ عنهُ جُوعًا، ولَأَنْ أمْشِيَ مع أخِي المسلمِ في حاجةٍ أحَبُّ إليَّ من أنْ أعتكِفَ في المسجدِ شهْرًا، ومَنْ كفَّ غضَبَهُ، سَتَرَ اللهُ عوْرَتَهُ، ومَنْ كظَمَ غيْظًا، ولوْ شاءَ أنْ يُمضِيَهُ أمْضاهُ، مَلأَ اللهُ قلْبَهُ رضِىَ يومَ القيامةِ، ومَنْ مَشَى مع أخيهِ المسلمِ في حاجَتِه حتى يُثْبِتَها لهُ، أثْبتَ اللهُ تعالَى قدَمِه يومَ تَزِلُّ الأقْدامُ، وإنَّ سُوءَ الخُلُقِ لَيُفسِدُ العملَ، كَما يُفسِدُ الخَلُّ العَسَلَ) صحيح الجامع.. ومما يتفق عليه المختصون النفسيون أن من أهم العوامل المساعدة في علاج عدد من المشكلات النفسية المشاركة في الأعمال التطوعية والتي تحدد لها أنشطة وساعات ضمن خطة العلاج النفسي التي تصمم لعدد من أنواع العلاج النفسي في بعض الحالات.

4- وجود الأصدقاء مهم ونوعيتهم أهم: وطريقة انتقاءك لهم ستحدد مصيرك في الدنيا والآخرة؛ فمن صاحب الناجحين نجح ومن صاحب المدنين أدمن، قال تعالى في وصف لمشهد الأصدقاء السيئين في الآخرة: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴾ [الفرقان: 27 – 29].

ومن الأصدقاء الجدد في عصر العولمة أولئك الأصدقاء الافتراضيين الذين يصاحبهم الشاب أوقاتاً طويلة من خلال وسائل الإعلام وقنوات البث الفضائي ومن خلال الشبكة العنكبوتية والذين يوجهون سلوكه ويصوغون هويته بقوة أكثر تأثيراً من أسرته ومدرسته؛ ويصدق عليهم وصف الخليل الذي نبهنا عليه النبي صلى الله عليه وسلم: (المرءُ على دينِ خليلهِ، فلينظُرْ أحدكُم من يُخالِلْ) البغوي في شرح السنة.

5- تعلم التفكر وممارسته دائماً تساعد الشاب على تجاوز أزماته: التفكر من العبادات التي تساعد الإنسان في نموه الخلقي وتصحيح أفكاره واتجاهاته ومساره وهي من الصفات التي مدحها الله وتعدّ من أجلّ العبادات لما تحققه من كمال الإيمان بالله تبارك وتعالى كما قال عز وجلّ: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 190، 191] .. ومن صفات النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان كثير الصمت دائم الفكر والتفكر يعطي الشاب ما يشبه جرد حساب ليعيد تأمل سلوكه وتصرفاته ويعيد تنظيم بناءه المعرفي مرة بعد أخرى وكثيراً ما يُستخدم هذا الأسلوب من خلال العلاج السلوكي المعرفي.

6- المحافظة على الحياة المتوازنة: من خصائص الشباب الحماس وسرعة الاندفاع وإذا أحب شيئاً صرف كل وقته وجهده فيه مما قد يسبب له ارتباكاً ينتج عنه خلل في جوانب حياته الأخرى فلابد هنا أن يتعلم الشاب كيف يوازن بين حاجاته وإمكاناته وبين طموحاته وواقعه؛ كما ينبغي أن يعتني بنمط حياة صحي ينظم فيه نوع غذاءه وأنشطته البدنية وهواياته وواجباته المتوقعة منه؛ ونحتاج إلى تدريب مستمر لاكتساب التوازن في حياتنا من خلال التخطيط والتدريب. وقد جاء في الحديث (الْمُنْبَتَّ لا ظَهْرًا أَبْقَى، ولا أَرْضًا قَطَع) والمنبت المندفع المستعجل.

7- تعلم حلّ المشكلات بطريقة صحيحة: الأسلوب العلمي لحلّ المشكلات هو الأسلوب الوحيد لحلها حلاً واقعياً سليماً، لأنه أسلوب يقتضي الروية والتفكير والنظر إلى المشكلة من جميع نواحيها السارة وغير السارة ووزنها وتحليلها، هذا إلى أنه أسلوب موضوعي يتطلب أن يسترشد الإنسان أولا بالواقع والمشاهدات الموضوعية لا بحالته الذاتية ومخاوفه وشكوكه. أما الأسلوب غير العلمي فقد يخفي المشكلة في الظاهر لتعود شرّاً مما كانت عليه أو لتتمخض عن مشكلات أخرى، لذا حاول أن تحسم مشكلاتك فور ظهورها..

8- أتقن عملك: من سمات الشباب تشتت أفكارهم وضياع جهودهم دون إنجاز حقيقي، فلا تحاول إنجاز ثلاثة أمور في وقت واحد لأن هذا يعني قصورك عن إتقان أي واحد منها، ولو كان شعارك “الكيف قبل الكم” لكان خيراً وأبقى. ففي الإتقان أمانة وشعور بالنجاح والفوز، وهذا أفضل سبيل إلى زيادة الثقة بالنفس، والإتقان لا يعني الإسراف في العمل حتى لا يتحول إلى حيلة دفاعية للتخلص من القلق.

9- ركز جهودك في الحاضر: ولا تكثر من التحسر على الماضي؛ ولا التوجس مما هو آتٍ. إن الوقوع في شرك الحزن على الماضي يسوق إلى الاكتئاب. والوقوع في التوجس من المستقبل يقود إلى القلق. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنَ الهمِّ والحَزَنِ.. ) رواه البخاري.

ثالثاً: الجانب الغيبي وخبايا النفس:

للنفس الإنسانية خبايا بينها الله عز وجل لنتعامل معها وفق الغرض من الحياة الدنيا فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿ فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ﴾ [طه: 117 – 120].

( ففي هذه الآيات إشارة إلى ثلاثة دوافع هامة من دوافع حفظ الذات وهي دوافع الجوع والعطش وتجنب الحرارة (والبرودة) المفرطة. كما تشير هذه الآيات أيضاً إلى دافع حب البقاء ودافع التملك. وتعمل دوافع حفظ الذات في خدمة دافع حب البقاء…

وقد كان دافع حب البقاء ودافع التملك مدخل الشيطان إلى نفس آدم فوسوس له: (هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى)[30]…

وقد سبق معنا أن هنالك لمة للملك ولمة للشيطان بقلب ابن آدم كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ للشَّيطانِ لمَّةً بابنِ آدمَ وللملَكِ لمَّةً: فأمَّا لمَّةُ الشَّيطانِ، فإيعادٌ بالشَّرِّ، وتَكْذيبٌ بالحقِّ، وأمَّا لمَّةُ الملَكِ، فإيعادٌ بالخيرِ، وتصديقٌ بالحقِّ… )

ولا شك أن الإنسان الصالح يتبع لمة الملك ويهيئ لها الحضور المستمر بسلوكه واتباعه المنهج النبوي في حياته؛ في حين أنه إذا نسي وغفل استحضر لمة الشيطان وربما استولى على قلبه وسلوكه بشكل كامل.

وهنا يأتي دور الإنسان نفسه في التوجه نحو الخيرات وتكملة جوانب الكمال في نفسه والحذر من الخطأ والانسياق خلف مكامن النقص.

الخاتمة:

في خاتمة بحثي هذه فإني أرى أن خارطة الطريق المناسبة لتكوين الهوية ولتنمية السلوك الإنساني وبناء الشخصية هو العمل بما جاء في القرآن الكريم من صفات عباد الرحمن في آخر سورة الفرقان وهي صفات ينبغي أن نوليها عناية في عمليات التنشئة وفي تعديل وتوجيه السلوك وتنميته على الجانب الشخصي لنا؛ وفي تربيتنا لأبنائنا وفي صياغة قوانينا الاجتماعية وأهدافنا التعليمية؛ كما أن علينا في جانب التوجيه والإرشاد والعلاج النفسي ألا نغفل عن هذه الصفات التي ترتقي بالإنسان ليؤدي دوره في هذه الحياة بشكل تتوافق فيه هويته مع أهدافه وواجباته.

ولنعلم يقيناً أن (بعض الشباب يظهر لديه هذا النوع من الصراع في تكوين الهوية لأن الفكر التربوي الذي بين أيدينا لا يدور على جعل التكليف الشرعي محورا للتربية بحكم انشغالنا بالنقل والتقليد ولهذا تظهر بعض تلك المشكلات عند شبابنا؛ ولو عملنا على إحياء مرحلة تربوية غائبة اليوم عن ذهنية الفكر التربوي وهي مرحلة إعداد وتهيئة الطفل للبلوغ وللتكليف الشرعي لساهمنا في وقاية شبابنا من إشكالات تكوين الهوية.

وحاجتنا هنا لاستدعاء روح المدافعة وإعداد الطفل للبلوغ وحسن استقبال الشباب عند البلوغ واستثمارهم وتكليفهم بالمهام بتدرج في الجانبين الحسي المادي وفي المفاهيم وأجوبة الأسئلة الكبرى مهم جداً لما يحققه ذلك من مصالح فردية واجتماعية)[31].

والحمد لله أولا وآخراً.

كتبه: خالد بن محمد الشهري

مشرف علم النفس بتعليم المنطقة الشرقية “سابقًا”


[1] بتصرف عن كتاب علم الاجتماع للصف الثالث ثانوي بالتعليم السعودي طبعة 1430هـ.

[2] موقع إمام المسجد http://www.alimam.ws/ref/1069

[3] موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية http://goo.gl/9o9ZLi

[4] صححه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح.

[5] الوجود رسالة توحيد. تأليف د. عمرو شريف.

[6] دعه فإنه مراهق عبدالله الطارقي ص 201.

[7] بتصرف عن: علم النفس العام. يوسف قطامي وعبدالرحمن عدس ص320.

[8] باختصار عن موقع شبكة جامعة بابل http://goo.gl/5RZzdt

[9] التوجيه والإرشاد حامد زهران ص 144.

[10] علم النفس العام يوسف قطامي وعبدالرحمن عدس. ص 103.

[11] مقال مراكز العناية بالجمال. خالد محمد الشهري http://goo.gl/92FIFn

[12] قال العراقي في تخريج الإحياء إسناده جيد كما في الدرر السنية..

[13] دعه فإنه مراهق. عبدالله الطارقي ص 67.

[14] دعه فإنه مراهق. عبدالله الطارقي ص 102.

[15] ملخص مقدمة كتاب لماذا نتعلم تأليف الحاج سعيد لوتاه.

[16] الصحة النفسية والعلاج النفسي. حامد زهران ص484.
[17] العلاج النفسي الحديث. عبدالستار إبراهيم..

[18] الهوية والصراع النفسي. ضياء الدين عادل http://goo.gl/1uhjhL.

[19] موسوعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العربية للمحتوى الصحي https://goo.gl/DoSJg5

[20] الهوية والصراع النفسي. ضياء الدين عادل http://goo.gl/1uhjhL

[21] موقع ويب طب https://goo.gl/7cqruX

[22] هل سمعت بديانة العصر الجديد؟ خالد بن محمد الشهري http://www.alukah.net/sharia/0/49289

[23] حتى لا يصبح الإلحاد ظاهرة بيننا. خالد بن محمد لشهري http: //goo. gl/qXZ0Ir

[24] عبدالستار إبراهيم. نقلاً عن كتاب دعه فإنه مراهق.

[25] عبدالله الطارقي في كتابه المتميز دعه فإنه مراهق.

[26] القرآن وعلم النفس. محمد عثمان نجاتي ص38.

[27] الحاج سعيد لوتاه صاحب المدرسة الإسلامية في دبي.

[28] قضايا كبرى في بناء الأطفال لأحمد الخطيب الحسني بواسطة كتاب مالا نعلمه لأولادنا إصدار مركز الراية للتنمية الفكرية.

[29] بتصرف عن أصول علم النفس لأحمد عزت راجح.

[30] القرآن وعلم النفس. محمد عثمان نجاتي ص26.

[31] بتصرف عن عبدالله الطارقي ضمن مراجعته للورقة إضافة لفوائد أخرى استفدتها من مراجعته بارك الله في علمه.

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

علقّ على هذا المحتوى ..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.