مقالات

مفاسد هجر القرآن من زاوية أخرى

كثيرون من أهل الفضل تناولوا الترغيب بتلاوة القرآن على الدوام من جهة كثرة أجر تاليه وزيادة حسناته

  • وهو مقصد عظيم من مقاصد التلاوة ، وجانب لا يختلف على فضله وأهميته اثنان –

ولكنّ القرآن تأتيه من أي النواحي تجد فيه صور العظمة والجلال ، يكفيك أنّه كلام الله جلّ في عليائه ، ولذا فهو معين لا ينضب ، وموردٌ عذبٌ زلال لا يرتوي منه وارده ، ومن ظن أنّه كتاب تلاوة فقط ، فقد ضيّق واسعاً ، وقصّر راحباً .

والمسلم كما أنّه محتاجٌ للحسنات عند التلاوة ، فهو محتاج لمعارف القرآن وتوجيهاته الإيمانية والوعظية التي

يحصل بها للمؤمن من الخيرات ما لايُحصى من زيادة إيمانه ، وتعظيمه لربه ، واستجابته لمولاه .

ولعلي في هذه الأسطر أتناول بعض هذا الجوانب ، فمنها :

التعرّف على الله تعالى .

فالقرآن مليء بوصف الله بصفات الكمال والجلال ، والتعريف بالربِّ الكريم ، اقرأ مثلاً أواخر سورة الحشر تجد رباً عظيما أحداً منفرداً بصفات الكمال ، خالقاً للعباد منزّهاً عن النقائص ، رحيماً بخلقه ، عليماً بهم قد دبّر أمر الكون بانتظام عجيب ( هذا كله – فقط – في جزء من صفحة من كتاب الله )

ويرى في مواطن أخرى رباً كريماً جواداً يُعطي عباده ويكرمهم بأنواع العطايا – ومن أعظمها الهداية – .

وفي مواطن أخرى يرى رباً حكماً عدلاً يقضي الأمور وفق عدله ومشئته وفضله .

ويرى رباً منتقماً ممن عصاه ، ومعذِّباً لمن تجاوز حدوده ، وارتكب نواهيه .

والقرآن مليئاً بالتعريف بالله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله .

فانظر كيف حرم الهاجر للقرآن هذه المعارف والكنوز التي قد جعلها الله في كتابه .

فهو قد جهل ربه وصنعه وتدبيره لأمر العالم العلوي والسفلي ، وتقدير المقادير .

تالي القرآن سيمر على آيات الله في كونه ، فيرى العظمة في الخلق والإيجاد ، ويرى قدرة الله في تدبير كونه وتيسيره بنظام لا اختلال فيه ولا اضطراب .

يرى عظمة خلق السماء بلا عمد ، وبسط الأرض والوهد ، ويتأمل في البحار وسير الفلك فيها ، واستخراج الطيبات من ماءها ، وتسخير السحاب ، وإنزال الغيث والقطر من السماء .

ويرى آيات الله في النفس واختلاف الألسن والألوان والطبائع وتوجهات النفوس ..

في آيات لا تنتهي مما يدل على عظمة الله .

فيا خسارة من هجر كتاب ربه ، وغابت عنه هذه الإيمانيات التي تُحي قلبه ، وتقوي إيمانه ، وتوقظ نفسه وفكره في التفكير في عظمة خالقه .

التالي للقرآن سيجد تذكيراً كثيراً بيوم القيامة وأهواله وعظائم الأمور فيه ، من تغيّر الكون ، وتبدّل الأرض والسماء ، وتصوير بليغ لخروج النّاس من قبورهم ، وعرضهم على ربهم ، ومشاهد هروب النّاس بعضهم من بعض ، وتطاير الصحف ، وانقسام الخليقة إلى شقي وسعيد في مشاهد لا حصر لها .

فقلي بربك يامن هجرت القرآن :

أي غفلة سيُصاب بها قلبُك وأنت بعيداً عن كتاب الله .

وأي حرمان للنفس من هذه الحقائق .

وأي غفلة للقلب وهو لا تمر عليه مثل هذه الأحوال والحقائق .

فعُد لكتاب الله لتتيقظ النفس ويحيى القلب .

التالي لكتاب الله يتفيأ ظلال الجنّة فيرى أهل الجنّة وهم يتنعمون فيها ويستحضر – عند تلاوته – وهم يُكرّمون بأنواع التحف والهدايا ، فيطوف عليهم الولدان المخلدون ، ويستحضر أنواع الأطايب وهم يتناولونها ، وأنواع الأشربة وهم يتلذذون بها ، ويستشعر فرح أهل الجنّة وهم على الأرائك ينظرون إلى نعيمهم وجنّاتهم ، وملكهم وكمال نعيمهم بالنظر إلى وجه الرب الرحيم الكريم .

وأمّا الهاجر للقرآن فقد حرم نفسه هذه الجنّة المعجّلة التي يشعر بها أهل القرآن ، المتنعِّمون به .

تالي القرآن سيمر على آيات النّار والتخويف من حرها وسمومها ، ويرى بعين قلبه صور عذاب أهلها – أجارك اللهُ منها – فيحمله هذا الخوف على النزع من المعصية ، والخوف من أن يلج هذه النار المحرِقة .

وأمّا الهاجر لكتاب ربه فقد غفل عن هذا العذاب من كثرة هجره لكتاب ربه ، فكيف سيخاف من النّار من هجر كتاب ربه السَنة والسنتين ، أو قرأه لمماً في المناسبات .

فأقبِل على كتاب ربك لترى ألوان العذاب التي حذر الله عبادَه فتتقيها ، وتسعى للنجاة منها .

في تلاوة القرآن زيادة الإيمان بالله ، فمن هجره حرم نفسه من هذه الزيادة .

في تلاوة القرآن مضي الزمان في الطاعة ، واستغراق الزمان بالعبادة .

في تلاوة القرآن تعلّم الأخلاق الحميدة واجتناب الأخلاق المذمومة .

فهذه بعض الآثار المترتبة على هجر تلاوة القرآن ، الواحدة منها تجعل الناصح لنفسه مراجعتها في هذا الخلل العظيم .

ناهيك عن خسارة الحسنات ، وإضاعة الوقت في التوافه ، وإظلام القلب في الملهيات ، وجلب القساوة له مع هذا الهجران .

فيامن لا زالت روحه في بدنه ، وإمكانية الإصلاح والتعديل متاحة له ، وزمن التمكين ميسر له ، أقبل على كتاب ربك ، وابتعد عن هذا الهجر ، وكن جاداً مع النفس ، فزمان الإستدراك هنا ، واحذر من العوائق فهي كثيرة جداً ، والمرء لا يعلم متى ينتقل من هذه الدار .

اللهم وفقنا لاستدراك مافات ، وتعويض مامضى ويسرنا لليسرى ، واجعلنا من أهل كتابك ..آمين .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق