مشائخ .. واعلام .. ذكريات

رحلة في جمهورية جزر المالديف (3)

الثلاثاء 18/11/1439هـ :

كان كبداية اليوم السابق، ما إن افطرنا صباحا الا واتجه بقية الاخوة في طريقهم لاستكمال عملهم الرسمي بالأمس، وانا انطلقت وحيدا قد اكتسبت شيئا من الخبرة ومعرفة تحديد الاتجاهات، فاتجهت هذا اليوم إلى عمق البلدة، وتغلغلت في شوارعها الداخلية، وكانت طريقي تمر بأهم شوارعها القديمة، التي تقع عليه كثير من المعالم القديمة، ومنها القصور الملكية العتيقة، ومجلس البرلمان الحالي، واول جامع بني للجمعة في هذه الجزيرة، وحوله مقبرة الملوك، فكانت جولة جميلة طفت خلالها على كثير من هذه المعالم، حيث دخلت إلى اول جامع للجمعة فيها، ومازال قائما على وضعه السابق، ويؤدي دوره على افضل حال، وهو مبني من الحجارة، ومسقوف من الخشب، وبني على شكل جمالي بديع، وارضيته مرتفعة قليلا عن الارض، مزينة بالرخام الابيض المزخرف، وتصعد لبلوغ ارضية المسجد من خلال درجات، يصل عددها لخمس درجات بارتفاعات معتدلة، من ثلاثة مداخل في كل الجهات عدى جهة القبلة.

وفي الداخل بعد الدرجات على الجانبين توجد بلكونات مغلقة، تقع خارج نطاق المصلى، وتستخدم للصلاة أو زوايا لتعليم القرآن الكريم أو الاعتكاف.

واما داخل المسجد في مكان الصلاة، فهو منفذ على عدة زوايا متداخلة، وليست كل جدرانه مستقيمة،  ولعل ظروف البناء وامكانياته حينها لم تساعدهم على غير هذا، ويلاحظ أنه اكتشف حديثا مع توفر اجهزة تحديد القبلة انحرافا بسيطا في قبلته الاصلية، لذا فقد عدلت فرشه بما يتوافق مع الاتجاه الصحيح، ويعتبر الان تحفة جميلة وبديعة، واخشاب سقفه وبعض اعمدته الكثيرة مزينة، وكذلك بعض جدرانه بزخارف ونقوش بديعة، وبها كتابات عربية جميلة، لبعض الآيات والحكم والاحاديث.

وفي فنائه ميضأة وبركتان (خزانان) لماء الوضوء، يجلب منها الماء بواسطة مغاريف مصنوعة من التنك، ومثبتة بالواح طويلة من الخشب، حيث يمسك بها الشخص من طرف اللوح، ويمدها إلى أن تصل الى الماء في البركة، ليملئها منه بما يكفيه للوضوء، وبعد فراغه يعيدها إلى حامل قد خصص لها عند باب المسجد.

ويلاحظ وجود مقبرة قديمة في جهة القبلة غربا وجنوبا غربا، وفي جزء من الجهة الشمالية، وقبر منفردا في الجهة الشرقية، لا يفصلها عن المسجد الا جدار قصير، لا يزيد ارتفاعه عن نصف متر، يقال أنها تخص بعض ملوك المالديف القدماء، ومعظمها انما هي شواخص رخامية (الواح) مغروزة في الارض، وعليها كتابات انطمس كثير منها، وهناك حوالي اربعة أو خمسة قبور ضخمة على شكل غرف مبنية، مزينة بالرخام، وعليها نقوش وزخارف، وبعض الكتابات قد بهت كثير منها، حتى لم تعد تقرأ بسهولة.

ويوجد لهذا المسجد عند المدخل الخارجي الرئيسي، على الشارع العام، في الجهة الجنوبية من المسجد، مؤذنة قديمة مختلفة الشكل في تكوين بنائها عن المعتاد، نفذت على شكل دائري واسع المساحة، يشبه خزانات المياه العريضة، قد يبلغ قطره اكثر من ثلاثة امتار، ويرتفع إلى حوالي عشرة امتار، ولها باب ودرج داخلي ينفذ للسطح، ثم يعلوها بقطر اقل وبنفس الشكل الدائري، بناء بارتفاع يقارب الخمسة امتار، كان المؤذن يصعد فوقها لأداء الاذان، أما اليوم فالمكبرات قد ثبتت في قمتها، وكفت المؤذن الصعود والنزول.

بنيت (كما يقال) قبل حوالي ثلاثمائة سنة، واما المسجد فيرتبط بدخول الاسلام إلى هذه الجزر، ويقال أنه دخل بقوة على يد رجل من اهل المغرب، يدعى أبو البركات يوسف البربري (رحمه الله)، الذي وصل إلى هذه الجزيرة في سنة 1153م الموافق لعام 548هـ، حيث أسلم على يده سلطان تلك البلاد، المدعو (شَنورازة) وتسمّى بعد اسلامه باسم (محمد بن عبد الله)، وبسبب اسلامه أسلم كلّ أهل الجزر، فلم يبق أحدٌ من سكّانها إلا ودخل في الإسلام، لان الناس (كما يقال) على دين ملوكها ، وأصبح الإسلام هو دينهم الوحيد وإلى يومنا الحاضر، ولذلك قام هذا السلطان ببناء هذا المسجد (مسجد الجمعة)، وطلب من أبي البركات أن ينقش فيه لوحة تذكار، يُشير فيها إلى تاريخ إسلام هذا الملك على يده، وهذه اللوحة معلقة داخل المسجد إلى اليوم.

ويوجد في الجهة المقابلة للمسجد، حيث لا يفصل بينهما الان إلا الشارع، مبان ترمز إلى ضريح (ابي البركات المغربي) وبيته، حيث بنيت بالطبع في عهد لاحق، وتوجد حولها القصور الملكية القديمة، وفي شمال الجامع يوجد القصر الجمهوري الحالي، الذي يطل من الخلف على المسجد ومن الامام على البحر، وبجواره خلف المسجد مباشرة مجمع الوزارات، الذي يداوم فيه معظم الموظفين في وزارات الدولة، واذا ما سرت بالشارع مواصلا غربا إلى ما بعد المسجد، تجد امامك البرلمان المالديفي، وامامه وبعده ساحات عامة وحدائق جميلة، كانت فيما مضى مبان وحدائق تتبع القصور الملكية، وملاصق للساحات غربا الجامع الكبير الحديث، (مسجد السلطان محمد تكرفان الاعظم)، بني كهدية من السعودية، وهو مبنى ضخم بارز، ليس له مثيل هناك، ذو قبة كبيرة ذهبية، وله مؤذنة عالية جميلة، يتكون من دورين وبمساحة كبيرة، الدور الارضي منها اضافة إلى خدمات المسجد، تشغل جزء منه وزارة الشؤون الاسلامية، واما الدور العلوي فهو المصلى الرئيس، بحجمه وتكويناته الرحبة الجميلة.

ثم تصل من بعد هذا الجامع غربا إلى شارع معترض، يعتبر الشارع التجاري الرئيس، تكتنفه من كل جنباته المحلات التجارية الراقية، والمطاعم الشعبية الكبيرة، ويمتد السوق في بقية الشوارع في محيطه.

خرجت من هذا الشارع باتجاه الشمال، قاصدا جهة البحر، حيث انتهى بي امام سوق الخضار والاسماك المجففة المذكور سابقا، وجلت داخله مرة اخرى، واشتريت منه بعض الفاكهة (بباي، العنب لدينا)، ووجدته في مذاقه لا يختلف نهائيا عن ما هو عليه في فيفاء، واشتريت ثمار شجرة جوز الهند، وبعض الحلويات التي تصنع محليا، وكان لها ذوقا ونكهة رائعة.

لما حان وقت صلاة الظهر، اتجهت مرة اخرى إلى الجامع الكبير، حيث صليت فيه مع الجماعة، ثم انصرفت عائدا إلى الفندق، وكانت كل هذه المسافة طوال الجولة لا تتجاوز الكيلو متر الواحد، ولما دنوت من الفندق، قابلت رفقائي وهم عائدون لاصطحابي معه، لتلبية دعوة القائمين على السفارة لتناول طعام الغداء، ورافقتهم إلى أحد الفنادق الراقية في الجوار، وبعد الغداء عدنا إلى فندقنا للراحة، لنعاود التجوال من جديد من بعد العصر.

عزمنا أن نخصص جولة هذا المساء إلى احدى الجزر القريبة (فلنجالي)، والتي تقع في الجهة الجنوبية الغربية من العاصمة، لذلك ارهقنا البحث عن سيارة اجرة، لتوصلنا إلى المحطة الخاصة بالقوارب في الجهة المقابلة، لأن كل محطة و(هما اثنتان) لا تخدم إلا الجزر التي في اتجاهها، فلا تجد قاربا يوصلك الي أي جزيرة من غير المحطة المخصصة لها، ولما كانت هذه المحطة في الركن الجنوبي الغربي من العاصمة، فهي تخدم الجزر التي في اتجاهها فقط، ومنها هذه الجزيرة المناظرة (فلنجالي)، ولكن الزائر يواجه مشكلة عويصة مع سيارات الاجرة، والتي لم نفهمها رغم كثر هذه السيارات، ولم نجد من يجلي لنا حقيقة هذا الامر، حيث لاحظنا أن اصحاب هذه السيارات لا يتجاوبون معنا، ولما تعبنا من التلويح لاصحابها بالوقوف دون جدوى، وكان بعض منهم إذا وقف لا يريد ان يركب معه إلا راكب واحد، و(لم نعرف السبب) ونحن خمسة، مما اضطرنا إلى اللجو إلى الفندق الذي تغدينا فيه وقد وصلنا جواره، وتجاوبوا مشكورين فاستدعوا لنا سيارتين، ولكن لم تحضر منهما الا واحدة، ركبنا فيها مجموعة إلى مقصدنا ولم يكن بعيدا، ولكن لضيق الشوارع وكثرة الحركة عليه يتأخر الوصول، وهناك انتظرنا لأكثر من نصف ساعة ليصل الاخرون، حيث لم يجدوا سيارة اخرى توصلهم، إلى أن عادت اليهم هذه السيارة، وبعد وصولهم اشترينا تذاكر الركوب في القارب ( وكان مبلغا بسيطا، وهو كذلك في كل رحلاتهم البحرية، فقيمة التذكرة الواحدة لا تتجاوز ما يعادل ستة ريالات سعودية)، ركبنا مباشرة في قارب كان على وشك المغادرة، وكنا اخر من ركب فيه، وكانت المسافة قصيرة جدا، لا تزيد على خمس دقائق، فما إن خرج القارب من الفرضة التي امام هذا الميناء، إلا ونحن نشاهد امامنا مباشرة الجزيرة المقصودة، حيث دخل القارب إلى فرضة مماثلة امام هذه الجزيرة، ويلاحظ أن كان قواد هذه المراكب محترفون في طريقة تسييرها، يتضح ذلك جليا عند ايقافها على الارصفة، فتراه يتحكم في توجيهها في كل الاتجاهات حتى تقف في مكانها المخصص تماما، فلا تصطدم بالرصيف ولا بالقوارب الواقفة حولها، لقد نزلنا في الجزيرة المقصودة (فلنجالي)، وهي جزيرة صغيرة المساحة، لا يزيد عرضها وطولها عن كم في كم.

اتخذنا فيها مسارا استكشافيا ابتدأ من الرصيف المجاور للمحطة، الذي يقع في شمال الجزيرة، ويمثل كما هو واضح مينائها الرئيس، فقد اعد بالأرصفة الخرسانية العالية، التي ترسو عليها عدد من السفن المتوسطة الحجم، وعدد من القوارب والزوارق، وهذه الجهة على ما يبدو هي الاكثر عمقا من بقية  الجهات، وتجاوزنا هذا الميناء في اتجاه الغرب، حيث مررنا في طريقنا ببعض الحدائق الصغيرة، راينا فيها بعض من السكان الجزيرة وعوائلهم ومن كبار السن جلوس في جنباتها، ومن مظاهرهم وسماتهم تبدو الطيبة والهدوء، وشاهدنا بعضا منهم قد اتخذ له جلسة مريحة داخل ارجوحة، علقت بحبال في أحد اشجار هذه الحديقة، وتجدها بكثرة وبصورة لافتة للنظر، فهي من الاشياء الشائعة والمنتشرة في هذه الجزيرة، وقد جربنا الجلوس في بعض منها، وهي عبارة عن كرسي من الحديد أو الخشب، بعضها للجلوس وبعض منها طويل يناسب الاستلقاء، وهي معلقة من أطرافها الاربعة بأحد فروع هذه الاشجار ، ويتم تعليقها في ميول بسيط إلى الامام.

واصلنا سيرنا إلى حافة الجزيرة في ضلعها الغربي، وبقينا هناك لبرهة نتفرج على بعض ابناء الجزيرة وهم يمارسون الصيد بالسنانير، وبعدها استمر سيرنا في اتجاه الجنوب ، وفي هذه النقطة مررنا بالقرب من اطراف بعض احياء البلدة، ووجدنا امامها شاطئا رمليا جميلا، وهو المتنفس لسكان هذا الحي، حيث كان به مجموعة من اهل البلدة واسرهم، يستمتعون بالجلوس قريبا من البحر، وهناك من كان يمارس الصيد بالسنانير، وبعض منهم منهمكون في اصلاح وصيانة قواربهم الصغيرة، والاطفال يتراكضون يلهون ويطاردون كورهم.

وبعد هذه المرحلة يتعذر السير مباشرة بمحاذاة الشاطئ، لوجود اكوام كبيرة من الحجارة ومن احراش الشجر، فاتجهنا إلى الداخل قليلا حتى وصلنا إلى شارع في اطراف البلدة، ودخلنا فيه مع تعرجاته بين البيوت، وكانت الحركة في عموم الجزيرة محدودة والاليات نادرة، والملاحظ أن الموجود فيها كان من الدرجات الكهربائية، التي تعمل على بطاريات ذاتية الشحن، فلا يوجد لها صوت ولا عوادم، ولعله من مبدأ المحافظة على البيئة، أو لصعوبة الحصول على البترول، وهناك سيارات قليلة معظمها لدوريات الشرطة، وهي على العموم بلدة هادئة، نظيفة في شوارعها المرصوفة الجميلة، وقد وجدنا اثناء مرورنا بأحد شوارعها دارا لتعليم القرآن الكريم، ثم اتجهنا شرقا لنخرج مرة أخرى إلى البحر، إلى مكان كنا نرى منه العاصمة تجاهنا.

وهو شاطئ رملي يمتد على طول هذا الاتجاه، وتحجبه عن بيوت البلدة مجموعة كثيفة من الاشجار العالية، خليطا من اشجار الجميز وجوز الهند وامثالها، وفي هذا المكان يجلس عدد محدود من الناس، واتخذنا لنا بدورنا فيه مجلسا على كثيب رملي ابيض، والبعض نقع رجليه في مياه البحر، يداعب بها امواجه الخفيفة، فالموج في هذه النقطة خفيف خلاف ما يرى في البحر امامنا، فقد عملت لها مصدات من الحجارة، وبعض منها من الخرسانة تدفع عنه قوة الموج، فيكون الشاطئ هادئا مناسبا للسباحة واللهو، واصبحنا في هذه النقطة قريبين من محطة القوارب التي قدمنا فيها، حيث كنا قد اخذنا دورة كاملة حول محيط الجزيرة، في وقت لا يصل إلى الساعة الواحدة، وكانت نزهة ممتعة للنظر والبدن والفكر.

جلسنا على هذه الرمال لا نمل الجلوس، وبقينا لحوالي نصف ساعة، إلى أن  دنت الشمس من المغيب، فاستأنفنا مسيرنا صوب مسجد نشاهدها قرب المحطة، وصلنا اليه مع صوت الاذان وهو يتجاوب في ارجاء الجزيرة، من اكثر من مسجد ترى مآذنها العالية بين البيوت، ولكن كان هذا المسجد الذي قصدناه مغلقا للترميم، ولما خشينا أن تفوتنا الصلاة إذا ما اتجهنا إلى المساجد داخل البلدة، فقد اتخذنا لنا مصلى في حديقة كانت في الجوار، صلينا فيه المغرب والعشاء جمعا وقصرا، ثم اتجهنا مباشرة لنركب في قارب كان يتهيأ للمغادرة، ولم تمضي بضع دقائق إلا ونحن نقف على رصيف جزيرة مالية العاصمة، وهنا واجهنا من جديد مشكلة ندرة سيارات الاجرة، ولكنها كانت بصورة اقل لتوافد عدد منها لإنزال بعض المغادرين، وبنفس ترتيبنا السابق كانت عودتنا للفندق، وكان لتأخر رفقائنا في الوصول بعدنا، سبب فيما تعرضوا له من اصابة ثيابهم بالبلل من المطر الغزير الذي نزل فجأة، فقد كان الجو صحوا ولا ينذر بأي امطار، فاذا بزمجرة الرعد والبرق ونزول الامطار الغزيرة، وهذا يعتبر بالنسبة لهذه البلدة امر طبيعي، لأنها تقع في المنطقة الاستوائية، التي تنزل امطارها معظم العام، ولها مواسم لا تنقطع عنها الامطار طول ساعات اليوم.

ارتحنا قليلا والتقطنا انفاسنا، ثم قررنا الخروج من جديد لتناول العشاء، والاستمتاع بهذه الاجواء التي اعقبت نزول المطر، حيث يوجد امام فندقنا من الجهة الشرقية، متسع من الارض وفضاء، يحتوي على عدد من المرافق الخدمية، واتوقع أن تتحول بعد اكتمال تنفيذ الشارع الجديد، إلى واجهة ومنطقة حيوية مزدهرة، لأنها ستكون المدخل الرئيسي للمدينة بعد اكتمال الجسر الجديد من المطار، وسترتبط به كل شوارع البلدة وتتفرع عنه، ويوجد الان في هذه البقعة على جانب هذا الشارع من جهة البحر عدة مرافق، فأولها محطة القوارب التي سبق الحديث عنها، ويأتي بعدها حديقة عامة بها ملاهي والعاب للأطفال، يتوافد اليها الاهالي من بعد صلاة العصر، ويبقى معظمهم فيها إلى ما بعد المغرب، يصطحبون معهم اولادهم ليمرحوا ويلعبوا، وفيها جلسات مريحة ونوافير جميلة، ويوجد بعد هذه الحديقة ساحة شبيهة بملاعب الاحياء لكرة القدم، ولكنها هنا تستخدم بكثافة للتدريب على قيادة الدراجات النارية، ويلاحظ أن العمل فيها يستمر من الصباح الباكر إلى قرب منتصف الليل لا يكاد يتوقف، وفيها مجموعات من اصحاب هذه الدراجات التي يؤجرونها، وقد رسم على ارضيات هذه الساحات خطوطا ودوائرا، يحاول راكب الدراجة اتقان السير عليها، ويتمايزون حسب مراحل تدريبهم، فترى بعض المبتدئين يسير دافعا للدراجة امامه بيديه، وبعضهم يدعم توازنه عليها بأرجله، وبعضهم قد وصل إلى درجة اعلى في الجودة، ويبدو انهم يمنحون من خلالها تراخيص القيادة، مع اننا لم نسال ولكن هذا هو الظاهر، فيلاحظ تشديدهم في التدريبات، بحيث لا يمنح الرخصة إلا من كان ماهرا في القيادة، وينعكس ذلك على ما تراه من مهارتهم في القيادة داخل الشوارع، فمع كثرة هذه الدراجات التي تسير في الشوارع، ولكنك لا تشاهد أي تصادمات أو حوادث.

يوجد بعد هذا الساحة ويحيط بها من بقية الاتجاهات، شمالا وشرقا وجنوبا، مجموعة كبيرة من المطاعم والمقاهي، يطل معظمها على البحر مباشرة، ومن ضمنها المطعم الذي كنا نتردد عليه، ثم يتلوها جنوبا مشروع بناء جامع الملك سلمان (حفظه الله)، ويبدو انه مشروع ضخم اختير له هذا الموقع المتميز.

وعلمنا أنه يوجد في المالديف عشرة مشاريع مساجد مماثلة، وسيبرز هذا الجامع بعد اكتماله معلما مميزا، فموقعه في زاوية جميلة يرى من المطار، ويرى من فوق الجسر الذي سيكون خلفية له من البلدة، ثم ما بعد الجامع في اتجاه بداية الجسر جنوبا فرضة معدة كحديقة عامة على الشاطئ، امامها مسبحا اقتطع من البحر، هيئ بمصدات خرسانية تمنع عنه قوة اندفاع الامواج، يرتادها كثير من الاهالي للسباحة واللهو البريء، وفي داخل الحديقة جلسات خضراء، ومقاعد اعدت للجلوس بين الاشجار وعلى الحواف، مطلة على البحر وعلى هذا المسبح، ويعتبر الموقع منطقة جالبة يكتظ برواده من كل الفئات، وحوله ملاعب مزروعة لكرة القدم، فهذه الزاوية تستبشر بمستقبل واعد، وستكون واجهة متميزة مع اكتمال الجسر وهذا الشارع الجديد.

ومما يلاحظ باستغراب في هذه البلدة أن العمل لا يتوقف لديهم بوقت محدد، بل يستمر العمال في اداء عملهم على مدار الاربع وعشرين ساعة، وهذا ما شاهدناه في عمل مشروع جامع الملك سلمان، فلا تمر  بهذا المكان ليلا او نهارا إلا والعمل قائم فيه، وعلى ما يبدو أنهم لا يتوقفون إلا في اخر الليل، ثم في مشروع الشارع العام الجديد، فالآليات والاعمال اليدوية لا تتوقف ليلا ونهارا، فما اطللت عليه من غرفة الفندق إلا والعمل قائم، في الليل على اضواء الكهرباء، وكثير ما نمر بهم عند ذهابنا للمسجد لصلاة الفجر ونجدهم منهمكون في عملهم،  ولم نجد اجابة شافية لهذه الظاهرة.

لقد عدنا بعد تناول طعام العشاء إلى الفندق، وهنا ودعنا بعض رفقائنا في هذه الرحلة، لأنهم سيسافرون في الصباح الباكر عائدين إلى المملكة، فقد اكتمل عملهم الرسمي الذي قدموا من اجله.

وإلى اللقاء في حلقة قادمة بمشيئة الله , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته,

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق