السبت, 16 رجب 1440 هجريا, الموافق 23 مارس 2019 ميلاديا

رحلة في جمهورية جزر المالديف (الأخيرة)

رحلة في جمهورية جزر المالديف (الأخيرة)
الاستاذ: عبد الله بن علي الخسافي
عبدالله بن علي قاسم آل طارش الفيفي

الاربعاء 19/11/1439هـ :

بعد تناول فطورنا في حوالي الساعة الثامنة والنصف، وكان بقية الاخوة لديهم جولة استطلاعية خاصة لبعض دور العلم في البلدة، حيث نسقوا لزيارة جامعة المالديف الاسلامية، ولبعض دور العلم الاخرى التي لم يستكملوا زيارتها في اليومين السابقين، وعرضوا علي مرافقتهم في هذه الجولة، فرحبت بالفكرة وسعدت بها، وبالذات وقد طوفت معظم معالم البلدة، لذا انطلقنا عند التاسعة صباحا في السيارة الرسمية للسفارة، الذين تكرموا بإيصالنا لندرة سيارات الاجرة كما المحنا سابقا، وعند بوابة الجامعة كان في استقبالنا مدير الجامعة، وعدد من نوابه ومساعديه وعمداء الكليات، وعدد من اعضاء هيئة التدريس، وكانت الجامعة تشغل مبنى ضخم ومميز، يقع في قلب العاصمة المزدحم، يتكون من عدة مباني متكاملة، يرى في واجهتها مبنى من ثمانية ادوار، ويمتد في العمق مباني تحتوي على قاعات دراسية واسعة، وقد تكفلت ببنائه المملكة هدية منها للمالديف، وتوجد على واجته الامامية بجوار المدخل، لوحة مكتوب عليها مبنى الملك فهد (رحمه الله)، ولوحة اخرى باسم الجامعة (جامعة المالديف الاسلامية).

تعتبر هذه الجامعة احدى جامعتين في المالديف، والثانية تحمل مسمى (الجامعة الوطنية)، وبعد الاستقبال شرح لنا معالي مدير الجامعة، الدكتور احمد شهيم علي سعيد، مراحل تطور هذه الجامعة، حيث ذكر أنها كانت في الاصل معهدا اسلاميا ، اسس من حوالي خمس وثلاثين سنة، وفي هذه السنوات الاخيرة طور ليكون جامعة متكاملة، تحمل اسم جامعة المالديف الاسلامية، وتحتوي اليوم على خمس كليات، هي كل من :

  1. كلية القرآن والسنة.
  2. كلية الشريعة والقانون (تمنح هذه الكلية درجة الماجستير ودرجة الدكتوراه في القضاء والسياسة).

  3. كلية معارف الوحي والعلوم الانسانية (تمنح هذه الكلية الدبلوم والبكالوريوس والماجستير في الاقتصاد الاسلامي).

  4. كلية اللغة العربية (يتبعها مركز تعليم اللغات).

  5. كلية التربية.

وهناك قسم البحث العلمي.

اخذنا معالي مدير الجامعة في جولة على معظم مكونات المبنى، من الكليات والاقسام والقاعات، وغرف الاجتماعات والمرافق المهمة، وجلسنا معه ومع بعض منسوبي الجامعة، في جلسة تعريفية بالأهداف والطموحات لهذه الجامعة الفتية، ومعالي المدير خريج الجامعة الاسلامية في المدينة المنورة، وتعرفنا على كثير من عمداء هذه الكليات ومن اعضاء هيئة التدريس، يفخرون انهم من خريجي الجامعة الاسلامية، ومن خريجي جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية، ويكنون للسعودية واهلها كل محبة وتقدير.

انتهينا من زيارة الجامعة، وسعدنا بما اطلعنا عليه في زيارة استمرت اكثر من ساعة، وجدنا فيها كل الحفاوة والترحيب والتكريم، وقد اسعدنا معالي مدير الجامعة في نهاية الزيارة بهدايا تذكارية جميلة، باسمه واسم الجامعة، جزاه الله عنا كل خير، ونسال الله له وللجامعة التوفيق والنجاح.

وقد علمنا عرضا أنه يخوض في هذه الفترة انتخابات لترشيح نفسه نائبا لفخامة رئيس جمهورية المالديف، وفقه الله واعانه.

خرجنا من الجامعة واتجهنا في سيارة السفارة إلى مقر السفارة، لنودع القائمين على هذه السفارة المباركة، وهم في الحقيقة من الشباب الذين يفخر بهم، مجموعة مباركة من الشباب الواعي المخلص، المدرك لمكانة وطنه وما يمثلونه باسمها في هذا المكان، فهم لا شك مثال عال لأبناء هذا الوطن المعطاء، بارك الله فيهم وفي جهودهم، بقينا في ضيافتهم لحوالي الساعة، ثم ودعناهم عائدين إلى مقر اقامتنا.

قررنا ان نصلي العصر في الجامع الكبير، الذي اشرت اليه سابقا، (مسجد السلطان محمد تكرفان الاعظم)، وبالفعل ادينا الصلاة فيه، وبعد الصلاة قابلنا امام الجامع ورئيس المركز الاسلامي فيه، سعادة الشيخ محمد لطيف علي، (يذكر بكل فخر أنه درس في صغره في معهد اللغة العربية بالرياض، ودرس المرحلتين المتوسطة والثانوية في معهد امام الدعوة بالرياض، وتخرج من كلية اصول الدين في جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية)، وجدناه عالم جم الادب متواضع، مؤثر في مجتمعه ونشيط جدا، ويقوم بالعديد من الادوار الايجابية في محيطه، فهو خطيب هذا الجامع وله دروس دينية لا تنقطع، وادواره كثيرة في الوعظ والارشاد، وهو مدير المركز الاسلامي الواقع في نفس مبنى الجامع.

رحب بنا كثيرا، واعتنق كل واحد منا بكل حفاوة ومحبة اسلامية صادقة، وكانت من محاسن الصدف ان قابلنا معالي مدير الجامعة الاسلامية، الدكتور محمد شهيم، الذي صلى معنا العصر في الجامع، ولم يتركنا بعد الصلاة رغم مشاغله الكثيرة، وارتباطه في هذه الساعة بعمله في مجلس النواب، بل اصر أن يرافقنا مع امام الجامع في جولة تعريفية بالجامع، ثم استضافونا في احد المطاعم الكبيرة في الجوار، الذي اعدت لنا فيه جلسة جميلة، ضمن رواده الكثر من عامة المجتمع، حيث يتوافدون على المطاعم في هذا الوقت من النهار، وقد تناولنا طعاما شهيا في جلسة ماتعة، تخللها الاحاديث الاخوية الرائعة، ومضيفونا يستعيدون كثيرا من ذكرياتهم الجميلة عن السعودية ايام الطلب، ويحدثونا عن طموحاتهم وامالهم لبلدهم الناهضة، وفي هذه الاثناء حضر لينضم الينا الدكتور علي بن زاهر سعيد قاسم، وهو عميد كلية القانون والدراسة الاسلامية، في الجامعة الوطنية، حضر خصيصا عندما علم بتواجدنا في هذا المكان، واخبرنا أنه من خريجي الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة، ورحب بنا كثيرا، واسعدنا بالتعرف عليه.

ومن الجدير بالذكر ان هولاء نخبة جميلة من ابناء هذا البلاد، تراهم يعيشون مع بعضهم اسرة واحدة متلاحمة متكاتفة، مع أن معظمهم يعملون في مؤسسات مختلفة، ولكن مظاهر الاخوة واضحة في تعاملهم مع بعضهم، سواء من كان منهم من الجامعة الاسلامية، أو في الجامعة الوطنية وغيرهما، بقينا في ضيافتهم لأكثر من ساعة، ثم استأذنا للمغادرة عندما علمنا أن امام الجامع (محمد لطيف)، يتهيأ لإلقاء درسه المعتاد بعد صلاة المغرب، وقد اقترب الموعد ولم يحضّر درسه، فانصرفنا مودعين بمثل ما استقبلنا به من حفاوة وتكريم، ومع ذلك فلم يتركنا معالي مدير الجامعة (د محمد شهيم)، بل طوف بنا على المواقع المجاورة، وشرح لنا بإسهاب مكونات هذه الموقع، كما اوضحت معظم ذلك في ما مضى عند الحديث عن جولتي بالأمس، ولما بلغ بنا الجامع الاثري (جامع الجمعة)، وعرفنا على كثير من موجوداته وتاريخه، الححنا عليه بان يتركنا ليعود إلى عمله، وودعناه وانصرفنا لنكمل تطوافنا بالبلدة.

اتجهنا من هنا شرقا إلى حافة الشاطئ، عند موقع مشروع جامع الملك سلمان(حفظه الله) ، واخترنا بعده اوسط الشوارع امامنا، الشارع العام الذي يقسم المدينة إلى قسمين متساويين، وابتدأ سيرنا فيه غربا، وهو شارع مستقيم مزدحم بالسيارات والدراجات النارية.

وعلى جنباته في كلا الاتجاهين محلات تجارية، وما إن سرنا فيه قليلا، إلا والمؤذن ينادي لصلاة المغرب من مسجد قريب، فصلينا فيه مع الجماعة، ثم واصلنا سيرنا، إلى أن بلغنا منتهاه على الضفة الغربية، ونفذنا منه على الشاطئ الرملي الذي تحدثت عنه سابقا في رحلة قبل الامس، وجلنا قليلا داخل هذا المنتزه، وشربنا في شارع مجاور بعض عصير فاكهة جوز الهند، التي كانوا يعرضونها فيه بكثافة، مع بعض العصائر الاخرى والشاهي، والموقع هنا يخدم بمحلاته الكثيرة رواد هذا المنتزه، ولما انصرفنا منه كان آذان العشاء يرتفع من المساجد، فانطلقنا مسرعين شمالا وبعدها شرقا في زاوية حادة، مع اتجاه الشارع الذي يمر بنا من جوار الميناء الرئيسي، وكنا نبحث عن مسجد لنصلي فيه العشاء مع الجماعة، لذا اضطررنا إلى الدخول في عمق الحي، وما هي الا لحظات إلا ونحن نشاهد احد هذه المساجد، وصلنا إليه وهم يقيمون الصلاة، وسارعنا بالدخول فاذا المسجد ممتلئ بكامله، مما اضطرنا إلى الصلاة عند باب المسجد الداخلي، وبعد الصلاة واصلنا سيرنا شرقا داخل الحي، إلى أن خرجنا على الشارع التجاري الرئيسي، الذي كنا فيه عصر هذا اليوم، حيث يقع خلف ساحات الجامع الكبير(مسجد السلطان محمد تكرفان الاعظم)، وتسوقنا في بعض محلاته الكثيرة، التي تهتم ببيع الهدايا التذكارية، والحلي والاثار والتحف اليدوية، ومن اهم ما عرض علينا فيه القلائد المصنوعة محليا، من احجار اللولو والمرجان والودع، واعجبنا بتشكيلات المرجان المتباينة، ومما ذكروه لنا من معلومات تعريفية، عن المرجان وعن تعدد الوانه، حيث عرفنا أن افضله واغلاه اللون الاسود، لأنه يجلب من عمق سحيق يتجاوز التسعين مترا، ثم يأتي من بعده اللون الاحمر الغامق، ويوجد على عمق خمسة وسبعين مترا، ثم الاحمر الفاتح على عمق ستين مترا، واخرها الابيض على عمق خمسين مترا واقل، تسوقنا وجلنا داخل السوق، ولم اطق اكمال الجولة معهم، فقد اضطررت إلى أن اسبقهم إلى الفندق، فقد احسست بتعب شديد، حيث اصابني تصلب في اعلى الرقبة مع الرأس، واظنه بسبب مروحة المسجد الذي صلينا فيه المغرب، حيث كنت امامها مباشرة، وقد فرحت بها حينها وبهوائها البارد وهو يضربني بشدة، ولكن كانت اثاره سريعة وعنيفة، حرمتني من البقاء مع رفقائي في تلك الليلة، حيث باردت إلى الراحة التامة، لعله يزول اثر تلك التقلصات المتعبة، ولم استيقظ إلا مع صلاة الفجر، ومع ذلك لم يبرح عني ذلك الالم ، ولم اشفى منه الا في الرياض بعد بضعة ايام من الراحة التامة، مع العلم اني اخذت مساجا للرقبة والظهر اثناء التوقف في مطار دبي.

الخميس 20/11/1439هـ :

كان هذا اليوم هو موعد المغادرة لهذه الدولة الجميلة، التي خلفت في النفس اثارا وانطباعات جدا مريحة، بحسن ارضها وطيب جوها واخلاق اهلها العالية، وما لقيناهم عليه من ادب جم وحسن تعامل وقوة تمسك بدينهم، وفي المحافظة التامة على شعائره، وعلى مظاهر التقوى البادية عليهم، حفظ الله عليهم دينهم وامنهم وايمانهم وحسن تعاملهم.

كان الموعد للمغادرة الساعة العاشرة صباحا بتوقيتهم، بما يعادل الساعة الثامنة حسب توقيت المملكة، وكنا قد جهزنا حجوزاتنا وكروت صعود الطائرة ، وانهينا جميع ارتباطاتنا في الفندق ، وحضر مندوب من السفارة في سيارتهم الرسمية، حيث اخذنا بها من الفندق إلى رصيف القوارب، فانتقلنا في القارب الخاص بالسفارة إلى المطار، وفي المطار استقبلونا في صالة كبار الزوار، وقاموا مشكورين بإكمال اجراءات المغادرة وشحن الامتعة، وبعدها ودعنا مندوب السفارة شاكرين لهم ومقدرين، ولما حان موعد الاقلاع اخذونا بسيارة المطار، إلى أن أوصلونا عند سلم الطائرة، واقلعت بنا الطائرة نحمل كثيرا من الانطباعات الجميلة، التي لن يمحوها الوقت عن هذا البلد الجميل واهله.

كانت رحلة وتجربة ثرية، في رفقة كريمة وطيبة، عشت معهم افضل صحبة، اخوة اعتز بتعرفي عليهم، بارك الله فيهم وسدد خطاهم لخدمة جامعتهم ودولتهم والمسلمين في كل مكان، وادام الله على ولاة امرنا العز والتمكين، وكتب لهم اجر ما يبذلونه للإسلام والمسلمين في كل مكان، وايدهم بالتوفيق والسداد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محبكم/
ابو جمال ــ الرياض 8/12/1439هـ

 

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

علقّ على هذا المحتوى ..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.