مشائخ .. واعلام .. ذكريات

المهندس/ اسعد بن سليمان احمد المثيبي الفيفي

انسان خلوق جميل الطبع ، يخفي خلف ابتسامته الجميلة، ومرحه الظاهر، شخصية قوية حازمة، وعزيمة صلبة لا تلين، مع اخلاقيات عالية، وطيبة قلب متناهيه، انسان اجتماعي بمعنى الكلمة، لا يقدر على العيش بعيدا عن الناس، بل ترهقه الوحدة وتقتله الفرقة، وفيّ لا يتلون ولا يتغير، وجريّء لا يتردد ولا يجبن، عصامي ينشد القمم والمعالي.

عان الغربة والابتعاد عن اهله صغيرا ، في سبيل طلب العلم والدراسة، وكانت له فيها دروسا وخبرات اكتسبها، صقلت شخصيته وابرزت قدراته وثقته بنفسه ، فالغربة تجعلك تتعامل مع الحياة مباشرة ، تواجه المصاعب والمحكات بنفسك دون معونة احد، وتكون للإنسان كالنار لدى الصانع، يجلوا بها المعادن لتزيده قوة وصلابة ولمعان ، فالذهب والفضة اذا لوحت بالنار جمل وصلب، والناس معادن فيهم الثمين ومنهم الردي، فالغربة ابرزت منه رجلا صلبا يعتمد عليه، بنى نفسه وبنى شخصيته، فكان ناجحا وعضوا صالحا في مجتمعه، وعاد منها يحمل شهادات نجاحه ، وخبرات اغترابه، نفعا وفائدة له ولمجتمعه ولامته، وفقه الله واسعده.

كان من اوائل ابناء فيفاء الذين التحقوا في دراستهم الجامعية بكلية الزراعة إن لم يكن هو الاول، فكان قدوة تبعه اليها العديد من الشباب، الذين وجدوا من خلال الدراسة في هذه الكلية ما يتمنونه، وهم أهل بيئة زراعية اصيلة، تعتمد في معيشتها على الزراعة في الغالب ، فكان لهم رائدا وقدوة جلى لهم عن تخصص جميل ومفيد، ولم يندموا على ان اقتحموا هذا التخصص الجميل.

يتميز بانه ذو شخصية قوية وفذة، إنسان متواضع لا يحب الظهور ، يخدم الناس ويعمل دوما في صمت ، يحب الناس ويأنس بهم، ويبادلونه حبا بحب ووفاء بوفاء، وفقه الله واسعده وزاده من فضله وتوفيقه.

أنه المهندس الزراعي اسعد بن سليمان بن احمد المثيبي الفيفي .

والده كما يتضح هو سليمان بن احمد اسعد المثيبي الفيفي (رحمه الله) ، انسان متنور رغم قلة علمه، ضحى براحة نفسه ليجعل من ابنائه جيلا متعلما، حيث لم يعنه زمانه على تحقيق ذلك بنفسه، فكان له ذلك في اولاده، بعد تعب ومشقة وصبر وتضحية، ووجد نتيجة ذلك فيهم، يحملون الشهادات العلمية، ويتسنمون مراكز مرموقة، ولهم ادوارهم الايجابية في خدمة دينهم ووطنهم ومجتمعاتهم، جزاه الله خيرا، وثقل له بذلك في موازين حسناته ، وجعلهم صلة بر له بعد مماته.

واما امه فهي الفاضلة متعبة بنت جبار بن يحي الرقيبي المثيبي الفيفي (رحمها الله وغفر لها) ام صابرة، وربة بيت فاضلة، احسنت تربية ابنائها، وصبرت على بعدهم عنها صغارا لفترات طويلة، ولم تظهر لهم تأثرها أو حزنها، ولم تفت في عضد أي منهم، أو تثبط من عزيمتهم ، لذا نجد كل ابنائها (بنين وبنات) حازوا على قدر كبير من التعليم ، وحققوا لأنفسهم مراكز مرموقة، رفع الله درجاتها واعلى مراتبها في جنات النعيم، ووفق ابنائها الى صلة برها، والاحسان اليها بعد موتها.

ولد لهذين الفاضلين في بيتهما سهلان، في اعلى بقعة آل داود من الجهة الشمالية الغربية من الجبل الاعلى بفيفاء، في حوالي عام 1376ھ، وكان ترتيبه الثاني بين اخوانه، سبقه في الولادة اخوه حسن (حفظه الله)، فتربى ونشاء في جو اسري جميل، رغم حياة الكدح السائدة حينها في تلك المجتمعات، فكان اعتماد الناس يرتكز على الزراعة فقط، وما تخرجه لهم الارض من نتاج محدود، ولكن والديهم لا يظهران لهم شيء

مما يعانيانه، وكانت تلك هي الحياة الطبيعية التي ورثاها كابرا عن كابر، وكان كل المجتمع راض وقانع بهذا الحال الذي يعيشون فيه، لأنه لا يوجد غيره ولا توجد وسيلة اخرى امامهم.

كان هذين الابوين قد اختطا لهما خطة واضحة، في العمل الجاد على تربية ابنائهما، وهاهما قد بدءا في زرع بذورها فيهما من هذه السن، فكانت خطتهما تتلخص في ان يسير ولديهما في دروب العلم والتعلم، الذي لم يكن متاح لهما هما من قبل، لاختلف الوقت والامكانيات، واما اليوم فالمجالات مفتوحة، ومدارس التعليم العام لها فروعها في مجتمعهم، ودورهما يتلخص في تشجيعهما، وازالة كل ما يعترض طريقهما.

تعليمه :

الحقه والده بمدرسة فيفاء الابتدائية بالنفيعة في العام الدراسي 1384/1385هـ، حرصا على أن يكون هو واخاه الاكبر ضمن طلابها، ورغم بعد سكنهم نسبيا عنها، ولكن ذلك لن يحول دون تحقيق حلم طالما رواده, ولو انه اخر تسجيلهما قليلا بعد السن النظامية، ولكن كما المحنا كان للأبوين نظرة مستقبلية طموحه ، فالأب والام سبقا عصريهما بالوعي، والاتجاه إلى ضرورة تعلم ابنائهما، والايمان بان التعليم لا غيره هو المستقبل الواعد لأبنائهما، فهما واثقان أن التعليم هو الذي سيمنح الشخص حياة أفضل واجمل، لذا تحملا في سبيل ذلك كثيرا من التعب والعناء والتضحية، رحمهما الله وغفر لهما واسكنهما فسيح جناته.

وفي المدرسة وقد سبقه اخوه في الالتحاق بها، وكان رائده وقدوته ، لذلك لم يحمل هما في بداياته في المدرسة، ولذا لم يبقى أي اثر سلبي أو ذكرى من تلك الفترة في نفسه، لأنه كان متشوقا جدا إليها قبل ان يدخلها، فهو يرقب اخاه الاكبر في ذهابه وايابه إلى المدرسة، ويغبطه على كتبه الجميلة التي يطالع فيها، ويتمنى أن يكون مثله، لذا كانت اشواقه تسبقه وتسهل في عينيه كل تعب ومشقة، وما اسرع ما انغمس في جو المدرسة ، وتأقلم معها، وبنى علاقات مع زملائه ومعلميه، وتدرج في فصولها سنة بعد سنة، إلى أن تخرج من الصف السادس الابتدائي، في نهاية العام الدراسي 1390/1391هـ .

المرحلة المتوسطة:

كانت المرحلة الابتدائية هي اخر المطاف في فيفاء في ذلك التاريخ، فمن يرغب في مواصلة دراسته فعليه الاغتراب، الى احد المناطق أو إلى مدينة اخرى داخل منطقة جازان يوجد بها مرحلة متوسطة، ولم يعد امامه مجال كبير للتفكير، فالأمر محسوم من قبل، لان اخاه (حسن) قد سبقه بالاغتراب، في مواصلة دراسته في مدينة ابي عريش، ثم انتقل منها إلى مدينة جيزان، لذلك لم يتأخر أو يتردد وكذلك والداه ، بل انطلق يحمل شهادته الابتدائية مرافق لأخيه الاكبر، وهناك التحق مباشرة بالمرحلة المتوسطة في مدينة جيزان، ومن هذه اللحظة بدأت معه رحلة ممزوجة بالتعب والامل والمعاناة والنجاح.

كان في سن صغيره، واخاه كذلك لا يتجاوزه كثيرا، والحياة المعيشية صعبة وضنكة ، فاجتمع عليهما البعد عن الابوين، وقلة ذات اليد، والجو الصعب المرهق، ثم الدراسة والتحصيل، وما يلزمه من بذل جهد مضاعف، فهما من يقومان على كل امورهما المعيشية، من طبخ وغسل وتنظيف، في سكن غير مهيئ، والامور المالية شحيحة، كان دخل والدهما غير ثابت، انما موارده ما كان يخرج من نتاج مزرعته الصغيرة، ثم ما يحصل عليه من اجر بسيط في العمل لدى الاخرين، وكانت لديه اسرة كبيرة، فكيف له ان

يستقطع من كل ذلك ما يكفيهما في غربتهما، يقول (اسعد) عن هذه المرحلة ( كنا تسعة أشقاء سبعة إخوة وأختين، وكان ترتيبي بين اخوتي الثاني، وقد اصرا والدينا على تعليمنا، دون توقف مهما كانت الظروف، وتحملا مشقة وعناء الحياة في سبيل تفرغنا للدراسة، وقد ساعدهما نسبيا في ذلك أخي الأكبر الاستاذ حسن سليمان ابو بندر، اطال الله في عمره، في تحمل المسؤولية كاملة، اثناء دراستنا في جيزان بعد المرحلة الابتدائية، حيث قضيت في مدينة جيزان ست سنوات، درست فيها المرحلة المتوسطة والثانوية، كانت سنوات صعبه وطويلة، لا زلت اذكر تفاصيلها اليومية بحلوها ومرها الى اليوم).

تخرج من ثانوية معاذ بن جبل بجيزان، في نهاية العام الدراسي 1396/1397هـ، واتجه إلى مدينة الرياض يحدوه الامل متطلعا إلى المستقبل بكل تفاؤل ، هدفه وغايته مواصلة دراسته الجامعية، كان يتم التقديم حينها للالتحاق بالجامعات مباشرة، بالحضور الشخصي إلى عمادة القبول والتسجيل، ويتم تعبئة الاستمارات واوراق القبول، مع ارفاق الشهادات والاوراق المطلوبة، وفي استمارة التقديم يحدد الطالب الكليات التي يرغب الدراسة فيها، وكان كمعظم الطلاب في تلك الفترة ينقصهم كثير من المعلومات عن هذه الكليات واقسامها وتخصصاتها، فلا يعرف معظمهم الدراسة الجامعية إلا أنها كما سبقها في التعليم العام، ولم يستوعبوا حتى معنى الكليات، فما بالك بالمجالات والتخصصات التي تحويها كل كلية، وكان مطلوب في استمارة القبول في جامعة الرياض (الملك سعود)، تحديد مجموعة من الكليات التي يرغب الطالب القبول فيها، يرتبها تنازليا من الرغبة الاولى الى الاخيرة، بحيث اذا لم يتسنى له القبول في الاولى لاكتمال القبول فيها، أو عدم انطباق شروطها عليه، ينظر في الرغبة التي تليها.

كان الامر بالنسبة له تجربة حظ (شختك بختك)، لا معلومات واضحة بين يديه يبني عليها اختياراته، كغيره من معظم ذلك الجيل في تلك الفترة، فالواحد منهم اما يتبع من سبقوه، أو يجد من يدله على احدى الكليات مثنيا عليها من وجهة نظره، أو أنه يسجل تبعا لحدسه وما يمليه عليه حاضره، لذلك فعند فقرة تسجيل عدد من الكليات، كان تسجيله لها عشوائيا، حتى أن غالبها لم يتعرف على اسمائها إلا في نفس اللحظة، فمعظمها امامه مجرد اسماء لا تعني له شيئا ذو اهمية، فكان رقم واحد من هذه الكليات المسجلة في ورقته هي (كلية الزراعة)، لم يكتبها في البداء لسبب معين او تبرير منطقي، الا لأنها اول ما خطرت على باله حينها وراق له اسمها، لذلك تم قبوله فيها كأول رغبة له متاحة، وكان في الواقع هي المكتوبة له والمقدرة، يسرها الله له ورضي بها ولم يندم بتاتا على هذا الاختيار.

ما إن تم قبوله في كلية الزراعة (جامعة الرياض ـ الملك سعود)، واستوفى جميع الاوراق والاجراءات المطلوبة للقبول، إلا وسارع إلى استكمل متابعة بقية امور تفرغه للدراسة الاساسية، فاكمل اجراءات القبول في السكن الجامعي وخلافه، لذلك لم يبدأ العام الجامعي الا وهو مهيئ للانتظام في الدراسة من كل الجوانب، الحسية منها والمعنوية والنفسية، فاقبل على دراسته بكل همة ونشاط، وطور معلوماته عن محيطه وما يهمه فيه، وتعرف على نظام الجامعة واقسام الكلية والتسجيل في موادها، واسلوب التدريس المختلفة جدا عما سبق له في التعليم العام، وسارت معه الامور من حسن إلى احسن، يترقى في سلم المعرفة والتخصصات المطلوبة، فمضت به السنتان الاوليتان يحقق فيهما التفوق والنجاح المطلوب، وفي سنته الثالثة فترت همته، وتغيرت نظرته لما هو سائر عليه، حيث اصابته ملالة وشبه انتكاسة، لا لشيء الا أنه طرئ على فكره ضبابية في الرؤيا، واختلاف في الاولويات والرغبات، وتأثرا بما يسمعه من بعض جلسائه السلبيين، وبدأت تراوده احلام الواقع، والاستعجال للوصول، وقلة الصبر والانتظار للغد، فهو يشاهد أمامه ويخالط نماذج من المعارف والاصدقاء، يراهم يعيشون في راحة نفسية

وقناعة ذاتية ، لم يتعبوا انفسهم في دراسة ولا تحصيل علمي، ولا يحملون أي شهادات عليا، ولديهم وظائف حكومية بسيطة تسد حاجتهم، فقد قنعوا بها واستطاعوا تهيئة امورهم من خلالها، فلهم زوجات ولديهم ابناء، واقاموا بيوتا مناسبة على قدر امكانياتهم، فابتدأ يغبطهم على اوضاعهم، ويتخذ منهم نماذج يعجب بها ، ويراهم قدوات يتشكل الاعجاب بهم داخل نفسه وفكرة، مما ثبط عزيمته واوهن قوته، فاصبح فكره مقصورا على الحصول على وظيفة، تحقق له دخلا ولو بسيطا، ثم زوجة وسكن يعيش فيه، فالدراسة لم تعد لديه هدفا أو ذات اهمية، فنظرته إلى معظم هولاء الاقران والمعارف سيطرت عليه، والصاحب ساحب (كما قيل)، فيرى نفسه من خلال مقارنته بهم، وأنه ما زال يكدح في الدراسة والمعاناة، وقلة ذات اليد، حتى سيطرت عليه هذه الفكرة، وتملكت كل احاسيسه، فاصبح هدفه ومطلبه الان الوظيفة والزوجة وبيت الاحلام، مما اثر عليه بشكل ملحوظ، واهمل دراسته وتحصيله العلمي، فاهمل الدراسة والانتظام، وانخفض معدله التراكمي، ويتحدث هو عن تلك المرحلة وهذه الحالة فيقول: (سيطرت فكرة الزواج علي وانا في بداية المستوى الثالث في الكلية، وقررت التقدم لخطبة ابنة خالي يحيى بن سليمان الداثري رحمه الله (كان اخ لأمي من الرضاعة)، كان يعمل رئيس رقباء بالشرطة العسكرية في ذلك الوقت، في القوات الجوية بالظهران، فسافرت الى الظهران، وفيها اصطحبت خالي يحـي بن جبار المثيبي (حفظه الله) الذي كان يعمل هناك ، وعندما قابلناه في بيته وطرحنا امامه موضوع خطبتي، رحب بنا اجمل ترحيب، وبدأت البشاشة والسعادة واضحة على محياه، رغم انه يعرف اني لا املك من حطام الدنيا شيء، ويعرف تماما وضع والدي المادي الصعب، ولكنه مع ذلك وافق دون تردد على خطبتي لابنته، وبث لي إعجابه بي في كلمات نابعة من قلب صادق، مما جعل الفرحة تغمرني والسعادة تكتنفني، في حالة ما زلت اعيش تفاصيلها إلى الساعة، ولكنه بعد هذا الترحيب والمجاملات الصادقة، قال لا باس ولكن لتعلم أن لي شرط واحد، ولن يتم الزواج الا بتحقيقه، وكنت حينها مهيئ لقبول اي شرط يريده ، فكانت المفاجئة أنه نظر إلى وجهي مباشرة، وهو يقول : ( شرطي الوحيد مهرا لابنتي، هو (شهادة البكالوريوس، لا اريد منك غيرها)، وانتهى الحوار عند هذه النقطة، فقد كان (رحمه الله)، انسان متميز سابق لعصره في وعيه ونظرته للحياة ، منفتح الفكر والتفكير، نظرته للمستقبل واضحة وصائبة، بعيد النظر ويتحلى بكثير من الصفات المميزة، قلّ ان تجدها في غيره من الأقران ، رحمه الله واسكنه فسيح جناته).

يقول : بعد هذه الزيارة (رجعت إلى واقعي بنظرة وامل مختلف، حيث افاقني من غفلتي، واعادني إلى الخط الصحيح، حيث بدأت بكل جد وتصميم على اعادة ترميم ما قد حطمت في الفترة الاخيرة، فشحذت الهمة من جديد، وضاعفت معيار الجهد في التحصيل، للحصول على ذلك الشرط المهم (البكالوريوس)، الذي اصبح يشكل لي هدفا مختلفا ومهما، ورغم ما قد وصلت إليه من التدني الكبير في المعدل التراكمي، مما يصعب علي رفعه في المستويين الثالث والرابع، إلا اني اقبلت متوكلا على الله احث الخطا، فكان لهذا الانسان الكريم الدور الكبير والمحوري في اكمال مشواري وبناء مستقبلي، حيث استعدت توازني الدراسي، وصححت فكري، وشحذت همتي، إلى أن حصلت بحمد الله وتوفيقه على شهادة البكالوريوس في العلوم الزراعية، في نهاية العام الجامعي 1400/ 4011ھ .

ثم في اثناء حياته الوظيفية فيما بعد، عندما كان يعمل في هيئة تطوير وتعمير منطقة فيفا، وكانت حينها هذه الهيئة في بداية تأسيسها، وتهتم كثيرا بتأهيل موظفيها، وبالكوادر المهمة من منسوبيها، فأتاحت لهم فرص التطوير وزيادة التأهيل في تخصصاتهم، فنال هو ومعظم زملائه من المهندسين الاوائل، كثيرا من

هذه العناية في هذا المجال، حيث تم له خلال السنه الاولى من التعيين الابتعاث للدراسة، فسافر مع بعض زملائه من مهندسي الهيئة إلى انجلترا، لدراسة اللغة الانجليزية لمدة ستة اشهر، وما إن عاد من هذه الدورة حتى ارسل مرة اخرى في العام التالي 1403هـ ، في دورة تدريبيه تخصصية إلى مانيلا في الفلبين، حيث التحق فيها بجامعة (لوسبانيوس) لمدة اربعة اشهر، وتدرب في مركز أبحاث النباتات، في تخصص النباتات الاستوائية، مثل زراعة الموز والبن والأناناس وجوز الهند.

وكذلك في أثناء عمله في صندوق التنمية الزراعية، على مدى سنوات خدمته فيها، خمس وعشرون سنة، حصل على عدد من الدورات التدريبية، فاقت أكثر من خمس عشرة دورة، منها ما كان في مجال الحاسب الآلي، وفي الإحصاء ودراسات الجدوى الاقتصادية والفنية للمشاريع.

العمل الوظيفي:

اثناء العام الدراسي الاخير من الجامعة، وقبل تخرجه بحوالي شهرين تقريبا، وجد اعلانا من هيئة تطوير وتعمير منطقة فيفا التابعة لوزارة الداخلية، وكانت حينها في بداية نشأتها، حيث اعلنت عن حاجتها إلى تعيين موظفين، ومن ضمنهم مهندسين زراعيين، فبادر بالحضور إلى مقر الهيئة بالرياض، وكان موقعها في ذلك الوقت في حي الملز، وقابل مدير عام هيئة التطوير في ذلك الوقت (الاستاذ ابراهيم الثاني)، الذي رحب به كثيرا، واكبر فيه اعتداده بنفسه ورغبته الاكيدة في خدمة بلدته، وقال له بكل صدق واريحية اعتبر نفسك من الان معينا لدينا في الهيئة، وإذا ما أحضرت وثيقة تخرجك، فإن الهيئة تتولى استكمال جميع اجراءات تعيينك فيها، لأن الهيئة لا تستطيع تعيينه لديها مباشرة إلا بعد آخذ الاذن والموافقة من ديوان الخدمة المدنية، فالخريج الجامعي يجب عليه في ذلك الوقت العمل لدى الديوان لمده لا تقل عن اربع سنوات، او دفعه تكاليف دراسته الجامعية المقدرة بحوالي 80,000 ريال.

لذلك بعد تخرجه من كلية الزراعة، جامعة الرياض (الملك سعود حالياً)، واستلامه لوثيقة التخرج، في تاريخ 17/8/1401هـ ، تقدم بها مباشرة إلى الهيئة، بناء على الوعد السابق، ولم تخيب الهيئة امله ابدا، بل قامت بدورها في مخاطبة ديوان الخدمة المدنية، لطلب الموافقة على تعيينه موظفا لديها، مع ارفاقها لمبررات الطلب وحاجتها إلى تعيينه، وبالفعل تمت موافقة الديوان على هذا التعيين دون دفع اي تكاليف.

استكملت الهيئة جميع اجراءات تعيينه، حيث تم تعيينه مهندسا زراعيا في هيئة تطوير وتعمير منطقة فيفا، وباشر عمله فيها في تاريخ 8/10/1401هـ، ليعمل مهندسا في محطة التجارب الزراعية في فيفا، ومارس عمله الفعلي في هذه المحطة المهمة، التي كان من اهم اولوياتها تحفيز المزارعين في المنطقة على زراعة مزارعهم بالنباتات المفيدة، ولذا احتوت المحطة على مشاتل بها عشرات الآلاف من الشتلات، منها شتلات البن والموز والباباي والقشطة (السفرجل بالتسميه المحلية)، وركزت اكثر على شجرة البن، وكانت شتلاته تعتمد على النوع العربي (الخولاني)، وفي تلك الفترة انتهجت الهيئة دفع مبالغ مالية للمزارعين، مبلغ (50) ريالا دعما على الشتلة الواحدة عند الزراعة، ثم مبلغ (100) ريال عند انتاجها، وساهمت في توفير مياه الري، وفي توفير العمالة المدربة لمن يظهر جديته في الزراعة، وانتشرت زراعة البن والموز وبعض أشجار الفاكهة، وهيأت الشتلات التي تم استزراعها في محطات التجارب، والتي ثبت نجاحها بالمنطقة.

كان مدير عام الهيئة حينها الاستاذ ابراهيم الثاني، نشيطا ويحب فيفا وكأنه من اَهلها ، حيث تم في عهده إنجاز اعمال كبيرة اساسية، منها شق الطريق العام في فيفا، وعمل على إنشاء البلدية، والبنك الزراعي، والمستشفى العام، وبعض الدوائر الحكومية والمدارس، والموافقة على مشروع كهرباء فيفا، الذي يعتبر اكبر مشروع كهرباء في الشرق الأوسط من حيث التكلفة والتنفيذ.

وبقيت الهيئة من نجاح إلى نجاح، إلى أن تم نقل هذا المدير في العام1407هـ، حيث استلم من بعده الإدارة مديرا عاما جديدا، كان على نقيض سابقه تماما، ويحمل افكارا سلبية عن طبيعة عمل الهيئة، فاتخذ من البداية أهالي فيفاء أعداء له ، واختص بالعداء رموزها المؤثرين، وفي مقدمتهم شيخ شمل فيفا حينها، الشيخ حسن بن علي يحـي الفيفي (رحمه الله)، وفضيلة قاضي فيفا كذلك، الشيخ علي بن قاسم سلمان الفيفي (حفظه الله)، وصرف كل همته في هذا المجال، واشغل جل وقته في هذا السبيل، واصبح شغله الشاغل والاهم العمل على تشويه سمعة أهالي فيفا لدى الدولة، حتى أنه سعى إلى استصدار أوامر من مقام وزارة الداخلية، لتوسيع دائرة اختصاص الهيئة، لتشمل معظم القطاع الجبلي، وبهذا صرف الهيئة عن عملها الاساسي، والذي انشئت من اجل تحقيقه، في معالجة ازالة شجرة القات من فيفا.

حيث استصدر في البدا امرا بالقيام بحصر عدد أشجار القات في كل المناطق الجبلية، ولأجل ذلك كلف المهندسين والموظفين في الهيئة بتنفيذ هذه المهمة، ولطبيعته في عدم الثقة في كل الناس، فقد استبعد المهندسين من ابناء فيفا، (اسعد) وزميله المهندس (حسن سلمان)، من العمل في قطاع مركز فيفا، بحجة انهما لن يقوما بعملهما على الوجه المطلوب، بسبب انتمائهما كما يرى لفيفا، ولذلك كلفهما بالعمل في المراكز الاخرى المجاورة، حيث عملا في جبال بني مالك وآل تليد، وفي جبال الحشر ومنجد، وفي جبال بالغازي وهروب، وفي قيس والعبادل وسلا، وقاما بهذا العمل رغم أنه لا يدخل في تخصصهما، ولا هو من مهام الهيئة التي انشئت من اجله، فعمل الهيئة حسب ما ينص منطوق مرسوم انشائها، قاصر على نطاق فيفا فقط، ومع كل هذا حسب توجيهات ادارة الهيئة فقد قاما بما أوكل اليهما على خير وجه، وكان في استبعادهما من فيفا خير لهما ويصب في مصلحتهما، فقد اخرجهما من دائرة الحرج مع جماعتهما الاقربين، وفي نفس الوقت اضاف إليهما شرف التعرف على الجبال الاخرى التي عملا فيها، واتصلت لهما فيها علائق طيبة مع ابناء ومسؤولي ومشايخ هذه المراكز، فقامت لهما كثيرا من العلاقات والتعارف الوطيد الذي ما زال معظمه قائم الى اليوم، ولقد استمر عملهما في هذه المهمة لما يقارب العامين.

ومن ضمن تعسف هذا المدير أنه استصدار عددا من القرارات والأوامر، من خلال ما ينقله من تقارير واقتراحات مغلوطة ومخالفة للواقع للمسؤولين، ليضغط من خلالها على الموظفين الحكوميين في فيفا، سواء من معلمي المدارس، ومن الائمه ومؤذني الأوقاف في المساجد، ممن كانت توجد في مزارعهم أشجار القات (وكانت معظم مزارع فيفا تحتوي على شجرة القات ولأجل ذلك انشئت الهيئة)، وخصت الدولة فيفا بإنشاء هذه الهيئة لهذا السبب، ولتحقيق العمل على ازالته بشكل عادل ومنصف، وحاشا الدولة أن تتعسف على مواطنيها، وليست عاجزة لا من قبل ولا من بعد على تحقيق إزالته، ولكنها توخت الحذر والترفق بمواطنيها كعادتها دوما، ولكنه هو كان يمارس ضغوطا ظالمه، مستغلا مركزه المؤثر على هولاء المواطنين، ثم تدرج بعدها في العمل على التخلص من المهندسين اسعد وزميله حسن، وهما المهندسان الوحيدان من ابناء فيفا في الهيئة، ولتحقيق هدفه وغايته تلك ، كان يكلفهما بأعمال ليست من اختصاصهما، ولكنهما كانا يقبلاني بكل ما يكلفاني به دون تردد، ولما رأى أنه لا جدوى في كل هذه

المناكفات ، سعى في النهاية إلى فصلهما وفصل كل الموظفين من ابناء فيفا فصلا تعسفيا، بحجة وجود القات لدى احد اصولهم او فروعهم.

فكانت مدة عمل المهندس اسعد في هيئة تطوير وتعمير فيفا تسع سنوات، امتدت من عام 1401إلى عام 1410ھ ، وبعد فصله منها تقدم لمسابقه وظيفية أخرى في البنك الزراعي، في صندوق التنمية الزراعية، ونجح في المسابقة، وعين على وظيفة باحث زراعي في مكتب الشعبين في تهامة عسير، حيث باشر العمل الجديد في تاريخ 10/11/1411هـ، وبعد مضي سنة فيه، تم نقله الى فرع الصندوق في مدينة ابها، وعمل فيه لمدة أربع سنوات، ثم طلب النقل إلى البنك الزراعي في فيفا، وباشر العمل فيه من عام 1416ھ، واستمر في هذا المكتب عشرين عاما، حتى احيل على التقاعد في 1/7/1436هـ ، لبلوغه السن النظامي للتقاعد ستين سنة.

عمل خلال هذه السنوات الطويلة مع زملائه في أسرة واحدة(كما يقول)، قدم فيها معهم ما استطاعوا لخدمة مزارعي المنطقة الجبلية عموماً، فاختصاص البنك يشمل معظم القطاع الجبلي في المنطقة، فاجتهدوا في تنفيذ ما يدخل في اختصاصات ومهام البنك، في مساعدة المزارعين في استغلال مزارعهم كما ينبغي، من خلال منح القروض الزراعية الميسرة، والمساهمة الجادة في زيادة الرقعة الزراعية، ويقول أنه فخور جدا بما قدم، وبما عمل من خلال اختصاص وظيفته العامة، وبما هيئه الله له من خدمة الناس من خلالها، ويحمد الله كثيرا على أن وفقه وسدده، ويساله سبحانه الرضا والثبات.

ويشير هنا إلى تجربة مثيرة قام بها اثناء إنهاء خدماته من هيئة تطوير وتعمير فيفا، في الفترة التي سبقت تعيينه مجددا في البنك الزراعي، وهي فترة قاربت العام أو تزيد قليلا، حيث سعى إلى الاستغناء عن العمل الوظيفي، والتوجه لممارسة العمل في مجال التجارة والأعمال الحرة، فقام باستئجار محطة المحروقات في جوة فيفا، بالشراكة مع احد أصدقائه، ولكنه اكتشف أنه لا يصلح لهذا المجال، ففشل المشروع فشلاً ذريعاً، ولم تنجح هذه التجربة نهائيا، حيث خسر فيها كل ما تقاضاه من حقوق مالية صرفت له من هيئة تطوير وتعمير فيفا، مقابل انهاء خدماته فيها، وأيقن تماما ان التجارة ليست من مجالاته ولا هو من اهلها بتاتا، لذلك حرص سريعا على التقدم على وظيفة حكومية، والحمد لله على توفيقه وما اختاره له، وكل ميسر لما خلق له.

والان وبعد تقاعده من 1/7/1436هـ، استقر سكنه في مدينة جدة، قرير العين، مرتاح البال، سعيدا بما حققه، وبما اداه خلال خدمته الوظيفية، التي امتدت لما يقارب اربع وثلاثين سنة، وتفرغ لنفسه واهله وعبادته، حفظه الله ووفقه، وختم لنا وله بالصالحات.

الحالة الاجتماعية:

متزوج من الفاضلة هدى بنت يحيى سليمان الداثري الفيفي (حفظها الله)، وهي ربة بيت ومربية فاضلة، ضحت بحياة الراحة في المدينة (الظهران) وانتقلت لتعيش مع زوجها في منطقة نائية في تلك الفترة (فيفا)، وسكنت في بيت بعيد ومعزول عن طرق السيارات، وتركت حلمها في مواصلة الدراسة الجامعية، وصبت جل اهتمامها في رعاية زوجها وابنائها، بارك الله فيها، وكتب لها اجر ما قدمت، وثقل به في موازين حسناتها.

ولهما من الابناء ثمانية ابناء ولدان وست بنات وهم:

  1. محمد نقيب فني بالقوات الجوية.
  2. تغريد بكالوريوس علوم اسلامية ، متزوجة.

  3. تهاني المستوى الثالث بالجامعة ، متزوجة.

  4. عبير بكالوريوس ادارة اعمال ، متزوجة.

  5. عهود بكالوريوس لغة انجليزية، متزوجة.

  6. ريم المستوى الثاني كلية العلوم التقنية متزوجة.

  7. غادة طالبة في جامعة جدة.

  8. عبدالوهاب طالب بالصف الثالث الثانوي.

بارك الله فيها من اسرة طيبة، وبارك في المهندس اسعد، انسان محبوب اجتماعي لا تمل الجلوس معه والحديث معه وعنه، ولو تركت الحرية لقلمي بما اعرفه عنه، لواصل الاسترسال في الحديث الذي لا يمل، ولكن خير الكلام ما قل ودل، وحسبك من القلادة ما احاط بالعنق، نقف عند هذا الحد، ونسال الله ان يطيل عمره على مرضاته، ويبارك فيه وفي حياته، ويكثر في مجتمعاتنا من امثاله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الرياض في 12/5/1440هـ

تعليق واحد

  1. انعم واكرم بالمهندس أبو محمد
    من افاضل الناس الذين يمكن ان تلتقي بهم عنصر ربط مهم بين فئات وأطياف المجتمع فتجده بأصالة الإباء وتراث الأجداد وكذلك بفكر الشباب والمتقبل لموجة التغيير بكل ثقة ودراية
    من أروع الأصدقاء الذين يمكنك الحديث معه فكرا وخلقا وحزما يتمتع بابتسامه تأسر كل من يقابله حتى لأول مره
    كان نموذج أبناء فيفاء الأوائل الذين عادوا الى فيفاء لرد الجميل لمنطقتهم
    تشرفت بمعرفته ميدانيا حين كان مسؤول عن مزرعة التجارب القريبة منا في منطقة النفيعة التابعة لهيئة تطوير وتعمير منطقة فيفاء سابقا
    لا تخلوا مناسبات الافراح وتمثيل المنطقة من وجوده يصعب ان تتخيل العيد بدون ضحكته
    وفقه الله وادام عليه لباس الصحة والعافية

    هادي بن قاسم – دمينة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: