الأربعاء, 19 شعبان 1440 هجريا, الموافق 24 أبريل 2019 ميلاديا

متقاعدة

متقاعدة
بقلم: صالحة مفرح السلماني
تم قبول طلب تقاعدكم
كلمات قليلة جعلت عمرًا استمر لأكثر من ربع قرن يمر أمام عيني
أعادتني لأولى خطوات مشواري في تلك المدرسة النائية
مرت سنينه أمامي بما فيها من عطاء وإخفاق . شد وجذب . سعادة وحزن
مرت أمامي تلك المحطات التي تنقلت فيها حتى حطت بي رحالي هنا
أفكار كثيرة أخذت تدور بمخيلتي
فلا جرس لطابور الصباح بعد اليوم
لا ضجيج لهؤلاء الصغيرات أثناء الفسحة
لا شجار على قلم أو ممحاة أثناء الحصص الدراسية
لا خطوات متسارعة كل صباح لأصل في الوقت المحدد
هل ستكون تلك الملامح البشوشة التي ألتقيها كل يوم مجرد ذكرى سعيدة
هل ستغيب عن حياتي بسمات هؤلاء الصغيرات بعد دخولي عليهن كل صباح
هل ستنتهي خلافاتهن الصغيرة التي غالباً ما تختتم بضحكات الطفولة
هل سينتهي دوري مع هذه الأجيال والذي ظللت أمارسه لأكثر من خمسة وعشرين عاماً
كيف لكل هذا أن ينتهي بكلمة واحدة
تمنيت لو استطعت العودة لبداية المشوار بخبرتي التي جمعتها طيلة تلك الأعوام ،بشخصيتي التي صقلتها الأيام
لأتدارك تقصيري ولو حرصت
تمنيت لو أنني لم أتجاهل تلك الطفلة الخجولة المنزوية في آخر الصف
ليتني اقتربت منها وربت على كتفها وأظهرت لها حبي الذي سينتشلها من خجلها
ليتني فهمت عناد تلك المراهقة وتحدياتها لي أمام زميلاتها ،فبكلمة رقيقة هادئة و توجيه أمٍ محبة حريصة ،كنت سأمتلك قلبها وتهدأ ثورة عنادها
تمنيت لو أنني أمسكت بتلك اليدين المرتعشتين وهدأت من روع هذه الطفلة التي خرجت لهذا العالم الجديد
ليتني وقفت بين الصغيرات أتلمس احتياجاتهن و كنت تلك الأم التي تشعر برغباتهن
ليتني لم أفرط في تلك الدقائق التي أضعتها في الحديث مع زميلة في ممرات المدرسة
ليتني لم أقف عاجزة أمام ضعف تلك الطالبة وبحثت لأجد لها طريقاً تشقه نحو التفوق
ليتني لم أقتصر على تقديم ذلك المنهج فحسب فرسالتي أسمى من ذلك بكثير
ليتني ترفعت عن تلك الشجارات السخيفة التي دارت بيني وبين هؤلاء الزميلات وأدركت أنها مجرد محطة جمعتنا و أنه سيأتي اليوم الذي نذرف فيه الدموع لفراقنا
ليتني تفهمت اختلاف هؤلاء الطالبات و نوعت من طرقي لأوصل إليهن ما أريد
ليت و ليت وليت
و هل ستغير ليت من الأمر من شيء
وها هو الوقت قد حان لأفارق هذا المكان الذي حمل بين جنباته أجمل الذكريات
ها هو اليوم الأخير الذي سأجلس فيه على كرسيي الذي رافقني لأعوام و أعوام
ها هو اليوم الأخير الذي أطل فيه على حجرة صفي الذي صدح فيها صوتي لأجيال وأجيال فألفت جدرانها و نوافذها . مقاعدها وطاولاتها فأصبحت جزء مني أعرفها وتعرفني
فهل ستفتقدني وتحن لي ذات يوم
هل ستفتقدني سبورتي وأقلامي التي رافقتني طيلة تلك الأعوام
هل سيبقى مكاني فارغًا أم سأكون مجرد سطر ضمن  تلك السطور التي مضت وعفى عليها النسيان
ولكني على يقين بأن هناك من سيحمل الراية ليكمل المشوار . من سيتدارك كل تلك الزلات من سيكون أقوى فيبني ويتعهد تلك الغراس التي ستكمل البناء الذي بدأناه
مع تحيات معلمة متقاعدة

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    حسن مفرح

    إبداع و صفي و لغو ي مشوق هلا جربتي القصة او الرواية

علقّ على هذا المحتوى ..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: