مشائخ .. واعلام .. ذكريات

الشيخ. فهد بن علي قاسم آل طارش

انسان واضح وصريح، وذو فطنة وذكاء، يحترم الاخرين ويقدرهم، ويحسن التصرف في كل الامور، يتميز باللباقة وحسن التعامل، ولديه الكثير من الدراية والمنطق وقوة الحجة، طالب علم جيد وحريص، ويتميز بالحافظة الجيدة، وهو راوية للشعر، ويحفظ كثيرا من الاشعار وقصصها، ويستوعب الاحداث المصاحبة لها، ويحفظ كثيرا من قصائد الوالد عن ظهر قلب، ويحفظ ويروي كثيرا من اشعار الشاعر الشعبي الكبير (عمه) سليمان بن حسين الداثري رحمه الله.
متميز في عمله الوظيفي، يعمل في مجال خطير ومهم، محققا في النيابة العامة، وهذا العمل يجب أن يكون صاحبه ملما بعدة مهارات، منها العلم الشرعي، والمعرفة بالأنظمة والقوانين المرعية، وحسن الوصول الى الحقائق والمعلومات المطلوبة، وأن يملك مهارات الحوار واسلوب الكر والفر، ومستوعبا لعلم النفس وعلم الجرائم والتعامل مع المجرمين والمخالفين للأنظمة والقوانين، يعرف متى يشد ومتى يرخى، وكيف يطبق النظام وينزل الحكم بكل عدالة ومهارة.
ان منطوق تأسيس هيئة التحقيق والادعاء العام، ينص على مقدمة منها : (في اطار اهتمام حكومة خادم الحرمين الشريفين بإنشاء الاجهزة المختصة، بتوفير الأمن وإقرار العدالة، في كافة ربوع المملكة العربية السعودية، وفقا لأسس علمية وشرعية وحضارية، تضع في اعتبارها الحفاظ على حقوق الانسان وكرامته، وعدم اتخاذ أي اجراء يمس تلك الحقوق أو الكرامة، وذلك في ضوء القواعد الشرعية المستمدة من كتاب الله والسنة النبوية، صدر نظام هيئة التحقيق والادعاء العام) هذه القاعدة الصلبة المبررة التي قامت عليها هذه الادارة المهمة، وبالطبع فكل موظف فيها يقوم على تحقيق هذه الاهداف او ما يخصه منها، ويعمل في اطارها، وسياتي لاحقا بعض التفصيلات في انظمة هذه الهيئة التي اصبح مسماها (النيابة العامة).
عندما نتحدث عن أي سيرة فإنها فرصة في التعريف بالمجال الذي يعمل فيه، وابراز اهميته والاعمال المنوطة بهذا العمل، فالشخص يعرف من خلال انتمائه الاسري والاجتماعي والوظيفي، والتحدث عن الشخصية قد لا يكون هو الهدف بذاته، ان لم تكن ضمن الاطار الذي تعمل فيه، ويتم التعرف عليها من خلاله، والتعريف به من خلالها.
أنها سيرة أخي فضيلة الشيخ فهد بن علي بن قاسم آل طارش الخسافي الفيفي.

ولد في فيفاء في أواخر عام 1394هـ، في بيت جده لامه (حسن بن يحيى آل سنحان)، المسمى المربوعة، الواقع في جهة النفيعة من فيفاء.
ووالده هو فضيلة الشيخ القاضي العلامة علي بن قاسم ال طارش الفيفي ، ولن اتكلم عن والده إلا بما ذكره هو من منظوره الشخصي، حيث يقول عنه:
(والدي الشيخ / علي بن قاسم الفيفي، كان مثالا في المثالية، فكانت لديه أساسيات لا يحيد عنها، وهو جامعة بحد ذاته، فكان هو القدوة والناصح، والمثل الحي والمعين، ونلخصها في النقاط التالية:
1. يهتم بالمحافظة على الصلاة.
2. يهتم بالتعليم، وكان كثير الاطلاع والنقاش والإقناع، ويتخولنا بالمواعظ وشحذ الهمم.
3. يكره بشدة العادات السيئة، كالدخان والشمة, وجميع الأمور التي تضر بالصحة العامة.
4. موجه حصيف، يستخدم أسلوب التعليم بالممارسة، فأذكر من ذلك كمثال، اسلوبه في تعليمي صغيرا طريقة الوضوء والصلاة، وكان دوما يحفزنا للعلم وطلبه، ويضرب لنا كثيرا من الأمثلة الحية, ويحرص على اصطحابي واخواني معه إلى المسجد، بل كان يبدأ بنفسه في كل امر ذي بال، ويردد امامنا قول الشاعر:ـ
لا تنهى عن خلق وتأتي مثله ## عار عليك إذا فعلت عظيم
وكان يعلمني الخط، ومما احفظه منه بيت الشعر الذي يقول :
تعلم قوام الخط يا ذا التأدب ## وداوم على التحرير في كل مكتب
فإن كنت ذا مال فخطك زينة ## وإن كنت محتاج فكل منه وأشرب
5) وكان يقرأ الشعر أمامي، ويطلب مني في بعض الأحيان قراءة شيء من القصيدة على مسمعه، ثم يقوم بتعديل قراءاتي .
6) الحقني صغيرا في النفيعة بحلقة لتلاوة القرآن الكريم بطريقة مجودة، وكان معلمنا فيها الشيخ/ محمد الشيمي (مصري تخصص قراءات) رحمه الله، بل كان الوالد احيانا يجلس معنا في هذه الحلقة، ويقوم بالتلاوة أمام هذا الشيخ، ويشجع الاخرين من عامة الناس وبعض المعلمين على الالتحاق بهذه الحلقة، ثم الحقني بحلقة أخرى في جامع النفيعة، عند الاستاذ فتحي (مصري)، وفي مكة المكرمة الحقني بحلقات للقرآن في جامع حي الغسالة، ثم في مسجد محمود زيني بالعزيزية.
7) كان كثير الإنصات لي والتقويم، سواء في مكوثي عنده أو في صحبتي معه، وكان كثيرا ما يصحبني معه في اسفاره، اذكر أني سافرت معه إلى بعض دول الخليج، (الأمارات وعمان والبحرين)، وكان يأخذني معه عند زيارة أصدقائه، وارافقه احيانا عندما يحضر مجالس الملك فهد والملك عبد الله والأمير سلطان والامير نايف (رحمهم الله)، والامير احمد وأمير جازان محمد بن تركي السديري، وأرى في شخصيته الثقة والهدوء وسمت العلماء, وارافقه في معظم مشاويره الخاصة ، ويحرص على أن اصحبه إلى مناشط النادي الادبي بمكة، وكانت تربطني معرفة بالكثير من أصدقائه وزملائه، ومنهم الشيخ علي مديش بجوي، والشيخ إبراهيم زكري، والشيخ أحمد بشير معافا، والشيخ إبراهيم خلوفه، والشيخ جابر الطيب، ومعالي الشيخ راشد الراجح (رحم الله من مات منهم وحفظ بحفظه الباقين)، وكنت على صلة وطيده بجميع زملائه وأصدقائه والمحيطين به , حتى أني أفهم شخصه، وما يطيب خاطره، وما يعكر مزاجه.
8) كان يعتمد علي كثيرا عندما تقدمت به السن، فاسند الي معظم ما يتعلق بشؤون والدتي ومتطلبات البيت، وكنت أقوم بشراء الاحتياجات اليومية والذبائح وكل ما يلزم، بعد أن اطمئن إلى اتقان ذلك، لأنه يدربنا على ممارسة مثل هذه المهام من خلال مرافقته، ومن باب الدعابة أذكر أنه اصطحبني معه مرة إلى سوق الغنم، لا تعرف على كيفية الشراء، وعلى تمييز الصحيحة من الهزيلة منها، واذكر أن احد الباعة في الحراج عرض عليه ذبيحتين طلب في احداهما (400) ريالا وفي الاخرى (450) ريالا، ولكن الوالد اخطأ فقال له إلا خلها (سوا سوا)، فقال له كيف؟ قال يعني (900) ريال، وفرح البائع بعدم تنبهه وتمم البيعة، فلما انصرفنا قال لي الوالد هل تعلمت البيع والشراء، فقلت له أما مثل هذا فسأعرفها، ولما تنبه إلى خطأه في الحساب ضحك، وكنت فيما بعد أمازحه قائلا خلها (سوا سوا) فيضحك بكل صدق.
9) أتيحت لي فرصة ملازمته أثناء عمله الرسمي ، وفي اعماله الخاصة والعامة، فتعلمت منه كثيرا من الممارسات والخبرات، فقد كان له أسلوبا مؤثرا، فكان يسعى إلى تطوير الذات، ويردد دوما على مسامعا: (يجب أن يكون الإنسان ذو همّة عالية , وبعد نظر)، ويحثنا على الاطلاع والقراءة، ولا يربط القراءة بتخصص أو مجال محدد، فكان هو يقرأ في الفقه والسيرة، والأنساب والتاريخ، والثورات والكتب المترجمة , وكان يعطي أبناءه مساحة من الحرية في اتخاذ القرارات، ويقول (كل على نفسه بصيرة)، ولا يعرف اليأس والإحباط وليس لهما أي مساحة في حياته، مكنني من الخطابة والامامة بالمصلين، في مسجده الجامع بمكة المكرمة، وكان يتميز بالاهتمام بمظهره وملبسه، ويغضب علي احدنا إذا ما جلس في اخر الصف، وكان يقول: (يجب على الانسان ان يصلى في الصف الاول خلف الامام، وأن يكون دوما في المقدمة وليس في الخلف)، وكان يبجل ويقدر الكبير، ويحترم الصغير، ويصل الرحم، اتيح لي من خلال متابعة اعماله (حفظه الله) الاطلاع على عدد من الوثائق التي تؤكد تفطنه لأمور قد تحدث في المستقبل، وبالتالي تجده يتحوط لها).
هذا ما ذكره عنه صاحب الترجمة (فهد)، من خلال استقراءه لشخصيته، ومعاشرته اللصيقة له اكثر مني، لذلك هناك اشياء ذكرها لم افطن اليها من قبل، وهناك جوانب عديدة لم يتطرق اليها.
واما الام فهي الفاضلة المربية (عمتي) مريم بنت حسن يحيى شريف آل سنحان المثيبي (حفظها الله)، وكما تحدث سابقا عن والده (ابي) فلندعه يتحدث كذلك عن امه، واسلوبها الراقي والمثمر في التربية، حيث يقول عنها:
(والدتي حفظها الله كانت ذات جلد وصبر وقوة تحمل، ولديها برنامج يومي قاس سارت عليه، والتزمت به ونادرا ما يتغير، حيث تقوم من صلاة الفجر، وتحضّر الإفطار، وتوقظ ابنائها من النوم مبكراً، ثم تجبرهم على تناول طعام الفطور، ولا تتنازل لاحد منهم على ترك ذلك، ثم يعقبه الذهاب المبكر إلى المدرسة, وهي تنشغل بعدها بعمل البيت، وقد ترتاح إلى الساعة العاشرة صباحاً، ثم تقوم لاستكمال أعمال المنزل، وفور رجوع الابناء من المدرسة يكون الغداء جاهزاً، وبعد الغداء تلزمهم بالراحة والقيلولة إلى قرب صلاة العصر، وتوقظهم للذهاب لأداء صلاة العصر، وبعدها يجب على كل منهم المكوث لمراجعة دروسه وحل واجباته، وتتعهدهم بالمرور عليهم حاملة لكل واحد كاسا من الشاي، وفي نفس الوقت يكون ذلك نوعا من الرقابة والمتابعة الدقيقة لهم، ويحضر عليهم الخروج من البيت إلا للذهاب إلى المسجد فقط، وقد تقوم بالتسميع لكل واحد منهم، وبعد صلاة العشاء بنصف ساعة يكون العشاء جاهزا، وكل واحد منهم يأوي الى فراشه مباشرة، واما هي فتقوم بأعمال المنزل المتبقية، وهذا هو النمط الذي سارت به والتزمته، لم تغيره رغم كثرة الاولاد، وفيهم من كان صغيرا يحتاجوا إلى زيادة رعاية واهتمام، وكانت لا تسمح لهم بالخروج من المنزل إلا في الإجازة الأسبوعية).
ويتابع في الحديث عنها من جانب آخر فيقول: (مع بداية افتتاح مدرسة البنات الاولى بفيفا في عام 1397هـ ، حرصت (الوالدة) على الالتحاق بالدراسة فيها، في الفترة المسائية، رغم مشاغلها في بيتها، ومع اولادها الصغار، فكانت تذهب إلى المدرسة من قبل صلاة العصر، ولا تعود منها إلا قبيل صلاة المغرب، مع انها كانت تتقن من قبل القراءة والكتابة، حيث تعلمت على يد والدها (الشيخ حسن بن يحيى رحمه الله)، وكانت تحب القراءة والكتابة كثيرا، ويقول (كنت اسمّع عليها في صغري سورة مريم، حيث كانت تحفظها، وذكرت لي أن سبب حفظها لهذه السورة كونها على اسمها، وفيما بعد تمكنت من حفظ القرآن الكريم كاملاً، وهي لا تفتر من حين إلى الأخر من تعاهدي واخواني بالنصائح والتوجيهات).
إذاً فقد عاش بين هذين الفاضلين، ومن طفولته تشرب منهما الأخلاق الحسنة والتربية العالية، مع أنه اضافة اليهما كان له في محيط حياته الاولى مصادر عديدة، اثرت في تربيته، واكسبته كثيرا من الميزات الحسنة، حيث تكونت له من خلال احتكاكه المباشر بالعديد من هذه النماذج القوية، ويذكر اهل علم الاجتماع في هذا الصدد ما يلي : (أن شخصية الانسان الحقيقية تتبلور في السنوات الثلاث الاولى من حياته)، وهو بالطبع في هذه السنوات الاولى من حياته، عاش في كنف مجموعة رائعة من هولاء المتميزين، ولا شك انها تركت في تأسيس شخصيته بصمات قوية واضحة، ولتوضيح ذلك :
كان مولده في بيت جده لأمه (الشيخ حسن بن يحيى أل سنحان رحمه الله)، وعاش سنواته الخمس الاولى في هذا المنزل العامر، مع امه وبين جده وجدته واخواله، فكانوا له سوارا وحصنا احاط به، وتعاونوا على بث كثير من القيم الفاضلة في شخصيته، لنستمع اليه وهو يذكر شيء مما علق في ذاكرته من ذلك المحيط، فيقول (أول مراحل طفولتي لا زالت عالقة في ذاكرتي، كان منزل جدي لوالدتي عامراً بالإيمان، وفيه هدوء وسكينة، ويكتنفه الحب والطيبة من جميع أركانه، وفي طفولتي المبكرة انشغلت عني امي بأخي الاصغر (حافظ)، فقد ولد ضعيف البنية سقيم الجسم، حتى أنه اشرف على الهلاك، ولأجل ذلك ظللت حينها في كنف ورعاية جدتي (جميلة بنت أسعد سالم آل سلعي رحمها الله) ومع الفاضلة (عافية بنت زاهر الثويعي حفظها الله)، فكنت الطفل المدلل، أحظى منهما بكل رعاية واهتمام، وحب وتقدير، بل كانتا تتنافسان في خدمتي، والسعي في راحتي، والحماية والدفاع عني، فكنت أتنقل مع جدتي (جميلة) أثناء عملها في المنزل، وأثناء إدخال وإخراج البقر وحلبها، وأثناء التعليف، حتى اصبحت أعرف حدود بلادهم، ومسمى حيافهم، وموسم الذري والحصاد فيها, وكان جدي لأمي (الشيخ حسن بن يحيى) يحرث البلاد بالثور، ويعاونه خالي يحيى (رحمهما الله)، ويعطياني بعض من حب البذر، ويعلماني طريقة بذره في الارض.
كان منزل جدي مريحا وهادئا، أجد فيه الراحة النفسية والسكينة، وفيه الطبيعة الريفية الجميلة، ويجتمع فيه كل أخوالي، فتتاح لنا معهم كافة أنواع التسلية والرعاية، والاهتمام الكبير من قبل الجميع، فقد كان جدي (حسن رحمه الله)، الشيخ الكبير الجليل، مدرسة متحركة، يتخولنا بنصائحه وارشاداته القيمة، ويسرد لنا كثيرا من القصص والتعليقات المفيدة، وأذكر مما كان يعلمني وما زال راسخا في فكري، تعليمه لي طريقة الأكل باليمين، والجلوس أثناء شرب الماء، وأثناء الأكل، وفي طريقة المصافحة، وفي رد السلام، واما جدتي (جميلة رحمها الله) فكانت شعلة من النشاط لا تفتر ولا تكسل، تراها دوما منهمكة في أعمال المنزل، من الطبخ والتنظيف والاحتطاب وجلب الماء او العلف للبقر، فكانت تأخذني معها في معظم تحركاتها خارج المنزل، ويسعدني ذلك كثيرا، وأما العمة (عافية بنت زاهر حفظها الله) فهي مصدر التسلية التي لا انساها، تعد لي المراجيح، وتسمح لي باللعب في الطين، وبالتسلية بكل انواعها، وتحوطني بكل رعايتها، حتى انها تصيغ أناشيد باسمي، وتسجع من العبارات ما يناسب حالي، من مثل قولها (فهد يهد) ردا على من يقول(فهد مزعج).
في هذا الجو العابق بالحنان كانت طفولته المبكرة، وسنواته الاولى في هذه الحياة، واستمرت معه ليست بعيده وإن خرج من محيطها، فمع انتقاله وامه واخوانه إلى بيت مستقل مع والده، فاختلفت البيئة وتغير اسلوب التعامل وقد كبر قليلا، وإن كان بصورة اقل لدواعي انتقاله من هذه البيئة، وتغير اسلوب التعامل معه وقد كبر قليلا، حيث انتقلوا في أواخر عام 1398هـ إلى بيت مجاور لبيت جده، بيت والده (المربوعة)، المعروف باسم (بيت المأمور).
وفي هذا المنزل الجديدة، اختلفت الحياة عن سابقها، ولكنها اكسبته انواع اخرى من التعاملات والتربية، وهكذا تشعبت الحياة وكل يوم فيها تغييرات جديدة تزيد من صقل شخصيته، وتنمية حسن التعامل الجيد مع كل جديد، وبعد عامين انتقلت الاسرة إلى بيت اخر بجوار سوق النفيعة، واكتسب الكثير والكثير، فالإنسان يتعلم وتتراكم خبراته في هذه الحياة، وفي التعامل مع الاخرين، كلما اتسع محيطه وكبر، وكبرت سنه وزادت معلوماته.
التعليم :
الحقه والده بمدرسة تحفيظ القرآن الكريم في النفيعة، في العام الدراسي1400/1401هـ، وشق عليه في البداية بعد منزلهم عن المدرسة، ولكنها زالت تلك العقبة بانتقال سكنهم مع بداية الفصل الدراسي الثاني، إلى بيت بجوار السوق، قريب من المدرسة، وتأقلم مع المدرسة ومع نظامها، واقبل على دراسته متفوقا ناجحا، وفيها تعرف على عالم جديد، وعلى زملاء في مثل سنه، ما اسرع ما تشكلت بينه وبينهم علاقات الزمالة والالفة، فمضت به السنين مواصلا نجاحه عاما بعد آخر، ويقول عن هذه المرحلة الابتدائية، ما زلت ادين بالفضل فيها للمعلمين الافاضل، وفي ذاكرتي منهم إلى اليوم، كل من الاستاذ فرح بن سلمان الداثري، فقد كان (حفظه الله) طيبا ورحيما بتلاميذه، ثم الاستاذ يحيى بن علي الابياتي، كان (رحمه الله) ذو شخصية مهابة.
وبعد نجاحه من الصف الرابع الابتدائي، في نهاية العام الدراسي 1404/1405هـ ، عرض عليه والده الانتقال لمواصلة دراسته في المعهد العلمي، فاسعده ذلك التغيير واشعره بانه قد كبر، وزاد من سعادته أنه سيكون فيها قريبا من اخوانه الكبار (احمد ومنير وخالد ونبيل)، الطلاب في نفس المعهد، وكان المعهد حينها به مرحلة تمهيدية تسبق المرحلتين المتوسطة والثانوية، تعادل الصفين الخامس والسادس الابتدائي، كانت موجودة في نظام المعاهد العلمية، لتعويض قلة الخريجين من المدارس الابتدائية العامة، ولكنها الغيت بعدما توسع في فتح المدارس الابتدائية، واعيدت استثناء في معهد فيفا العلمي، مع بداية تأسيسه لنفس الغرض، والغيت بعدما زالت الحاجة.
اكمل دراسة المرحلة التمهيدية، وانتقل مباشرة إلى المرحلة المتوسطة في نفس المعهد، ودرس فيه الفصل الدراسي الاول، ثم انتقل مع بداية الفصل الدراسي الثاني إلى المعهد العلمي في مكة المكرمة، لانتقال اسرته إليها بانتقال عمل والده، وكانت البداية في معهد مكة صعبة عليه، لكونه شعر بالغربة وكونه وحيدا لا يعرف احدا، واختلاف لغة التخاطب مع زملائه ومحيطه، وفقده لإخوانه وزملائه في فيفاء الذين تعود عليهم، فكانت فترة انتقالية صعبة عليه، ولكنه حاول تجاوزها والتأقلم معها، ويذكر أنه بسبب هذه الظروف والاحساس النفسي، لم يستطع استيعاب دروسه كما ينبغي، مما جعله يخفق في النجاح في نهاية العام، واشتد عليه الامر كثيرا، لتصوره كيف ستكون ردة فعل والده العنيفة، ولكنه يقول عندما قابلت والدي، وأخبرته بعد تلعثم وخوف شديد بما حصل، أجلسني بجواره، ثم مسح على رأسي، وهو يردد بصدق: (انما رغبوا في أن تتقوى في هذه المواد، وتعيد دراستها مرة ثانية، لذلك لا تنزعج، وستستطيع المضي قدما) لا شك انها كانت وسيلة تربوية ناجحة، دفعته مستقبلا إلى الحرص وعدم التكاسل، وفي زيادة التحصيل، فلم يتكرر معه الاخفاق بعدها طوال دراسته.
وقد انفرجت الامور بحمد الله مع بداية العام الثاني، حيث لحق به اخوانه خالد وابراهيم، وانسجم مع زملائه ودروسه، وسار في تحصيله الدراسي عاما بعد عام، إلى أن تخرج يحمل الشهادة الثانوية، من المعهد العلمي بمكة المكرمة.
بعد تخرجه كان قد حدد له مسارا واضحا، فمن خلال ما يسمعه كثيرا من والده ومن اخوانه وممن حوله، ثم ما أكده له استاذه الفاضل حسن بن ابراهيم خلوفة ، مدرس التاريخ في المعهد العلمي، حيث كان ينصحه ويوجهه كثيرا لمعرفته الخاصة به، فقد كان والده الشيخ القاضي ابراهيم خلوفة، زميل وصديق للوالد، وكل هذه النصائح من الكل ترجح له التخصص في كلية الشريعة، لذلك ما إن تخرج من المعهد العلمي إلا وتوجه مباشرة إلى جامعة ام القرى للتسجيل طالبا فيها، في كلية العلوم الشريعة، وتم قبوله فيها، وكانت بالفعل مناسبة لميوله، ووجد فيها ضالته، واحس انها تحقق له طموحه، حيث تخصص في قسم الشريعة، مع الاعداد التربوي، وقد سارت به الايام والاشهر والسنوات، وهو يترقى في مستوياتها فصلا بعد فصل، وما اسرع مرور الوقت وتصرمه، فقد جاء التخرج بعد اربع سنوات، ناجحا يحمل شهادة البكالوريوس في الشريعة، ومع هذه الشهادة زادت تطلعاته إلى الاعلى، ورغب في تأهيل نفسه في تخصص يميل اليه، فمازال في باله توجهات لا يحس انها قد اكتملت مؤهلاته لها، ورغم أنه بحاجة جدا للوظيفة، لكونه متزوج وذي عيال، ولكنه اجل ذلك إلى حين، خوفا من أن تفتر همته أو يكسل بمضي الوقت، لذلك حزم امره واتجه إلى الرياض لينظر هل تتيسر له اموره كما يريد.
كان هدفه في مدينة الرياض السعي إلى مواصلة دراسته في معهد الادارة العامة، لما يسمعه من تميز خريجي هذا المعهد، وبانه يمنح الخريجين منه درجة الماجستير الوظيفي، في تخصصات عملية دقيقة، فقد سبقه في ذلك اخيه الاكبر (حسن)، الذي واصل دراسته في هذا المعهد بعد الجامعة، وبما سمعه منه وهو يجيب على تساؤلات الوالد حول مبررات التحاقه بالمعهد، حيث كان مضمون هذه الاجابة (ان الوظائف لخريجي هذا المعهد مضمونة، وانهم يعينون على المرتبة الثامنة، في حين أن خريجي الجامعة (البكالوريوس) لا يعينون إلا على المرتبة السادسة)، وما سماعه من ثناء الوالد على (حسن) واشادته بحسن تدبيره وبعد نظره، ودفعه تطلعه ذلك إلى التعرف اكثر على تخصصات المعهد، وقد افاده كثيرا في هذا الجانب، صديقه الاستاذ محمد بن يحيى سليمان الداثري، وبما اهداه له من مطبوعات المعهد، وبرامجه المتاحة، لذلك فقد حزم امره وعقد عزمه على الالتحاق بهذا المعهد.
وحمل شهادته وآماله متوجه دون تردد إلى مدينة الرياض، يحدوه الامل في تحقيق طموحه، ولم يخبر احدا من محيطه عن نيته، حتى أنه كتم الامر في البدا عن والديه وعن زوجته، خوفا من الاخفاق في القبول، واجل اعلامهم بذلك إلى أن يضمن القبول، وبعد أن يضع رجله في اول عتبات المعهد، وفي الرياض وجد التحفيز التام، والمساعدة الكاملة من اخيه (حسن)، حيث تقدم بأوراقه للمعهد طالبا القبول، وبعد استكمال الاجراءات والمقابلات المطلوبة، تمت الموافقة (بفضل الله) على قبوله طالبا في هذا المعهد، في التخصص الذي رغبه (دراسات الانظمة)، وعندها تنفس الصعداء لتحقق رغبته، وعاد فرحا إلى مكة ليخبر والداه بذلك، حيث فرحا له كثيرا وباركا له مسعاه، وشجعاه بصدق على حسن اختياره.
وهنا ابتداء الاستعداد الجاد، والتهيئة للانتقال للسكن في مدينة الرياض، ولذا قرر في البدا أن يسافر لوحده، ويترك زوجته وابنته الصغيرة في مكة المكرمة، ليتعرف على الحياة الجديدة، وعن وضعه المعيشي، وكيف ستسير الامور، وبالفعل بدأ العام الدراسي الجديد 1418/1419هـ، وهو منتظم في معهد الادارة العامة، تاركا خلفه في مكة زوجته وابنته مع والديه، وهنا واجه معاناة الغربة والبعد والعزوبية، ثم المعاناة من اختلف اسلوب الدراسة، ونظام المعهد الصارم في الاهتمام بالانتظام، فالمعهد يتميز دوما بالصرامة في وجوب الانتظام، ولاختلاف الدراسة والمواد الدراسية فيه، فطريقة التدريس والاختبارات التحريرية فيه مركزة، وبسبب هذه الصرامة والشدة (كما يذكر)، تقلص عدد الدارسين من (69) دارسا في بداية التسجيل، إلى (25) دراسا فقط عند التخرج، وقد استطاع (بحمد الله) ثم بقوة عزيمته واصراره في التغلب على كل الظروف، حتى انه في بداية الفصل الدراسي الثاني اصطحب معه زوجته وابنته، واستأجر له بيتا مناسبا واستقر فيه، واقبل على دراسته بكل جد واجتهاد لا يشغله عنها شيء، وهو يحقق فيها النجاح تلو النجاح.
كان من متطلبات النجاح تقديمه بحثا ميدانيا، يتعلق بالتخصص الذي درسه وتطبيقا عمليا له، وكان عنوان هذا البحث (تطبيق الإحكام الشريعة وأثره في تحقيق العدل في المجتمع)، عمل فيه بكل جد، وبذل في تنفيذه جهدا مضاعفا، حيث كان يتطلب زيارات ميدانية، زار خلالها مقر هيئة الامم المتحدة بالرياض، واطلع فيها على الاحصائيات الدولية المسجلة، التي توضح نسب الجريمة ومعدلات ارتكابها في العالم، مقارنة بها وبمساحة الدول التي تقع فيها ، من حيث عدد السكان واجناسهم، ثم زار ايضا مقر وزارة الداخلية، وفيها اطلع على الدراسات الاحصائية، ومتابعة آلية التسجيل، وفي النهاية خرج ببحث قوي ودراسة مفيدة له.
كانت فائدته من الدراسة في معهد الادارة العامة كبيرة جدا، حيث نمى معلوماته، وتغير فكره ونمط حياته إلى الافضل، ويفخر كثيرا بنخبة كبيرة ممن درّسوه في هذا المعهد، ولم يقف عند هذا الحد في مواصلة تعلمه والاطلاع ومتابعة كل جديد، سواء في تخصصه أو في كل المجالات، فالحياة كلها دروس وكلها خبرات وتجارب، لا تنتهي ولا تقف عند حد معين، فالإنسان في كل يوم وفي كل لحظة يتعلم شيئا جديدا، ويضيف إلى نفسه وخبراته شيئا مفيدا، وبعد أن تعين موظفا حكوميا في النيابة العامة، في منطقة جازان، وفي مكة المكرمة وفي القريات، حيث اتيح له فرصة الالتحاق بعدد كبير من البرامج والدورات التخصصية، حيث التحق بكثير من ذلك على مدى سنوات عمله، ومنها:
⦁ دبلوم عالي في التحقيق والادعاء العام، لمدة ستة اشهر.
⦁ اساليب التحقيق في القضايا الجنائية.
⦁ الرقابة على السجون وتنفيذ الاحكام.
⦁ نظام الاجراءات الجزائية.
⦁ الجريمة المعلوماتية.
⦁ مكافحة الاتجار بالبشر.
⦁ ادارة الوقت.
⦁ الاتصالات الادارية.
⦁ بوابة الحاسب الآلي.
⦁ التعريف بنظام الاجراءات الجزائية.
⦁ الاثبات الرقمي.
عمله الوظيفي :
أول وظيفة التحق بها وهو مازال على مقاعد الدراسة الجامعية، حيث تعين سائقا خاصا لفضيلة الوالد عضو هيئة التمييز بمكة المكرمة،(حيث يخصص لكل عضو في الهيئة سائق شخصي)، وقد ثبت حينها على الدرجة 33، ولكنه لم يستمر فيها الا عاما واحدا، وبعدما تخرج من معهد الادارة العامة، حاملا درجة الماجستير في (دراسات الانظمة)، صدر امر ملكي بتعيينه عضوا في هيئة التحقيق والادعاء العام، وخير في الهيئة على المباشرة فورا في منطقة الجوف، أو في منطقة الحدود الشمالية (عرعر)، أو الانتظار لمدة أسبوع ليباشر في منطقة جازان، لذلك فضل الانتظار ليباشر في منطقة جازان.
باشر على وظيفته الجديدة في تاريخ 1/6/1420هـ ، مدعيا عاما بفرع هيئة التحقيق والادعاء العام بجازان، وقام من خلال هذا العمل بتمثيل الادعاء العام بالمحكمة الجزائية بجيزان، ولم يستمر في جازان سوى ثلاثة اشهر، حيث صدر قرار نقله بناء على طلبه إلى مكة المكرمة، وباشر عمله في مقر هيئة التحقيق والادعاء العام بمكة المكرمة في 15/9/1420هـ، وفيها كان يمثل الادعاء العام بالمحكمة الجزائية بمكة، ثم كلف بالعمل في دائرة التحقيق في قضايا المخدرات والمؤثرات العقلية، وتمت ترقيته في عام 1423هـ على وظيفة مدعي عام في محافظة القريات منطقة الجوف، واضطر للمباشرة عليها والانتقال للاستقرار في القريات، وبقي هناك لمدة عام كامل، مثل فيها الادعاء العام والنيابة في المحكمة العامة بالقريات، وعاد إلى مقر الهيئة بمكة المكرمة في عام 1424هـ ، ليعمل في نفس الدائرة السابقة، قضايا التحقيق في قضايا المخدرات والمؤثرات العقلية ، ثم تنقل بعدها في عدة دوائر داخل الهيئة، ومنها دائرة التحقيق في قضايا النفس وما دون النفس، ثم دائرة الرقابة على السجون وتنفيذ الاحكام ، وكان يقوم بجولات تفتيشية على السجون ودور التوقيف، ويشرف على تنفيذ الاحكام، ثم عمل بدائرة التحقيق في قضايا المال ، واخيرا عاد للعمل بدائرة التحقيق في قضايا النفس.
خرج من كل ممارساته المهنية، في كل هذه الدوائر المختلفة، سواء في جازان أو مكة أو القريات، بخبرات وفوائد عديدة ومازال، فيقول عن تجربته الاولى في منطقة جازان، (مع أن الفترة التي قضيتها في جازان قصيرة (ثلاثة اشهر) إلا أنها اكسبتني كثيرا من المعارف والصدقات، مازال معظمها قائم الى اليوم)، وكذلك في مكة والجوف من المعارف والعلاقات داخل الهيئة وفي المحاكم وفي السجون ومع الشرطة، فكانت تجارب ناجحة ومردودها الايجابي والخبرة العملية كبيرة جدا.
وكلف القيام بالعديد من المشاركات في عدد من الدورات التدريبية، في مدينة تدريب قوات الامن الداخلي بمكة المكرمة (اكاديمية تمنح تخصصات امنية) والمشاركة في عدة لجان تخصصية، ومنها:
⦁ تدريس مادة نظام الاجراءات الجزائية بمدينة التدريب لمدة فصل دراسي.
⦁ دورة تأهيلية للمشاركين بأعمال الحج من منسوبي الامن العام.
⦁ المشاركة بعدد من اللجان مع جهات اخرى كممثل للنيابة.

الحالة الاجتماعية:
تزوج مبكرا، ومازال على مقاعد الدراسة طالبا في الجامعة، وعدد فيما بعد ومن زوجاته:
⦁ الفاضلة وفاء بنت سليمان حسين الداثري، وله منها ستة ابناء ( اصايل وعلي وفيصل وعبدالله وريلام ولدن).
⦁ الفاضلة طرفة بنت دحان بن عبدالعزيز قعيشش العنزي (من مشايخ قبيلة الفدعان) ـ انفصلاـ ، وله منها البنت (همس).
⦁ الفاضلة عبير بنت حسن احمد الداثري وله منها (حافظ والحسن).
بارك الله فيه وفي ذريته ونفع به وبعلمه ووفقه وجعله بارا بوالديه.
هذه المامه بسيطة من سيرته، وترجمة مقتضبة لشخصيته، رأيت لزاما علي أن اسجلها، بعد أن ظفرت بها بعد تردد كبير منه، وعدم قناعة لديه بأنه مستحق للكتابة عنه، فالعذر في التقصير، وهي لا تخضع للجرح والتعديل، فهو في عيني اكبر مما كتبت، وقد لا يكون ذلك عند كثير من القراء، فالعذر إن قصرت، والسماح إن تجاوزت.
ونسال الله أن يوفقه ويبارك فيه، وأن يزيده نجاحا وعلوا، والله الهادي إلى سواء السبيل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرياض ـ في 11/5/1440هـ

‫2 تعليقات

  1. ما شاء الله تبارك الله سيره عطره لفارس بارع الشيخ فهد نستطيع ان نقول بانه سبق وقته او عاش فى زمن سبق سنه بحكم ملازمته لوالد حظه الله ارى انه اخذ من تلك الشخصيه صفات وسلوكيات لم يستطع من في عمره ان يستقيها وفقه الله ونفع به

  2. ما شاء الله تبارك الله سيرة عطرة حافلة بمراحل عدة في حياة الشيخ / فهد وتجارب عاشها وخبرات إكتسبها هذا نموذج في الأخلاق والرقي في التعامل ولن أوفيه حقه مهما قلت ولكني أشهد الله أني أحبه فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: