مقالات

رحل نبراس بقعتنا

أموتٌ يلي موتاً؟ حنانيكَ يا دهرُ * * * فما جفَّ في أوراقنا الأُوَلِ الحِبْرُ
رحم الله فقيدنا وفقيد الجميع هادي بن عبدالله سالم العُمري الفيفي وغفر له وجعله من ورثة جنة النعيم، وعوض أهله وذويه محبيه خيراً في مصابهم الجلل.
لقد صدق فيه حديث أبي صفوان عبد الله بن بشر الأسلمي – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (خَيرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ). رواه الترمذي وقال: حديث حسن وصححه الشيخ الألباني رحمه الله .
ولا نزكيه على الله أبداً، ولكن نحسبه كذلك بإذن الله تعالى والله حسيبه، فقد جاوز التسعين عاماً، ولم يُعرَف عنه إلاّ حرصه على كل ما يقربه من ربه تبارك وتعالى .
فمنذ الثلاثين عاماً عرفته لم يُذكر إلاّ بكل خير، ومما يحفظ له ويحفظ عنه في أقواله حِكمٌ وفي أفعاله اِتِزَانٌ والتزامٌ بالسنة، وفي مجالسه واجتماعاته لا يُعرف اللغط، تعلوه هيبةٌ تملأُ مجلسه حتى لا تكاد تسمع إلاّ همساً، وله ابتسامةٌ لا تفارقُ محياه تُوحي بحبه لمن حوله، يهتمُ بأمور أقربائه ويكثر السؤال عنهم، يُكثر من تذكير الناس بالآخرة وبحال من سبق وأن الحياة ليست دار مقر ولا بد من الرحيل منها.
يُغضِي حَياءً ويُغضَى من مهابته * * * فما يُكلم إلاّ حين يبتسمُ
لقد فجعنا بخبره، وأحزننا والله كثيراً رحيل هذا الشيخ الوقور، الذي كان لبنة أساسية في مجتمعنا، فالكل يشهد له الخير والمسابقة له، والأعمال الحسنة، وصلة الرحم، وحضور المناسبات التي تجمعه مع أقاربه، ومداومته على قراءة القرآن العظيم ويشهد له بذلك مصحفه الخاص، لم يُؤذن يومٌ من الأيام إلاّ وهو جاهزٌ لفريضته، وتحليه بصفة الكرم العظيمة (أنتم شهداء الله في أرضه).
نعم هذا هو نبراس بقعتنا ونورها وزهرتها، قد رحل بقضاء الله وقدره، نعم هو كبيرنا وقدوتنا، الذي لا بد من مشورته في غالب الأمور التي تتعلق بأهل هذه البقعة، فقد كان المرجع الأول والأهم في ترتيب شجرة عائلتنا (آل برقان) لمعرفته بكل أبناء قبيلته، ممن عاصرهم أو كانوا قبله، حفظ ذلك من آبائه وأجداده، ويحفظ كثيراً من قصص من سبق، ولكن العيب فينا نحن شباب اليوم، لا تحفظ ما سمعنا منهم ولا نكتبه أو ندونه لنحتفظ به، فهو علمٌ نحتاجه في يوم من الأيام، طال الزمن أو قصر، فقد رحل ولم ندوّن منه كل مايستحق التدوين، رحل كغيره ونحن مشغولون عن ما تحمله صدورهم وعقولهم من العلم والقصص، كما رحل أبي وعمي وغيرهما من رجالات القبيلة رحمهم الله، ثم إذا بنا نضرب كفاً بأخرى ندماً وحسرة على تفريطنا وجهلنا.
فقد عاصرَ الحياة بحلوها ومرِّها وعرف تجاربها، وأخذ منها تجاربه ووضع فيها بصمته، وصمدَ في وجه الحياة العابس، وتترس بالصبر لكل ملمات الحياة وكالحاتها، كان صَبوراً جَسوراً، قوياً بإيمانه، رابط الجأش، متوكل على ربه في كل أموره، يحسن الظن بربه، هادئاً حيث كان له من اسمه (هادي) نصيب ـ رحمه الله ـ وغفر له، فلم يأتهِ أجله إلاّ وهو مستعدٌ له كما سمعنا ونُقلَ إلينا، وأنه لم يتحسر على فراق الدنيا، ومن فرح بلقاء الله فرح بلقائه.
نبراسُنا رحل عنا إلى حياة السعادة الأبدية، وإلى رَوحٌ وريحان وربُّ راضٍ غير غضبان، بجوار محمدٍ وصحبه، وتركنا في دنيا فانية يحطم بعضها بعضاً، الكلُ فقده الكبير والصغير والقريب والبعيد، الكل يحفظ له صدقه وأمانته وهيبته وإخلاصه وتقواه لربه، فهو بمثابة الأب للجميع.
رحلتَ ولم ترحلْ أخلاقك وصفاتك وأعمالك الصالحة، وبصماتك التي وضعتها في كل مكان وأسعدت بها الناس، أبشر بخيرٍ عظيم ستجده أمامك عند الله تعالى، وقد بشر الله الصابرين على ما أصابهم بالأجر العظيم، والثواب الجزيل، الذي لو رآه المؤمن لتمنى أن حياته كلها مصائب، ليزداد في أجره وترفع درجته في المهديين.
والله إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا بفراقك يا (هادي) لمحزنون ولكن لا نقول إلاّ ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون.
 بقلم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: