مقالات

مَاتَ شَيْخُ أَبِيْ

أ. عيسى بن سليمان الفيفي

خبرٌ وربي للفؤادِ يُقطعُ * * * دمعتْ له عيني وعزَّ المضْجعُ
خبرٌ وربي هدّ كلَّ عزيمةِ * * * يندَى لهُ الرجل الحليم ويَفزعُ
خبرٌ أتى من حولِ مكةَ ناعياً * * * الشيخُ ماتَ وكل أذن تَسمعُ
فُجعنا مع أول يومٍ من شهر رمضان المبارك لهذا 1440هـ بخبرٍ أقضَّ مضاجعَنا وأسالَ مدامعَنا ونكأ جراحَنا وأنَّتْ له قلوبنا.
فُجعنا برحيل الشيخ القاضي علي بن قاسم آل طارش الفيفي – رحمه الله – نسأل الله أن يرحمه ويغفر له ويجزيه جزيل الثواب ويجعله من ورثة جنة النعيم، وأن يصبر أهله وذويه ومحبيه، ويحسن عزاء فيفاء وأهلها وما حولها.
فقد كان (علاّمة فيفاء) زمناً طويلاً وقاضيها ومرشدها ومفتيها، فلا يوجدُ بيتٌ من بيوت فيفاء إلاَّ وله عليه فضلٌ كبير، حيث نشر العلم فيها وعلم جاهلها وانصف مظلومها وأدّب ظالهما بشرع الله تعالى، سخره الله تعالى تسخيراً لينقذ فيفاء من براثنِ الجهلِ المطبقِ عليها زمناً طويلاً، لبعدها عن الحياة وصعوبة الوصول إليها لتضاريسها الوعرة.
حيث نشأ في بيت والده نشأة فطرية إسلامية، وألحقه والده بمعلامة أحمد بن فرح بن أسعد الأبياتي الفيفي، فختم القرآن وعمره سبع سنوات، وتعلم القراءة والكتابة وسائر العلوم، ثم التحق بأول مدرسة علمية أسست في فيفاء، ثم ارتحل لطلب العلم إلى مدينة صامطة لطلب العلم وهو في السادسة عشرة من عمرة، وتغرب عن أهله مدة طويلة منهمكاً في طلب العلم ولا يعرفون عنه شيئاً، حتى بعث لهم رسالة بخط يده يطمئنهم وأنه سيعود لهم قريباً، وذلك بعد معاناة طويلة ومشقة في طلب العلم، وقد كان أول من تفرغ من فيفاء لطلب العلم – رحمه الله – (1)، وتنقل مع الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي وأجازه شيخه الشيخ عبدالله القرعاوي _ رحمة الله عليهم _(2)، وبعد أن تحصل على قدرٍ عالٍ من العلم بعثه الشيخ القرعاوي إلى (رملان) إحدى قرى بني شعبة بالدرب إماماً وخطيباً ومعلماً في حدود عام 1366هـ، ثم عاد إلى مسقط رأسه فيفاء بطلب من أميرها لأحقيتهم به، وكان إماماً وخطيباً لجامع النفيعة(3)، يعلم الناس ويدرسهم ويرشدهم إلى الطريق الصحيح، فقد كان ثمرة من ثمار مدارس القرعاوي السلفية التي نشرها في جنوب المملكة العربية السعودية بدعمٍ سخيٍّ من الدولة.
يقول الشيخ – رحمه الله – : (4) ” من ثمار توجهي لطلب العلم الشرعي أني عرفت معنى التوحيد الذي دلت عليه الشهادتان، وأدركت أن كثيراً من الممارسات عند العامة تشتمل على كثير من الشركيات والبدع، وصرت أنا وبعض الزملاء نقوم بمحاربتها. . . “.
ثم عين قاضياً رسمياً في فيفاء عام 1373هـ وكان أول قاضي من أبناء فيفاء يعين بهذا المنصب، وبقي بها إلى أن تمت ترقيته إلى قاضي تمييز بمكة المكرمة عام 1406هـ رحمه الله، ثم أحيل إلى التقاعد عام 1414هـ وبقي بها إلى أن وافاه الأجل المحتوم 1 / 9 / 1440هـ – رحمه الله – عن عمرٍ يجاوز التسعون عاماً كلها في طاعة الله تعالى وخدمة الدين والوطن، ما بين نشرٍ للعلم وتأليفٍ للكتب والعمل في سلك القضاء، وإصلاحٍ بين الناس.
انتقل من فيفاء وطاب له المقام بأعظم بقعة مباركة على الأرض – مكة المكرمة – وقد ترك بصمة علمية عظيمة وتاريخية في فيفاء، والكل يشهد له بذلك، وهيا أرضية سهلة لنشر التعليم النظامي التي أتت بعده.
وسعى سعياً حثيثاً في إيصال المدارس إلى كل أبناء فيفاء، وحث الناس على إلحاق أبنائهم بها وتعليمهم العقيدة الصحيحة، وصرف لهم المكافأة تشجيعاً، ثم لم يألوا جهداً في إيصال تعليم البنات لكل بيت، ولم يرتاح له بالُ حتى رأى المدارس منتشرة وتحتضن جمعاً من المتعلمين الكبار والصغار (5).
وكان من تلاميذه الذي تعلموا على يديه، والدي – رحمه الله – نعم وأيم الله لقد كان شيخُ أبي ومعلمه يوماً من الدهر، فقد كان يخبرنا بذلك، وكان يقول (علمنا ابن آل طارش كذا وكذا) أو يقول (ابن آل طارش ما أحد يصله في العلم) أو (العلامة علي قاسم) أو (أفتى علينا بكذا وكذا) وهذا شرفٌ عظيم لاقتران اسمه بالعلم، وكان يثني عليه كثيراً، وكان كتاب (باقة من تراث فيفا الشعبي) من مقتنياته رحمه الله _ وقد زاره قبل رحيله بأربع سنوات عندما تهيأت له الفرصة، ولم تتهيأ له بعد ذلك _رحمة الله عليهما وقد أثني المعلم على تلميذه بقوله (كان من طلابي الحريصين)(6)، ولم ينسى التلميذ فضل معلمه عليه طوال حياته.
هذا “عليٌ ” وكم طابت مناقبه * * * حتى غدا فوقَ فَيْفَا مضربَ المثلِ
في روضةِ العلمِ أمضى العُمرَ من صغرٍ* * * فلا تسلْ عن نبوغٍ دونما كللِ
إذْ حاز علماً وأضحى في القضا علماً * * * تحكي سجاياهُ نهجَ السادة الأولِ
فقد ماتَ التلميذ وماتَ أستاذه وبينهما عشر سنوات – رحمة الله عليهما – كنت أكتب بعد اسم كل منهما – حفظه الله – ثم الآن أكتب – رحمه الله – وأرجع أتأمل أحقاً مات ورحل، والله إن كتابة – رحمه الله – بعد الاسم ثقيلة ومخيفة جداً . . لكنه أمر الله لا بد منه.
وهكذا انطفأ سراجُ فيفاءَ الوهاج الذي أضاءها بالعلم والعقيدة الصحيحة بعد توفيق الله تعالى، فمهما كتبتُ من الحروف فلن أوفيه حقه، ومهما كُتِبَ عنه فقد تصغر الكتابات عن شموخ مكانته العلمية والاجتماعية . . إقرأوا ما كتب عنه أبناء فيفاء من طلبه للعلم ونشره له، وتجشمه المصاعب والمتاعب، لتأخذ العبرة من هذا الشيخ الجليل _ رحمه الله _ ولتعلم يقيناً أن الله سخره لجبال فيفاء . . رحمه الله رحمة الأبرار وجمعنا به في مستقر رحمته.
يا أيها الشيخ هذه الأرض عشت بها * * * مجاهداً ما شكوت الهم والنصبا
علّمت أفتيت لم تبخل على أحدٍ * * * مما عرفت فكنت الحاذق الذربا
مهما يكن لمقام المرء من ألقٍ * * * فالعلم أشرفُ ما نزهو به رتبا
يا رب فاغفر لشيخٍ مات محتسبا * * * ثوابه عند من لا يغفل التعبا
واجعله يا ربنا ممن علمت به * * * من أفضل الناس يوم الحشر منقلبا(7)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) – قصة التعليم في فيفاء – للشيخ سليمان بن قاسم الفيفي – (ص43ـ 52).
(2) – الموسوعة الميساء لجارة القمر فيفاء – لحسن بن جابر الفيفي – (ص174).
(3) – الحياة العلمية في فيفاء 1351- 1391هـ – لمحسنة الفيفي – (ص42).
(4) – من دفتر الذكريات – للشيخ علي بن قاسم رحمه الله – (الحلقة 4).
(5) – فيفاء وأطوارها – للشيخ سليمان بن قاسم الفيفي – (ص107).
(6) – ذكرت قصة ذلك في كتابي (مؤلفات الشيخ علي بن قاسم رحمه الله).
(7) – من قصيدة رثائية – للدكتور ظافر بن علي العمري (جريدة الجزيرة – العدد 10336).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق