مقالات

شياطين من طين

فهد بن جابر

حتى لا نختلف حول سر المقارنة، وسبب عنوَنة المقال بهذا الاسم، أُذكّر بقوله تعالى في سورة الإسراء “إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27)”.  وفي بقية المقال سأستعرض بعضا من اخوان شيطان النار في النهج والنحو، وإن انتسب أحدهم لنار والآخر لطين.
لنتعرف سوياً على بعض من أخوة شياطين النار. أولهم: لقبُه “المهايطي”، وهو من يتعمد أن يزيد في كميات وتنوع الأطعمة والمشروبات، وغيرها. منهم من يبني من الحطب تلالاً، ومنهم من يراكم الفاكهة كالجبال. بل قد يصل حال بعضهم أنه يدعو الناس -فقط- ليقال عنه كذا وكذا. سَبَقَتْ كلمة الله “وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ”.
ليس بالضرورة كون صاحب الدعوة هو الشيطان فقط، فقد يكون المدعو شيطاناً أيضا! كيف؟ إن الأخ الثاني لأولئك الشياطين هو “المُرَوِس”، وهو المشجع لمظاهر كفر النعم، وتغليف حقائقها بأجمل الأسماء. فيقول إن المبذر كريم، ويسمّي الكُفر طناخة، وووو. طفيلي يتكاثر حول الولائم، مهمته باختصار تغيير المسميات، قد يمتدح الشيطان الأول على مستوى فرد لفرد، وقد يبلغ إثمه المجاهرة شعراً ونثراً.
الأخ الثالث هو “ذو البطن الأخرس”. القبول بكفر أنعم الله تأييد للكافر، وتثبيتاً له على منهجه، ولا يكون تأييده بالإيجاب فقط! بل قد يكون بالسلب، والامتناع عن التوجيه. أليس التوجيه، وتقديم واجب النصيحة من باب أولى، “الدين النصيحة”. لَعَنَ الله في القرآن الكريم من كفر من بني إسرائيل، وتلى ذلك بقوله ” كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ  “، إذاً فالتناهي عن ما يُرى من مخالفات مطلوب، وإن “فعله الناصح.
من هو الشيطان “منقلب”! قد يكون عدم حضور أي من تلك الدعوات نوع من الشيطنة أيضاً. حينما يَعِد المدعو بالحضور، أو يجيب بالإيجاب، ثم لا يفي، فليتذكر أنه وأخوته أن كمية النعمة سوف تفيض لتُرمى. حينما يطرأ ظرف مفاجئ فعلى المدعو اخبار صاحب الدعوة، وبها تبرأ ذمته وذمته.
في مجتمعنا -خاصة- نخاف أن يقال عنّا بخلاء؛ فنبذر. فهل نخاف من أن ينطبق علينا وصف سبحانه بأننا من إخوة الشياطين؟!
نحن نعلم يقيناً أن الناس لم تأتِ لتأكل، ونبالغ في كميات الطعام! ونكرر “يزيد ولا ينقص”، ونختمها حينما نجمع الفائض “الناس ما عاد تاكل”.
وحتى لا يُبّلس إبليس على أخوته العلاقة، ويُلْبِس التبذير عباءة الكرم ويُلبِّس عليه الأمر؛ أُذكّر بقول من قال: “فاز بفضيلة الكرم من فاز أيام الجوع”، نعم حينما كانت الحاجة للطعام حاجة قصوى، لا عندما فاض في كل منزل. أثنى الله على من آثر غيره على نفسه، وأكد “ولو كان بهم خصاصة” وهي الحاجة.
أما أن يسمى الكفر بالنعم كرماً، والعبث بمقدرات الأجيال جوداً، وتوفير أنواع الطعام بهدف التصوير إكراماً للضيف، فمغالطات فادحة.
إن مما انتشر في الآونة الأخيرة جهود جمعيات حفظ النعمة، ومما يُذكر فيُشكر.  وحتى لا يُكفر بالنعمة؛ يجب التنسيق المسبق تلك الجمعيات.
هنالك شياطين من نار نتعوذ منهم، وهناك شياطين من طين لم نتبه لحقيقتهم.
 @FahdBinJaber

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق