مقالات

مطيّة أم سجيّة

بقلم: موسى جبران حسن الفيفي

للرفعة والتمكين باب موصد دون القَعَدة والبَطَلة لا يُستفتح إلا بأربعة أسباب ، العلم والدين والإقدام والجود . فأما الأولان فبشهادة عليم خبير ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وللآخران شواهد ومواقف وأقوال سطرها العظماء ووعاها العقلاء يقول أبو الطيب
لولا المشقة ساد الناس كلُهُمُ
الجود يُفقر والإقدام قتّال
ولنا مع هذه الأخيرة وقفة يسيرة
إن مما أبتلي به الناس في هذا الزمن هو غلبة الطرح الزائف والبهرج الإعلامي على الحقائق المجردة وساعد على ذلك طفرة الوسائل الإعلامية وسرعة قرعها للآذان وفتحها لمغاليق القلوب . وقد وعى عامة الناس ذلك سريعا فاتخذوا تلك الوسائل مطايا وأزجوها كلٌ على شاكلته، بين بانٍ استخدمها للخير ووظفها لسمو النفس ونَشْر الفضيلة وإصلاح المجتمع ، وهادم أجرى بها معوله وبث بها سمومه ، وبين فئة ثالثة لبست بها ثوب الحق على جلد الباطل وطلبت حظ النفس بابتسامة منفق باذل ، وقد جرى مع هذا الصنف الثالث قوم وصفّق لهم أقوام .
كما قلنا بأن الجود ركن للرفعة ومأرز للفضيلة لكنّ هنالك خيط رفيع يفصله عن كونه صفة عظيمة أو سمة ذميمة .
ولمن أراد الأولى فليكن كما قيل  :
حرٌّ إذا جئتَه يومًا لتسأله
أعطاك ما ملكتْ كفَّاه واعتذرا
يُخفي صنائعَه واللهُ يظهرُها
إنَّ الجميلَ إذا أخفيته ظهرا
أما من كان حريصا على الذكر أكثر من حرصه على البذل أو كان مستجلباً للشكر طالباً للثناء فذلك أقرب للنفاق منه إلى الإنفاق . وفي المناسبات الإجتماعية والعزائم يرى البعض أن من باب رد الجميل له أن تحبّر له رسالة أو تدبج له قصيدة تتغنى فيها بجوده وتذكر فيها فضله وتشكر بذله . وحبذا الإغراق في التفاصيل ولا بأس لو ذكرت عدد الحاضرين مع لفت الإنتباه لمكانتهم الإجتماعية ودرجاتهم العلمية ليُعلم أن هذا الكريم ما طاف بساحته إلا الأفذاذ وما يمم ناره غير سراة الناس وأعيانهم . ولو أحصى بإيجاز عدد صحون الأرز وآنية المرق والعصيدة وعلب الببسي فذلك تفضّل نرغب به ولا نجرؤ على طلبه .
ثم يقوم بالنشر  في تويتر والواتس والفيس و… ليعلم بحاتميته القاصي قبل الداني . وقد لا يرى غير ذلك رداً لجميله حتى لو عوضته عن الشاة جملاً وعن الصبابة بحراً . لسان حاله .
وما رغبتي في عسجدٍ أستفيده
ولكنها في مفخر أستجده
وأسوأ من ذلك وأقبح من لم يجد ذلك الأشِر الذي يُعلم بجوده ويشير لعظمة مناسبته وجلالة وليمته ، فلم يجد إلا أن يقوم هو بشكر القائمين  بحضرته والملبين لدعوته سبيلا للدعاية لنفسه والثناء على فعله ، فيتزيّا بزي الشاكرين ويقوم بتعداد الحاضرين ثم يذكر الشعراء ويعدد الأدباء ويحصي الأعيان ويثني على كل من لبى دعوته المفتوحة وحاز عطيته الممنوحة . وما أراد من ذلك الشكر بعد أن لم يجد من يتحمل ذلك عنه إلا تنبيه الغافلين وتذكير الناسين بفضله الذي لا يُعد وجوده الذي لا يُحد .
وأخيرا فإني لا أريد بحديثي أحدا بذاته ولا أرمز لحادثة معينة لكنه لزم التذكير والتنبيه لما نرى من تنافس الناس في طلب الذكر وإثبات المكانة ومن السرف والخيَلاء المذمومَين في المناسبات العامة مما يجلب علينا غضب الله وسلب النعمة ولا يظن ظانُّ بأننا نذم الكرم والجود أو نضيّق باب الشكر والاعتراف بالفضل ، لكن ليكن ذلك باعتدال فإن كلا طرفَي قصد الأمور ذميم . كما أن للناس أعين يبصرون بها وقلوب يفقهون بها وهنالك فرق بين من كان جوده سجيّة ، ومن كرمه مطيّة ، وبين من يظهر الشكر وهو يريد الذكر . وأخيرا لنتذكر قوله تعالى ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ..)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق