مقالات

رحمك الله يا أبا العطاس (2ـ 2).

رحمك الله يا أبا العطاس
(الحلقة الثانية)
الشيخ. حسن فرح


بعد أن عرضنا في الحلقة الأولى لبعض جهود الفقيد في خدمة فيفائنا في مجالي : التعليم والمنافع والمصالح العامة ، يحسن بنا أن نشير بإيجاز أيضا إلى أهم وأبرز المناقب والسمات التي كان يتحلى بها فقيدنا ،والمقومات الشخصية التي حباه المولى ـ عز وجل ـ بها ،وساعدته لأنْ يحتل هذه المكانة المميزة في قلوب الناس ،ولا أقول كل الناس طبعاً ؛ فإن رضا الناس كلهم غاية لا تدرك ،وكل منا أيضا له جوانب إيجابية وفيه جوانب سلبية ،ومَن كانت إيجابياته تطغى على سلبياته فقد غنم وفاز بإذن الله .
فأقول :
*الفقيد ـ رحمه الله ـ كان شخصية قوية ومؤثرة ؛لأنه كما هو معلوم فصيح بليغٌ ،وأديب وشاعر ، فإذا وقف موقفاً لفت الانتباه ،وأفهم وأسمع ،وأثَّر وأمتع ،نثرا كان ذلك أو شعرا .
*إخلاصه الشديد ووفاؤه الفريد لموطنه الصغير (فيفاء)وأهله وآله ، بشكل لا يقل عن مدى قوة إخلاصه ووفائه لوطنه الكبير وولاته ،ولا أدل على ذلك من أنه كان خلال فترة مرضه الأخير ؛ كان كلما أفاق وخرج من العناية المُركزة يسأل أبناءه وأصفياءه أول ما يسأل قائلا : ماذا صار في موضوع كذا ؟ وهل تابعتم قضية كذا ونحوهما ؛ مما يخص ويتعلق بالمنافع والمصالح العامة التي كان يتابعها يرحمه الله.
* أما من حيث المال والماديات والمصالح الذاتية فيعرف ويشهد القاصي والداني بأن الفقيد ـ طوال حياته ـ ما سعى أو بحث عن شيء من ذلك ألبتة؛ ولم يُعرف عنه أنه جمع أي ثروة ، بل كان كريما سخيا جدا ،ينفق كل ماله ،ولا يتردد أبدا في شراء أي شيء يروقه ويعجبه من لوازم شخصية أو منزلية أو مكتبية ..إلخ .
* الأجهزة ووسائل التقنية الحديثة بمختلف أشكالها وشتى أصنافها كانت جميعها تستهويه ،ويستعذب التعامل معها،والتعرف عليها بشكل وإصرار عجيبين ؛ولذلك كان متفوقاً على الكثيرين، ليس من أقرانه وأترابه فحسب ،بل حتى على الذين هم بعده بكثير؛ وذلك في التعامل مع الحاسوب واستخدامه .
ولذلك فإن كل كتاباته، ومنشوراته كان هو القائم عليها بنفسه ؛تنسيقاً وطباعة وإخراجاً ؛ولعل حب الاعتماد على الذات ،والنأي بالنفس عن الاتكالية في كثير من شؤون فقيدنا هما السبب في حمله وإصراره على التفوق والإبداع في هذا الميدان .
*النوادر والطُرَف والقصص التي فيها عظة وحكمة كل ذلك كان الفقيد يورده في جلساته وأحاديثه مع جلسائه وأصفيائه ،ولكن ليس للإمتاع فحسب ،وإنما لإكساب هذا الجليس حكمة أو موعظة ما ،أو للفت انتباهه وحمله على تقويم سلوك ما ،أو ترك عادة ما ، ونحو ذلك مما يرى أنه لا يليق ولا يحسن بهذا الجليس أن يفعله أو يعتاده .
ولي معه في هذا الصدد قصة لم ولن أنساها لطرافتها ، فقد رآني ـ رحمه الله ـ وأنا يومها أتحدث معه عن شأن يخص قبيلتنا رآني أكرر وأكثر استخدام كلمة (نحن) فأخذ يكررها وينطقها بالمد ،ويكتبها في مراسلته لي على الجوال هكذا : (نحنو ) بالواو ،حتى تركتُها ،وأصبحتُ أتحاشاها حتى في مقامها المناسب .
*الصبر والأناة والحلم وكظم الغيض ونحو ذلك من الشمائل والشيم التي يجب أن يتحلى بها ويتمثلها حقاً كل كبير أناسٍ مثل هذا الفقيد ،فكل تلك المناقب كان ـ رحمه الله ـ يتحلى بها ويحرص عليها ؛ لذلك كان يصبر ويحلم حتى على معارضيه ومناوئيه ،ولا يتحدث عنهم إلا إذا اضطر، وفي أضيق الحدود ،ولا يتحين الفرص ودائرة الأيام حتى ينتقم أو يتشفى أبدا .ولربما جاءه أحدهم يوما ما ؛ مستعيناً أو مسترشدا ؛فيقوم على ذلك ،ويبذل ما بوسعه وكأن شيئا لم يكن.
تلكم ـ أعزائي القراءـ شذرات من مآثر فقيدنا ،وقبسات من مناقبه وتعاملاته رحمه الله ،وهي ـ في نفس الوقت ـ نزرٌ يسير مما أسعفتني به الذاكرة، وسمح به الوقت ،قد سطرته وفاءً ـ ولو بعض الشيء ـ للفقيد من ناحية ، ولنتأسى نحن والأجيال بأرباب الهمم العالية والمخلصة لأبنائها والوفية لمجتمعاتها من ناحية ثانية.
ولقد حاولت ـ كما أشرتُ ـ الإيجاز ،والبعد عن الغلو والمبالغة ؛فما حداني ـ والله ـ فَرْطُ عُجب مُغرق ،أو وهمٍ مُطبق ،وإنما ذكرتُ ووصفتُ ما عرفته عن يقين ،وما عشته وتعاملت معه عبر سنين ، فأنا أحد طلاب الفقيد في حياتي التعليمية ،لمدة ست سنوات تباعا ، وأنا واحدٌ أيضا ممن ظلوا في حياتهم العملية ـ بعد ذلك ـ على تواصل وتعاملٍ معه ،وتَعَلُمٍ منه كذلك ،لما يقارب الثلاثة عقود ،حتى حِيل بيننا وبينه بمصيبة الموت التي لا بد لنا جميعا من ورود منهلها ، أحسن الله ختامنا وختامكم ،وعوَّضنا بخيرٍ عمَّن فقدنا .وأما ماذا قلتُ أو أود أن أقوله شعراً في الفقيد : كما سألني الكثير من الأعزاء والزملاء ، فأقول :
والله إن رغبتي أن أخلِّدَه بقصيدة عصماء على غرار تلكم القصيدة التي مطلعها :
كذا فليجل الخطبُ وليفدحِ الأمرُ …فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذرُ
ولكن صاحبكم ـ أيها الأحباب الكرام ـ ليس ـ كما قلت مراراً وتكراراً ـ بذاكم الشاعر ،وإنما (شعرور) أو (شُويعر) إن كان ولا بد ،فاعذروني ولا تلوموني ،فعظيم مصابنا برحيل الفقيد أكبر من أن يحيط به شعري أو نثري ، أضف لذلك بأن باب الرثاء ـ كما تعلمون ـ تُذكر فيه غالباً مناقب ومآثر المَرثي ،وذاكم التوصيف ـ أحبابي ـ قد فصَّلته في قصيدة بعنوان: ( ليلة وفاء ) ألقيتها على مرأى ومسمع فقيدنا ،وذلك في أمسية شعرية نظَّمها نادي جازان الأدبي بالخطم ،قبل عدة سنوات ،وتم حينها تكريم الفقيد ،من قبل النادي .
ولكن لا بأس أن أختم هذا المقال بهذه الأبيات التي أثارها في قريحتنا الهامدة مشهدا المأتم والعزاء :

 

أُعزِّي مَنْ ؟وَفَقْدُ الشيخِ رزءٌ
دَهَى فيفا وَكلَّ العارفينا
أُعزِّي مَنْ ؟وفيفا اليومَ طُرَّاً
لِهولِ الخَطْبِ تُشْجِي الناظرينا
أحالَ النَّعيُ نُضرتَها يَبَابا
وَبَهجةَ مَنْ بها ليلاً حزينا
مُفَجَّعةٌ يكادُ الصخرُ منها
على الميمونِ أنْ يجري عُيونا
تُواري في ثراها اليومَ حِبَّاً
له هَيهاتَ أنْ تلقى القرينا
تُودعُ هامةً بالبذلِ فاقتْ
وَعَزَّت في الأُلَى والآخرينا
أواسي : مَا أقولُ ؟ ومَنْ أواسي
فهذا الفَقْدُ قد أدمى المِئينا
أواسي مَنْ ؟وكلُّ الناسِ ضَجَّت
وضاعَ الآلُ بينَ الوافِدينا
قوافلُهمْ هَفَتْ مِنْ كلِّ صَوبٍ
تَصُبُّ الدمعَ مِدراراً هَتونا
فَلَوْ بِغزيرِهِ أحيا نفوساً
وأنبتَ من حرارتِهِ دَفينا
لكانَ فقيدُنا ممن نراهُ
بِركب القومِ أولَى العائدينا
فقيدَ الكلِّ : من ذا سوف نبكي ؟
إذا أنَّا عليه ما بكينا
عظيمٌ مَنْ فَقَدْنا غيرَ أنَّا
لِما شاءَ (العظيمُ) مُسَلّمُونا
مآثرهُ بها حسبي عزاءً
وَسَلوى المُنصفينَ المُوجَعينا
بها مَلكَ القلوبَ غداةَ فينا
وأسعدَها وأروى الظامئينا
فلمَّا بَانَ أظمأها وربي
وأدماها وأشبعها أنينا
فإنْ ولَّى فذاكَ السمتُ باقٍ
طوالَ الدهرِ يحيا ما حَيينا
فما للمرءِ بعدَ الموتِ عُمْرٌ
سِوى حُسْنُ الثَّنا في الذَّاكرِينا

 

الأستاذ /علي يحيى جابر الفيفي
مدير مدرسة الخشعة .
رئيس المجلس البلدي في بلدية فيفاء .

 

‫6 تعليقات

  1. شُكري وتقديري لجميع الإخوة (من عرفتُ منهم ومن لم أعرف)الذين علقوا على هذا المقال في حلقتيه كلتيهما…..وهما جهد المُقِل حقا مما يستحق ويجب أن يُقال عن فقيدنا الرمز رحمه الله وغفر له….وأخص بالشكر(أبا معاذ)الذي أعانني -وبقوة – على تنسيق وإخراج ونشر هذا الموضوع,فلهُ مني وافر شكري وعظيم امتناني….ولا إخال أن ما أبداه من إعجاب ولا سيما بتلك الأبيات التي كانت خاتمة الحلقة الثانية….لا إخالها ترقى لمستوى ذاك العجب والثناء….ولكن-مهما يكن- فهو من أبرز و ألمع وأهم (طلابي) الذين أزهو وأفاخر بعلمهم ووفائهم,وأعتز و أعتد بآرائهم وشهاداتهم على الدوام وما حييت إن شاء الله.

  2. شكراً للاستاذ والمربي الفاضل /ابو عيسى وتحياتي اليه وللجميع …..
    لقد قلت ما قلت ابا عيسى وشكراَ لك على ما تكرمت به من معلومات عن الفقيد رحمه الله وأوجزت عنه القول لكن لن تفي فيه المجلدات لذكر محاسنه ومناقبه واعماله سواءً العملية او ما كان في خدمة فيفاء وأهلها فقد ربى اجيال تخرجوا على يده كل في مجال حياته يخدم هذا الوطن بشتى المجالات وانت يا ابا عيسى احد المتتلمذين على يده رحمه الله … بمختصر الحديث … من حقه علينا اولاً ان ندعوا له بالرحمة جميعاً ثانياً مؤيداً اخي حسن الفيفي ان تجسد حياة الفقيد رحمه الله في كتاب يجمع فيه ادبه وشعره وحياته العملية وانجازاته وكل شئ يعرف عنه رحمه الله .. وكنت اتمنى ان يكون هذا في حياته لكن لم يفت الفوت ما زال المجال في متسع … نحن اي جميع من يحب هذه الشخصية الفاضلة مستعدون لأي دعم مادي ومعنوي وايضاً كل من لديه معلومات او مواقف تشيد بالحكمة والبلاغة للفقيد .. فقط وجهوا النداء على هذه الصحيفة الميمونه وكل لن يبخل بشئ … نتمنى ان نرى ذلك قريباً … ولكم تحياتي ..

  3. أستاذي الكريم : أبا عيسى .

    الحديث عن أستاذنا المرحوم : حسن بن فرح ذو شجون ، لاسيما من أديب مبدع جالس الفقيد وسامره ليالي وأياما ، وكم وددتُ ـ والله ـ لو كثرت الحلقات عن فقيدنا ؛ لأضرب خيمتي هنا وأنهل من حديثك عنه ما أسترجع به سيرته الجميلة بروعتها ونقائها وصفائها ،وأتأمل سمو روحه ، وعلو فكره ، وأستلهم الدروس من خلقه السامي وأدبه الرفيع ،وأتعلم من خدمته لفيفاء وأهلها فضيلة الإيثار على النفس .

    ولكن هذا هو شأن الحديث عن الأحباب الراحلين ؛ فهو حديث لا يروي ظمأ المُحب ولا يسد جوعه ؛ لأنه كالمطايا التي تحملنا إلى منتصف الطريق ثم ينيخها البين في مباركها .

    أما القصيدة أستاذي الكريم فوالله وبالله وتالله إنك أبدعت ،ولعمري إنك قد أتيت على ما في نفوس جميع محبي فقيدنا .

    فلك الشكر كله ،والشعر كله .

    ونسأل الله تعالى باسمه الأعظم الذي ما سئل به إلا أجاب أن يرحم الفقيد ويسكنه الفردوس الأعلى من الجنة .

  4. لله لله دركـ , ولافض فوكـ أستاذنا ومعلمنا (أباعيسى) .. صادق وصريح في أسلوبكـ و كتاباتكـ كصدقكـ وصراحتكـ في أحاديثكـ وجميع تعاملاتكـ …
    لقد سطرت ما سطرته من مآثر ومناقب {فقيد فيفاء }
    عن حب ووفاء صادقين مخلصين من غير مبالغه ولاغلو لا في الأفكار ولا في الأساليب التعبيرية كما قرأنا وشاهدنا عند البعض ممن كتبوا في هذا الصدد … بمعنى آخر كتبت لتفصح وتنصف ,
    لا لتتفاصح وتتكلف … دمت لنا وتقبل صادق حبي واعجابي .

  5. ارفع لك سلامي وتحياتي ايها الكريم الوفي قلت واجدت فالمرحوم مآثره لاتحصى في خدمة فيفاء وكل ماهو فيفي
    ولاشك انك وأمثالك ممن عرفوا عن فقيدنا الكثير فلا تبخلوا علينا بما تعرفونه من تركته الادبيه والتاريخيه

    وانا اقترح ان نجمع اشعاره وادبه في مجموعه كامله نتكلف بطباعتها ويكون ريعها صدقة جاريه له وهذا اقل من رد بعض جميله علينا وعلى فيفاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق