مقالات

إطلالة على التقدمية

75

بقلم أ.محمد بن سالم بن سليمان الفيفي

تعريف التقدمية:

التقدمية هي فلسفة سياسية عامة تدعم أو تعمل لصالح الإصلاحات التدريجية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من خلال الإجراءات الحكومية. ظهرت التقدمية الحديثة كجزء من استجابة عامة أكبر للتغييرات الاجتماعية الضخمة التي أحدثها التصنيع.
ويقع هذا المذهب في منطقة يسار الوسط في الطيف السياسي وهو في مقابل مذهب المحافظين اليمينيين والمذهب الثوري اليساري، فالأول يقاوم التغييرات عامة التي يدعمها والأخير يرفض المنهج التدريجي.
ويستحوذ مفهوم التقدم على اهتمامات المفكرين في العلوم الاجتماعية عامة، وفي علم الاجتماع خاصة، فهو يأخذ موقعاً مفصلياً في دراسات علماء الاجتماع، وخاصة المعنية منها بقضايا التغير الاجتماعي، ويتجلى ذلك في دراسات “ماركس” و”توكفيل” و”سبنسر” و”دُركهايم” و”فيبر” وغيرهم.
ومع التباين الملحوظ في اتجاهات التحليل الاجتماعي لمفهوم التقدم بين الباحثين الاجتماعيين، يمكن تلمُّس قواسم مشتركة بين أعمالهم، الأمر الذي يدعو إلى ضرورة التمييز بين الخطوط العامة التي ينطوي عليها هذا المفهوم، وبين الخصوصيات المتعلقة بكل اتجاه من اتجاهات التحليل الاجتماعي التي أخذت بدراسته.
الفكرة التي تقوم عليها التقدمية:
التقدمية تقوم على قاعدة مسلمة أولى هي أن المجتمعات تتطور أي تتغير مضامينها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية … الخ خلال حركتها. فهي كظاهرة متغيرة متحركة. وعلى هذا لا يكون للتقدمية أي معنى عند أصحاب شعار “لا جديد تحت الشمس” الذين يأخذون بفكرة الثبات والخلود الاجتماعي. وآية هذه الفكرة الجامدة المواقف السلبية أو محاولة إيقاف التطور الاجتماعي زعماً بأنه افتعال غير لازم، أو توهماً بأن من الممكن إيقافه. هؤلاء لا يمكن – على أي وجه – أن يكونوا تقدميين ولو كانوا قوة اجتماعية.
ثم في نطاق الإيمان بحتمية التطور لا يكون للتقدمية معنى إلا على أساس النظرية القائلة بأن المجتمعات تتطور خلال حركتها من الماضي إلى المستقبل تطوراً جدلياً أي عن طريق النمو والاضافة. وبهذا تفقد التقدمية أي معنى عند مدرسة “التاريخ يعيد نفسه” التي تسلم بالحركة والتغير ولكنها تنكر أن التطور ذو اتجاه يتقدم دائماً ولا يعود إلى الوراء أبداً. عند الذين يشاركون في الحركة الاجتماعية ويسعون إلى التغيير لأنهم يؤمنون بحتمية التطور ولكنهم يستهدفون من حركتهم إعادة الماضي كما كان . ذلك لان حركة بدون اتجاه تتميز بدايته عن غايته لا يمكن أن نقيس عليها تقدم أو تراجع الذين يتحركون فيها.
ثم في نطاق حتمية التطور الاجتماعي خلال النمو والاضافة في حركة تتجه من الماضي إلى المستقبل يتحدد مفهوم التقدمية تبعاً لكل فترة زمنية. أي لا يكون للتقدمية معنى إلا إذا نسبت إلى مرحلة تاريخية معينة من التطور الاجتماعي. أو بصيغة أخرى وربما أدق: ليس للتقدمية مفهوم مطلق يصلح مقياساً للحركة في كل زمان. انها عندئذ تتحول إلى فكرة ثابتة. وبهذا تفقد التقدمية أي معنى عند المثاليين الذين يشاركون في الحركة الاجتماعية ويطلبون التغيير ويرفضون العودة إلى الماضي لانهم يؤمنون بحتمية التطور واتجاهه التقدمي، ولكنهم يستهدفون من حركتهم تحقيق مستقبل يتجاوز المرحلة التاريخية التي يتحركون فيها.
ثم في نطاق حتمية التطور في مرحلة تاريخية معينة يتحدد مفهوم التقدمية تبعاً لكل واقع اجتماعي معين. أي لا يكون للتقدمية معنى إلا إذا نسبت إلى مجتمع معين. أو بصيغة أخرى وربما أدق: ليس للتقدمية مفهوم مجرد يصلح مقياساً للحركة في كل مكان. انها عندئذ تتحول إلى فكرة غير ذات مضمون. وبهذا تفقد التقدمية أي معنى عند الطوباويين الذين يشاركون في الحركة الاجتماعية ويطلبون التغيير ويرفضون العودة إلى الماضي ويلتزمون مرحلتهم التاريخية ولكنهم يستهدفون من حركتهم تحقيق غايات مستعارة من غير المجتمعات التي يتحركون فيها أو ليست حلاً للمشكلات التي تطرحها ظروف مجتمعاتهم.
معلومات تاريخية:
بدأت الحركة التقدمية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في تلك المدن التي بها عاملون بالتسويات، ومصلحون مهتمون بمساعدة من يواجهون ظروفًا قاسية؛ سواء في المنزل أو العمل. وأعلن المطالبون بالإصلاح عن ضرورة وجود قوانين تنظم الإسكان وعمل الأطفال، كما طالبوا بتحسين ظروف عمل المرأة.
تم تنظيم الأحزاب السياسية مثل الحزب التقدمي في بداية القرن العشرين، وتم انتهاج المذهب التقدمي من قبل إدارات رؤساء أمريكيين مثل “ثيودور روزفلت” و”ودرو ويلسون” و”فرانكلين ديلانو روزفلت” و”ليندون بينز جونسون”.
بالإضافة إلى أنه في أوروبا وكندا عادة ما تستخدم مصطلح “التقدمية” مجموعات ليست بالضرورة تنتمي لليسار. وأخذ الحزب الديمقراطي التقدمي في جمهورية إيرلندا اسمه من “التقدمية” على الرغم من اعتباره ينتمي ليمين الوسط أو الليبرالية الكلاسيكية. وكان الحزب الديمقراطي التقدمي في الأساس جماعة سياسية غير متجانسة في الاتحاد الأوروبي.
وفي الوقت الحالي يستخدم مصطلح التقدمية لوصف سلسلة واسعة من الآراء المرتبطة بالحركات السياسية اليسارية.
التقدمية بحسب البلد:
أستراليا:
خلال السنوات القليلة الماضية، استخدم مصطلح “تقدمي” في أستراليا للإشارة إلى “الطريقة الثالثة.” وهذا المصطلح شائع في أستراليا وغالباً ما يستخدم في موضع “الليبرالية الاجتماعية”، كما ارتبط مصطلح “الليبرالية” بالأسواق الحرة والحكومة الصغيرة أي “الليبرالية الكلاسيكية.” وتستخدم التقدمية في التمييز بين النظام السياسي ثنائي الحزب الليبرالية الكلاسيكية الاقتصادية كالحزب الليبرالي وحزب حماية طبقة العمال كحزب العمل.
ويمثل حزب الخضر الأسترالي أكبر ثالث حزب سياسي في البلاد حيث انتهت الانتخابات بحصوله على 12% و تسعة أعضاء في مجلس الشيوخ وعضو منتخب حديثاً في مجلس النواب الأسترالي؛ تم انتخابه في الانتخابات الفيدرالية الأسترالية 2010م. يتبنى الحزب أيديولوجيات تقدمية جنباً إلى جنب مع الديمقراطية الشعبية والديمقراطية التشاركية.
كندا:
بدأ تدفق الأخبار السياسية في كندا بنهاية القرن التاسع عشر. تأسس الحزب التقدمي الكندي في عام 1920م على يد “توماس كريرار”، الذي كان يعمل وزيراً للزراعة في حكومة الحزب الاتحادي برئاسة “روبرت بوردن”. واستقال “كريرار” من الحكومة في عام 1919م لأن وزير المالية “توماس وايت” قدم ميزانية لم تخصص ما يكفي من المال لقضايا الفلاحين، وبذلك أصبح “كريرار” أول زعيم للحزب التقدمي وقاده ليفوز بعدد 65 مقعدًا في عام 1921م انتخابات عامة، وحل في المرتبة الثانية قبل حزب المحافظين القديم. كما انحاز الحزب التقدمي بشدة للأحزاب الإقليمية لاتحاد المزارعين في عدة أقاليم، وبالرغم من ذلك لم يتمكن التقدميون من عقد مؤتمرات حزبية معهم وسرعان ما انفصل نواب البرلمان الذين لديهم ميول تقدمية والناخبون عن التقدميين والتحقوا بحزب الأحرار واتحاد الكومنولث التعاوني الذي سُمي فيما بعد بالحزب الديمقراطي الجديد.
ويرجع تاريخ أقدم حزب سياسي كندي إلى عام 1854م حزب المحافظين. وبعد السقوط الذريع الذي تعرض له الحزب في انتخابات عام 1935م في أثناء أصعب فترات الكساد العظيم كان الحزب بلا قيادة وافتقر للأفكار الجديدة. وأجرى الحزب قرعة وعيّن رئيس وزراء ولاية مانيتوبا “جون براكين” رئيساً لحزب “المزارعون المتحدون” بالمقاطعة لمدة طويلة والذي وافق أن يصبح قائدًا للمحافظين شريطة أن يضيف الحزب كلمة التقدمي إلى اسمه. تبنى الحزب الاسم ليصبح “الحزب التقدمي المحافظ” والذي احتفظ به حتى تم حل الحزب في عام 2003م، وعلى الرغم من تغير اسم الحزب استمر التقدميون في دعم الأحزاب الأخرى.
خلال النقاش حول اندماج حزب المحافظين التقدمي مع التحالف في عام 2003م تسبب معنى الكلمة في حدوث خلاف مرة أخرى. ومنذ توقف حزب المحافظين عن استخدام كلمة “التقدمي” في اسمه فيدرالياً، فقد استخدم المصطلح كمرادف لأحزاب “الوسط ويسار الوسط”، وكان هذا واضحاً في النقاش الذي دار حول الاندماج المحتمل بين الحزب الوطني والليبراليين, أو في مناقشات التصويت الاستراتيجي بين المصوتين اليساريين.
وعلى مستوى المقاطعات في ألبرتا، فإن عنصر “التقدمية” في الحزب التقدمي المحافظ (PC) قد تم استخدامه من قبل “أليسون ريدفورد” في الإعلانات لمهاجمة ما ادعى أن لديهم طبيعة “رجعية” من حزب “ويلدروس” في انتخابات عام 2012م. وتحدى الزعيم الليبرالي “راج شيرمان” حق الحزب التقدمي المحافظ في الاحتفاظ بالاسم.
الهند:
في الهند، يوجد عدد كبير من الأحزاب السياسية الوطنية بالدولة. كما أن التحالف الوطني الديمقراطي (NDA) والتحالف التقدمي المتحد (UPA) حزبان متحالفان في الهند وكان يضم من قبل الأحزاب اليسارية ويميل نحو الاشتراكية والشيوعية لكن حيث إن الإصلاحات الاقتصادية حدثت في عام 1991م صنف الحزبان الوطنيان نفسيهما على أنهما أحزاب إصلاحية يمينية لها ميول رأسمالية. وبالتالي يجوز تفسير مصطلح “التقدمي” على أنه فُسر بشكل مختلف في الهند حيث إن الشيوعية لم تكن فرعاً من الفكر الذي لعب دوراً هاماً في الحركة التقدمية الغربية الأصلية. وعلاوة على ذلك، على المستوى الاجتماعي لا تؤسس الأحزاب اليسارية في الهند السياسات التي من شأنها أن تعتبر تقدمية في الغرب، على الرغم من أن هذه السياسات في ما يخص النظام الطبقي وحقوق العمال وحقوق المرأة هي الآن أكثر تقدمية من الأحزاب الهندية غير التقدمية. كما أن حزب بهاراتيا جاناتا والمؤتمر الوطني الهندي حالياً عضوان رئيسيان في التحالف الوطني الديموقراطي والتحالف التقدمي المتحد على التوالي.
نيوزيلندا:
يركز الحزب التقدمي الجديد النيوزلندي بقيادة “جيم أنديرتون” بشكل خاص على إيجاد فرص عمل وتحقيق عمالة كاملة والبيئة والتعليم المجاني ورفع السن القانوني لتناول المواد الكحولية ليصبح 20 عامًا. وكان الحزب عضواً صغيراً في الائتلاف الحاكم في نيوزيلندا ما بين 2005م – 2008م خلال الفترة الثانية والثالثة من حكومة حزب العمل النيوزلندي الخامسة. واستمر التحالف في المعارضة حتى بعد عام 2008م.
تم تشكيل حزب الخضر التقدمي في عام 1995م على أنه حزب يميني اقتصادي “رأسمالي بيئي” لحماية البيئة. وبعد الأداء الضعيف في انتخابات عام 1996م، لم يخض الحزب أية انتخابات أخرى، وتم حل الحزب حالياً.
أوكرانيا:
يعتبر الحزب الاشتراكي التقدمي الأوكراني أحد الأحزاب السياسية في أوكرانيا أسسته “ناتاليا فيترينكو”، وهي عضو سابق في الحزب الاشتراكي الأوكراني في عام 1995م. ويدعم الحزب التقدمي الاشتراكي في أوكرانيا، وهو حزب شعبي يساري راديكالي، التكامل مع روسيا وروسيا البيضاء كبديل عن الاتحاد الأوروبي. وعادة ما يقوم الحزب الاشتراكي التقدمي الأوكراني بعقد حملات مناهضة لحلف الناتو وصندوق النقد الدولي ومؤيدة لروسيا. وخلال الانتخابات البرلمانية عام 1998م حصل الحزب على 4% من أصوات الناخبين وحلت مرشحته في الانتخابية الرئاسية عام 1999م “نتاليا فيترينكو” في المرتبة الرابعة. حيت حصلت على 10.97% من أصوات الناخبين في الدورة الأولى. وفي عام 2002م حصل على 3.22% من الأصوات وذلك أقل من حاجز 4% المطلوب لدخول البرلمان الأوكراني. وكان الحزب الاشتراكي التقدمي الأوكراني من أشد المعارضين للرئيس “ليونيد كوتشما” ودعم “فيكتور يانوكوفيتش” رئيس وزراء أوكرانيا في عام 2002م خلال الانتخابات الرئاسية عام 2004م. وبعد الثورة البرتقالية عام 2004م انضم الحزب لمعارضة الرئيس الجديد “فيكتور يوشينكو” بالاتحاد مع حزب “ديرزهافا” تحت قيادة المدعي العام الأوكراني السابق “غينادي فاسيلييف”.
وفي الانتخابات البرلمانية في عام 2006م فشل الحزب مرة أخرى في الحصول على مقاعد برلمانية وشارك في كتلة “نتاليا فيترينكو” للمعارضة الشعبية. وفي الانتخابات البرلمانية في عام 2007م فشل الحزب مرة أخرى في دخول البرلمان.
المملكة المتحدة:
في المملكة المتحدة، توجد العديد من الأحزاب التي ادعت أنها تقدمية بما في ذلك حزب العمال والحزب الليبرالي الديموقراطي والحزب الوطني الاسكتلندي وحزب “بلايد خيمرو” (أي حزب ويلز) وحزب الخضر في إنجلترا وويلز. وادعى التحالف الحالي بين المحافظين والحزب الليبرالي الديمقراطي أنه تقدمي كذلك.
أسكتلندا:
أطلق اسم الحزب التقدمي على المنظمة السياسية البلدية المنحلة والتي تعمل في الحكومة المحلية الاسكتلندية في القرن العشرين والمرتكزة على الحزب الاتحادي والليبراليين الاسكتلنديين والمستقلين. كما تم إنشاء حزب التقدميون الاسكتلندي بنفس الاسم المسجل للحزب المنحل عام 2007م.
ونادراً ما كانت الأحزاب السياسية الوطنية تنشط فيما يتعلق بالسياسات المحلية لكن أدى ظهور حزب العمال إلى عملية تسييس حزب الحكومة الخاص. في البداية كان حزب العمل يعارض التقدميون قبل دخول الأحزاب السياسية الوطنية الأخرى انتخابات الحكومة المحلية بشكل كبير.
وتم تشكيل الحزب التقدمي ليكون تحالفاً فضفاضاً يضم الليبراليين، والنقابيين والمستقلين غير الرسميين. وبخلاف التركيز على المناطق الحضرية، فإن جوهر التجمعات التقدمية المعارضة لسياسات وإدارة حزب العمال بالإضافة إلى الرغبة في تجنب تقسيم الأصوات المضادة لحزب العمال.
تشكلت التجمعات التقدمية في “إدنبره” في عام 1928م وفي “غلازغو” في عام 1936م قبل انتشارها في مدن وبلدان أخرى. وكانت تنحدر في الأساس عن صغار رجال الأعمال المعارضين لما يعتبرونه اشتراكية بلدية وإدارة حزب العمال. وهيمنت على الساحة السياسية المحلية الاسكتلندية لما يقرب من خمسين عاماً وخلال أواخر عام 1972م، تم تأسيس مجلس “إدنبرة” من 21 من التقدميين و 9 محافظين و 33 من العمال و 5 لبراليين.
الولايات المتحدة:
في الولايات المتحدة كانت هناك فترات عديدة تطورت فيها الأحزاب السياسية التقدمية. وظهر أول هذه الأحزاب في بداية القرن العشرين تقريبًا، وشهدت هذه الفترة الظهور البارز للحزب التقدمي الذي تأسس عام 1912م على يد الرئيس “ثيودور روزفلت”. وكان الحزب التقدمي من أنجح الأحزاب كحزب ثالث في التاريخ الأمريكي الحديث. تأسس عام 1924م ولم يحقق الحزب التقدمي الذي تأسس في عام 1948م نفس نجاح نسخة 1912م. كما أن هناك حزبان تقدميان بارزان بالولايات: مثل الحزب التقدمي “بويسكونسن” والحزب التقدمي “بفيرمونت”، ولا يزال الأخير يعمل حتى الآن ويشغل مواقع متعددة حالياً في حكومة الولاية.
وحالياً هناك أعضاء من حزب الخضر بالولايات المتحدة يعرفون أنفسهم غالباً على أنهم تقدميون ليبراليون. وفي الكونجرس الأمريكي يعتبر تجمع الحزب التقدمي من الأجنحة الأكثر ليبرالية في الحزب الديمقراطي وغالباً ما يكون معارضاً للديمقراطيين الأكثر وسطية أو محافظة والذين شكلوا تجمع “بلو دوجز”. كما أنه في معارضة شبه مستمرة للحزب الجمهوري. على الرغم من ذلك، فقد نادى الجمهوريون لمدة طويلة بفرض المزيد من الضرائب التصاعدية ودعمت قيادتهم ذلك بما فيهم “بروس بارتليت” و”بول أونيل” و”ديفيد ستوكمان” و”شيلا بير”.
وكذلك نادى كاتب صحيفة “وول ستريت” الجمهوري “بيجي نونا” في عموده إلى تجديد التركيز على الوظائف بدلاً من الديون وعجز الميزانية.
علاقة التقدمية مع الأيديولوجيات السياسية الأخرى:
غالباً ما يستخدم مصطلح “التقدمية” هذه الأيام بدلاً من مصطلح “الليبرالية”، وعلى الرغم من ترابط المصطلحين بطريقة ما فإنهما أيدولوجيتان سياسيتان منفصلتان ولا يجب استخدامهما بالتبادل أحدهما مكان الآخر. في الولايات المتحدة على وجه الخصوص يميل مصطلح “التقدمية” إلى أن يكون بنفس قيمة المصطلح الأوروبي ديمقراطي اجتماعي وهو مصطلح نادراً ما يستخدم في اللغة السياسية الأمريكية.
قد يكون السبب الجزئي وراء هذا الخلط في الولايات المتحدة إلى كون الطيف السياسي مزدوج الأبعاد، حيث إن الليبرالية الاشتراكية هي مبدأ التقدمية الحديثة والليبرالية الاقتصادية (وما يرتبط بها من تخفيف القيود الحكومية) ليست كذلك. ووفقاً لــ “جون هالبين” كبير مستشاري العاملين بمركز يسار الوسط مركز التقدم الأمريكي، فإن مصطلح التقدمية يعني التوجه نحو السياسة، وهي ليست أيديولوجية طويلة الأمد مثل الليبرالية لكنه مفهوم له جذور تاريخية … يقبل العالم بكونه ديناميكياً.
وتأسست الثقافة الليبرالية في النهاية على الاعتقاد بأن الهدف الأعظم للحكومة هو حماية الحقوق، وغالباً ما يطلق على الليبراليين يساريون في مقابل اليمينيين المحافظين، وتميل المدرسة التقدمية، كفرع فريد من الفكر السياسي المعاصر، إلى مناصرة بعض آراء يسار الوسط أو اليسار والتي قد تتعارض مع الاتجاه الليبرالي السائد على الرغم من حقيقة أن الليبرالية الحديثة والتقدمية ربما لا تزال تدعم – على حد سواء – الكثير من السياسات المشابهة مثل مفهوم الحرب كملاذ عام أخير.
يميل التقدميون الأمريكيون إلى فرض ضرائب تصاعدية ويعارضون ما يصفونه بالنمو والتأثير السلبي للشركات الكبيرة. وعادة ما يتفق التقدميون على النطاق الدولي مع الليبرالية اليسارية في دعمهم للعمل المنظم والنقابات العمالية ويرغبون عادة في إدخال الأجر المعيشي ويدعمون إيجاد نظام الرعاية الصحية الشاملة. في الولايات المتحدة، غالباً ما يتصارع الليبراليون والتقدميون وهم في العموم المصوتون الأساسيون للحزب الديموقراطي الذي لديه سياسة “الخيمة الكبيرة” مع الجمع بين الأيديولوجيات المتشابهة إن لم تكن متطابقة في كتل تصويتية كبيرة. ويدعم الكثير من التقدميين كذلك حزب الخضر أو الأحزاب المحلية مثل حزب فيرمونت التقدمي. وفي كندا، يدعم الليبراليون في العادة الحزب الليبرالي الوطني بينما يدعم التقدميون الحزب الديمقراطي الجديد الذي حقق نجاحاً تقليدياً في الانتخابات الإقليمية في مانيتوبا وساسكاتشوان وكولومبيا البريطانية منذ الانتخابات الفيدرالية الأخيرة في كيبيك.
المعنى الحقيقي للتقدمية:
يقول “زيد بن عبدالعزيز الفياض”: من الناس من يحسبها في اللهو واللعب، وقتل الوقت بالنسيان، والهروب من المشكلات والمنغصات.
ومن الناس من يظنها في حياة الصخب والأغاني المائعة، والقصص الماجنة، والمجلات الخليعة، والاسترخاء والميوعة، ومن يخالها في الركض خلف الشعارات المضللة، والآراء الهدامة، والأفكار المخربة.
ومَن يحسبها في المغامرات المنحطة، والإسفاف المبتذل، ومن يتصورها في الخيانات والاختلاسات، والمكر والأساليب الشيطانية.
ومن يفهمها على أنها البطش والتعسف، والخداع والاعتداء، ومن يراها في التنكر لكل قديم، والاستهجان لكل سالف، والاعتداد بما يأتي عن الغرب وتلامذته من رذائل وسخافات، ومن يراها في العقوق والجحود، والمسخ والاستهتار، وكل أولئك في غيهم يعمهون.
إن التطور الحق، والتقدمية الحقيقية هما اللذان يستفيدان من النافع، سواء كان قديماً أو جديداً، ولا يصدمان العلم والدين، ويعلمان أن الدين الصحيح لا يعارض التقدمية السليمة، وأن السخافات والمجون، والميوعة والإلحاد ليست من التقدمية في شيء، بل هي ضد لها ومصادم، ولا لقاء بينهما أبدًا.
قال مؤلف كتاب “معالم في الطريق” – رحمه الله -: “إن هذا المجتمع (المسلم) لا يقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله، لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتقاد والتصور، ولا تدين بالعبودية لغير الله في العبادات والشعائر، ولا تدين بالعبودية لغير الله في النظام والشرائع.
ثم تأخذ بالفعل في تنظيم حياتها كلها على أساس هذه العبودية الخالصة، تنقي ضمائرها من الاعتقاد في ألوهية أحدٍ غير الله – معه أو من دونه – وتنقي شعائرها من التوجه بها لأحد غير الله، معه أو دونه، وتنقي شرائعها من التلقي عن أحد غير الله، معه أو من دونه.
عندئذٍ – وعندئذٍ فقط – تكون هذه الجماعة مسلمة، ويكون هذا المجتمع الذي أقامته مسلماً كذلك.
فأما قبل أن يقرر ناس من الناس إخلاص عبوديتهم لله، على النحو الذي تقدم – فإنهم لا يكونون مسلمين”.
وأما قبل أن ينظّموا حياتهم على هذا الأساس، فلا يكون مجتمعهم مسلماً، ذلك أن القاعدة الأولى التي يقوم عليها الإسلام، والتي يقوم عليها المجتمع المسلم – وهي: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله – لم تقم بشطريها.
الإسلام والتقدمية:
– التقدمية التي نالها المسلمون:
عندما ظهرت العلمانية كان من أهم أفكارهم “التقدمية” إخراج الإنسان من عبودية الخالق إلى عبودية المادة موهمين الناس بأن فيه من التقدم والتطور الشيء الكثير وظانين أنهم أتو بما لم يأتي به الأقدمون ولا أدري كيف غاب عن عقولهم أنه في عصر الجاهلية كان الناس يعبدون المادة والشهوة ونسوا الخالق فلماذا سمي إذاً بعصر الجاهلية ولم يسمى بعصر التطور والتقدم؟
لقد كان قدوم الإسلام دعوة للخروج من ظلمات الجاهلية وتحريراً للإنسان من عبودية المادة وارتقاءً به إلى عبودية الخالق ساوى بين الشعوب قال تعالى: (إن اكرمكم عند الله اتقاكم) وقال : (لا فرق بين عربي وعجمي الا بالتقوى) وقال أيضاً: (الناس سواسية كأسنان المشط) فكان من الأصلح ومن العقل أن يكون الإسلام هو التقدمي لا الرجعي كما يتوهمون.
ومن يقول بعكس هذا فهو يدفع بعجلة التاريخ إلى الوراء لا إلى الأمام.
يطالبون أيضاً بما يسمى تحرير المرأة أو بمعنى أصح تعرية المرأة (لأغراض تجارية وجنسية) وأوهموا المفتونين بزخرف القول بأن كشف العورات تعني التقدمية وسترها رجعية وإعلان الزنا تقدمية والنهي عنه رجعية فانتشر الفساد في الأرض وكثرت الجريمة والاغتصاب والستار دائماً التقدمية لا الرجعية.
لكنهم تناسوا كالعادة بأنهم لم يأتوا بالجديد فقد سبقتهم الجاهلية الأولى في فعلهم هذا فقد كانوا يعيشون في ظلمات الشهوة والفجور والفسوق كالحيوانات تماماً. بل الحيوان أرقى بكثير إذا اعتبرنا أن تلك طبيعته؛ إلى أن جاء الإسلام فارتقى بهم من تلك الأفكار الحيوانية إلى أفكار الإسلام السامية فحرص على احترام المرأة, وإيفائها حقوقها وصونها كالدرة, بدل أن يتركها في المكان الغير مناسب؛ فكان مجيء الإسلام تقدما نحو التحضر لا تقدما نحو الهلاك والفساد.
هذا الانحدار الأخلاقي اليوم لدى الإنسان المجرّد من انسانيته الذي أصبح إنسانا ميكانيكيا ماديا قابله تطوراً علمياً كبيراً متسارع بشكل رهيب؛ فبدل أن يستغل هذا العلم فيما ينفع البشر استغله في إبادة الخلق نبات كان أو حيوان أو إنسان وعم الفساد براً وبحراً إلا من رحم الله قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‎) {الروم:41}.
فطورت الآلات الحربية والقنابل الذرية والنووية والجرثومية وكلها تحت غطاء التقدم والتطور إن العلم إذا لم يقرن بالرحمة فسد وصار مهلكاً ووبالاً؛ غابت الرحمة عن العلم فعم الفساد وكثرت الحروب والأزمات وساهم في الوصول إلى هذا الوضع التشجيع المعلن والخفي من جانب المجمع الصناعي والعسكري القوي والمؤثر لاستمرار الأزمات والحروب، وذلك حتى يتمكن من تسويق الأسلحة التي ينتجها، ويجني مزيداً من الثروة، حتى أنَّ ما ينفق على الأسلحة في العالم الثالث أكثر مما ينفق على شراء القمح؛ فأبيد من جرّاء ذلك شعوب بأكملها من “هيروشيما” و”ناجزاكي” إلى غزة والعراق والتاريخ مليء بتلك الإبادات الجماعية، والناجي من تلك الحروب ليس أسعد حظاً ممن مات فالإشعاعات النووية والأسلحة الجرثومية المستخدمة أحدثت تشوهات جينيّة للناجين وللأجيال القادمة من بعدهم، بالإضافة إلى تقسيم العالم تقسيماً عنصرياً تحت غطاء التقدم والتخلف مما أعطى الحق للدول القوية بالسيطرة على الدول الأقل قوة فنهبوا الثروات من بترول آسيا إلى ذهب وألماس إفريقيا ثم كافئوهم بإشعال الحروب الأهلية والطائفية وجعلوا أراضيها مقابر لنفاياتهم النووية، هذا هو التقدم العلمي الموعود المزعوم.
– الخلاصة:
نقول لا يصلح وزن الإسلام بمفهوم التقدمية والرجعية لأن دين الإسلام هو الدين الخاتم، فليس بعده دين، فشريعته آخر الشرائع حتى نهاية الدنيا، لا تغيير فيها ولا تبديل، فلا يُوصف شيء منها بالقديم لأنه تغير، ولا يوصف شيء بالجديد لأنه لم يكن في الدين من قبل، قال تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) {الأحزاب:40}، وقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) {المائدة:3}.
قال في تفسير الجلالين: “أكملت لكم دينكم”: أحكامه وفرائضه فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام.
ولأن الإسلام خاتم الأديان كان من أهم خصائصه التي يجب الإيمان بها أنه صالح لكل زمان ومكان حتى قيام الساعة، دون تبديل أو تغيير أو تطوير، فما كان واجب الاعتقاد في زمن نزول الوحي، هو واجب الاعتقاد في كل زمن، وما كان مأموراً به من الأحكام في زمن نزول الوحي، فهو مأمور به في كل زمن إلى يوم الحساب، قال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) {يونس:15}.
ولا يصح أن نصف الإسلام بوصف التقدمية، مبهورين بحلاوة كلمة التقدمية، فالتقدمية فلسفة أو فكرة غربية، بدأت وتطورت في أوروبا، فهي نبتة غربية عن أرض الإسلام وإن كان فيها ما هو حلو وما هو مر، ومرها في الفكر الغربي كثير، وهو ما لا يعلمه كثير من الناس، حيث نشأت تحت ظروف معينة، ونمت بأفكار فلاسفة ومفكري الغرب، وبقدر عقولهم وتصوراتهم وموازينهم، ونتاج حياتهم ومشكلاتهم ودينهم المحرف وبيئتهم، فكان فيها ما هو صالح وفيها ما هو فاسد، ومن ثم لا يصح استعمالها في الحكم على الأشياء حكماً مطلقاً.
وأقول: هنا ليست نسبة الشيء إلى عصر ما من العصور السابقة سبباً لذمه، سواء في العادات أو الأفكار أو العلوم، وإلا لماذا تعتمد البشرية اليوم على رياضيات “فيثاغورث” وهندسة “إقليدس” وقوانين “نيوتن” وفلكيات “كوبرنيكوس” و”جالليو”، دون النظر إلى العصر الذي ظهرت فيه، مع أنها من الزمن الماضي؛ الجواب لأن العصر ليس ميزاناً للحكم على صحة الأشياء وبطلانها، كذلك نسبة شيء إلى عصر من عصور الإسلام في التاريخ، سواء المملوكي أو التركي أو غيرهما، ليست سبباً للذم أو المدح، وإنما الذم أو المدح راجع عند المسلمين إلى حكم الشرع.
فالحذر الحذر من استعمال الفلسفة الغربية ومفهوماتها ومصطلحاتها في وصف الدين ووزن أحكامه وتاريخه وأحواله والتمسك به، وإلا وقع من فعل ذلك في نتائج باطلة وجد خطيرة، لا يمكن فهم الإسلام إلا بمفهومات الإسلام، ولا يمكن أن نبحث ونتكلم في القضايا المتعلقة بالدين إلا بأصول الشريعة وقواعدها ومصطلحاتها.

المراجع:
1- الموسوعة الحرة ويكيبديا.
2- خرافة الأدب الصهيوني التقدمي، تأليف: حاتم الجوهري، الناشر: دار الهداية للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، سنة 2012م.
3- الحزب التقدمي الاشتراكي، تأليف: فارس اشتي. الناشر: الدار التقدمية، الطبعة الأولى، سنة 1989م.
4- دور الأفكار التقدمية في تطوير المجتمع، تأليف: ف. كونستانتينوف. الطبعة الأولى سنة 1955م.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
إغلاق
إغلاق