مقالات

الراعي والسحّارة ..!!

الراعي والسحّارة ..!!
بقلم / حسن مسعود الفيفي
•• النعت المميز الذي اكتسبته في طفولتي هو ( حَسَ امسَنكر ) وبه عرفني المقربون جدا تبعا لما أكنه من حب واحترام لتلك المادة الحيوية’ ليس حبا فحسب ! بل عشق  يتعدى عشق قيس بن الملوح وجاكومو كازانوفا.
هذا اللقب الجميل أطلقه عليّ جدي رحمه الله قبل عقود ونسيه الجميع إلا أنا !!
في حين لم تكن قائمة السكريات متاحة إلا المشبك الذي نكاد نسمع عنه ولا نراه على أن أربعة قروش في ذلك الزمن الطيب كافية للحصول على ربع رطل منه أو من حلاوة الطحينية .
وفي بيت جدي سلمان بن جبران حسن ( رحمه الله) كنت أقضي معظم أيام الشهر مقارنة بما أمكثه في كنف الوالدين حيث يندر وجود السكر .
ولعله من محاسن الصدف أن يكون الجار المهم لجدي هو الراحل حسن بن سالم العبدلي صاحب بيت القلة..   وكان الرجل الوحيد الذي يشتغل بالبيع والشراء بمقاييس زمنه أما دكانه فعبارة عن صندوق خشبي مكعب متر في متر .. إنه السحارة التي تحوي كل بضاعته من قهوة’ وشاهي’ وسكر’ وخيوط’ وإبر’ وقشر’ وزنجبيل’ وبهارات’ وما إلى ذلك .. وكل هذا القائمة لايهمني منها شيء خلا السكر الذي ينقصني المال لشرائه.
إن عبارة (شاهن وسنكرن) لاتنفصمان ولا تتبدلان ولا يسوغ قلبهما ولا يجوز شراء أحدهما دون الآخر (عند العقلاء طبعا!!) لهذا فقد بذلت جهدا مضنيا كي آتي بالعبارة على وجهها مع كرهي للأول وحبي المشهور للثاني.
وبمبدأ ميكيافيللي بحت اكتشفته لاحقا فقد عزمت وحزمت أمري وشمرت للحصول على السكر اللذيذ حقا وصدقا مادام يقبع قريبا في السحارة.. والعبرة هنا في التطبيق فجهلي بكتاب الأمير ونظرياته في تلك السن المبكرة مؤكد ومن البديهي أن تغيب عني مقولة ( الغاية تبرر الوسيلة). وعلى أي حال فقد أصبحت رسول جدي إلى العم حسن سالم لشراء بعض المواد المستهلكة كالبن والحوار ( الزنجبيل)  أو الكمون؛ إما بقيمة حاضرة أو دين’ وعبر هذا الطريق وجدت  المدخل المناسب’ فكنت أطلب السلعة التي أرسلتُ من أجلها مضيفا إليها (شاهي وسكر!!) شافعا طلبي بتعليمات اخترعتها على لسان جدي الذي : طلب أن لا يخلطهما بل عليه أن يجعل ورق الشاي طبقة علوية فوق السكر’ وهكذا يتم الأمر’ وعند منتصف الطريق أفتح ورقة الجريدة المخروطية التي تحوي الشاهي والسكر وأقوم بنفخ الشاهي الأسود القبيح في الهواء فيظهر السكر الأبيض الجميل وتبدأ القبل وتوابعها وتذهب ضحية لذلك أجزاء من الجريدة نتيجة التصاق بلورات السكر الناعم عليها؛ وماتبقى من الكمية ألفه بإحكام ثم أدسه بين حجرين في جدار المدرج الزراعي عند علامة واضحة للعودة إليه في الغد.
أما النزعة العدائية المبكرة تجاه ورق الشاي فكان مردها لمذاقه المار وغير المستساغ الذي يسد النفس ويعكنن المزاج بالنسبة لي في ذلك السن!!.
استمر الحال على هذه الوتيرة السكرية الهانئة فكنت أرعى ثور جدي وهي المهمة التي تبقيني عنده في تلك السن المبكرة وقبل أن التحق بالكتاتيب.
لم أكُ لأذهب يوميا من أجل شراء الشاهي والسكر فذلك قد يكشف أوراقي قبل أوانها.. وإنما كل ثلاثة أيام مع إضافة بعض المقاضي فاقول للعم حسن: قد أرسلني جدي سلمان قال: تهب لي قليلا من المر’ وشاهي وسكر’ فيقول مستغربا: لا بد أن يكون جدك قد أصابه الخرف قبل الأوان!! ويردف متسائلا:  ما الذي يريده بكميات الشاي والسكر التي تجلبها له بصورة متواترة تدعو للعجب؟!! عندها أبادره بالقول: نعم فجدي لديه عمال يشتغلون في مزرعته الواقعة في غرب الجبل؛ وهنا تزول دهشة العم حسن الذي يعرف تلك المزرعة البعيدة وهي (لحج الغارب) وبهذه الذريعة أجده يقتنع ثم تنتهي تعليقاته المخيفة بالنسبة لي.. وفي منتصف الطريق اتخلص من المر بنفس الأسلوب الذي يلقاه ورق الشاي الأسود .
ألمحت فيما سبق أن ورق الجرائد الأجنبية هي  المستوعبات التي يستخدمها البقال في تلك الحقبة للف السلع يعززها بخيط يلفه حولها بإحكام .. وبناء عليه فلا بد أنني قد التهمت مع حشوة السكر بعض زوايا كبار الكتاب في تلك الصحف نتيجة التصاقه بها خلال فترة التخزين .
وفي وقت لاحق ووفق ظروف غامضة وجدتني أستطيع قراءة حروف اللغة الإنجليزية متزامنا هذا الفتح مع انقضاء الشهر الأول لالتحاقي بالكتاب .. وكل الأبجديات سوى العربية فهي (العجمي) هكذا نسميها.. حدثت تلك المعجزة قبل دخولي مدرسة نيد أبار الإبتدائية بفترة طويلة؛ فقد وجدت جالونا صدئا كتب على أحد جانبيه (حصان) كل حرف بلون مختلف وعلى الجانب الآخر كتب (hors) فكان بالنسبة لي كحجر رشيد المشهور نسبة للعالم الفرنسي شامبليون. مع فارق بسيط جدا هو أنني اعتقدت أن الإنجليزية تقرأ من اليمين لليسار فقرأت حرف الـ s حاء والـ r صاد والـ o ألف والـ h نون فتكون التهجئة (حصان!!) وبقيت أفتي بذلك في مناسبات عدة منتزعا بذلك دهشة الناس ومستحوذا على نظرات الإعجاب عن جدارة واستحقاق.
ووفقا لحقيقة لاحقة ففي الإنجليزية يكتب Horse بخمسة أحرف لا أربعة فأي جالون عجيب ذاك الذي عثرت عليه!!.
بعد عقود من تناولي السكر بورق الصحف الأعجمية ظهر لي انعكاس ذلك في أبنائي وبناتي الذين انصرف غالبيتهم في مرحلة التعليم الجامعي لدراسة اللغة الإنجليزية .
وبالعودة لكيس السكر الكامن في عمق السحارة تحسن الإشارة إلى أن الأمور لا تستمر على منوال واحد إلى الأبد وأن بحبوحة السكر لن تدوم ووفقا لهذه المواعظ فقد جاء أحد الأيام يحمل بين طياته أخبارا مقلقة’ وفيما كنت أرعى ثور جدي كالمعتاد إذا بالعم حسن سالم ينادي جدي من عند بيت حالية يزيد رحمهم الله جميعا مطالبا بديونه المتأخرة فكان خطابه هذا نذيرا بانهيار رغد السكر وانكشاف أوراقي .
من جانبي فقد أطلقت ساقي للريح ميمما صوب دارنا في غرب الجبل  ولم أعد لرعاية الثور حتى تصورت أن الحكاية أصبحت نسيا’ وفعلا عدت ولم يزد جدي على أن منحي لقب ( حس امسنكر ) فحمد الله على ذلك’ أما العم حسن سالم فقد صمت ولم يعاتبني مطلقا’ ومازلت إلى اليوم أجهل التسوية التي عولج بها الموضوع بشكل ثنائي .
وعبر نفحة من الغرور بقيت استحضر تلك الذكريات معتدا باسلوبي الماكر مع نزعة الدهاء والنباهة سيما وأنا الوحيد بين اللدات يقرأ العجمي!!؛
وظلت السحارة بما يصحبها من عملية البيع والشراء راسخة في الذهن بحيث كانت لعبتي المفضلة’ فابتكرت التفاصيل التي تحاكي دكان العم حسن بكل دقة وواقعية ثم طلبت من شقيقي محمد- وهو الأكثر التصاقا ومشاركة في ألعاب الطفولة-  أن يناديني ( حس امسالم) بدلا عن ( حس امسنكر ) طالما كنت صاحب دكان مثله بل كنت اتقمص شخصيته فأكتفي بلبس إزار واحد مع نصف علوي مكشوف والجميع يناديني عمي حسن .. كل ذلك من أجل الاستغراق في اللعب حيث كانت المواد الأساسية : التراب؛ الحجارة؛ علب الصلصة الفارغة ومثلها التونة و سمن جاموس وكل القصدير وما نجده ملونا .. كنت أجمع تلك الفوارغ من عدة أمكنة وأقوم بتعديل ما تهشم منها ليتخذ مكانه في صندوق العرض حتى توفر لدي محل أنيق يجذب الزبائن من أماكن متفرقة.. أما المعضلة الوحيدة فكانت إيجاد الميزان المعلق بكفتين لامعتين مشدودا للسقف بسلسلة حديدية متينة مستقرا  أمام البائع’ وكان غيابه قصورا لا يحسن بصاحب دكان مثلي؛ لهذا فقد أخذت الوعائين الوحيدين في دارنا وثقبتهما بمسمار وكانا من معدن الألمنيوم ويسمونه الميلوان .. وأخيرا اكتمل الدكان بحضور الميزان رغم معارضة أختي التي قالت: (با آمي خابطك وحس عوس املبي ذي ثقبتهن) والمعنى : سوف تعاقبك أمي حين تكتشف أنك ثقبت الوعائين وليس لديها سواهما..
لقد كانت أختي تجهل عناصر الميزان أما أثاثنا فيتكون من القرعيات مثل (الشقف) والحكار’ والمحاقن والمراوش’ ثم الخصفيات كالطبايق والزنابيل والمطارح والمذاري والحشي’ والخشبيات كالكرادح والقعبة والعكد والزلاف’ ثم الحجريات كالنحتة والبرام الحرثية’ ثم الخزفيات’ كالمجامر والمشاهف والكدنيات’ وأخيرا الجلديات كالمشاعل والمزاود والأزبية وكلها أوعية لا تصلح موازين .. وكانت حجتي قوية لدرجة أن محمد اقتنع بها فورا حيث التفت لأخته وأقسم لها يمينا أنه لم يسبق أن رأى ميزانا من شقفتي قرعة ولا من طباقتين وهو صاحب خبرة كافية حيث حضر السوق الأسبوعي لفيفاء مرة واحدة وشهادته كانت ضرورية لاسكات تأنيبي من قبلها

بحثت عن بعض الحجارة القريبة الشبه بأثقال الموازين وبدأت لعبة البيع والشراء الممتعة تحت لسان صخري يفر الظل والحماية نسميه الكهف!!
وهنا قمت بترتيب كومة العلب وتأنقت في عرضها وترتيبها بشكل متقن وبشيء من الواقعية فليست هناك من سلع حقيقة لتباع وفي المقابل لا وجود لمال فعلي للمقايضة والشراء لهذا كنت أبيع التراب على أنه سكر والحجارة على أنها مشبك أما كومة المعلبات فكانت ديكورا لازما للمشهد ولم تكن ضمن المواد المطلوبة لقد اقتصر العرض والطلب على التراب والحجارة ليس إلا!
وللإيضاح أيضا فلم يكن القات قد انتشر وجوده في الجبل كما هو معروف’ حيث ما تزال غابات البن الكثيفة تكسو الجبل ولم يكن في مدرجات اللفجة شجرة قات واحدة وإنما البن والموز فقط.
نعود للعبة البيع والشراء المبتكرة وقد عرفتم التاجر فمن الزبائن؟
إنهم : محمد مسعود وعبدالله أسعد وسليمان أسعد وشقيقتي اللتين أصبحتا لاحقا أم بندر وأم خالد
وفي أحيان نادرة تشاركهن بعض بنات أعمامي.. وفي النادر نفاجأ بمشاركة الصديق حسن بن ساري محمد.
أما الأوراق المالية التي ينقدها الزبون مقابل الحصول على السلعة فقد وقع الاتفاق بيننا على أن تكون من أوراق البن حيث يقع الدكان على مقربة من تلك الأشجار الوارفة.
وعندما عاد عمي أحمد من رحلة الحج سنة 1378هـ  كان محملا بالهدايا وتحلين بنات الحي بخواتم المنيوم والأساور البلاستيكية اللامعة’ أما الهدية الأهم فقد كانت عدة أقراص من حلوى المشبك الأحمر .
قام والدي بقسمة قرص بالتساوي وحصل كل منا على كسرة كبيرة فانكب الجميع على التهام نصيبه إلا أنا فقد توجهت به صوب متجري الجميل وقمت بتفتيت قطعة المشبك إلى أجزاء صغيرة وكانت المرة الأولى التي أجدني فيها خلف سلعة حقيقية وليست وهما وما إن أخذت مكاني خلف دكة الحانوت حتى وبدأ الزبائن يتوافدون.. لقد كانت مفاجئة لم تكن لهم في الحسبان أن يكون المشبك الشهي ضمن السلع المعروضة ووفق المتبع فقد هرعوا لأقرب شجرة بن ونزعوا أوراقها حتى بدت فروعها عارية تماما فبعتُ كل المشبك في غمضة عين وتلاشى الجميع من أمامي وإذا بي اصبحتُ غارقا إلى صدري في ورق البن الغض الطري .
ولم يقطع نشوة اللعب غير صوت والدي الواقف يسار المسرح يقول : (حتني بن يحيى) من الذي اخترط ورق البن؟ لماذا ثقبت المواعين؟ مالذي تفعله بمفردك هنا؟ فانتبهت كمن يصحو من رقدة إلى أن تجارتي انتهت بخسارة فادحة تمثلت بفقدان نصيبي من المشبك دون مقابل مادي.
نظرت لابي مستجيرا منكسرا قائلا ( لقد أخذوا نصيبي من المشبك. هل مازال عندنا منه ولو قليلا؟. قال: لا!  كنت أثناء حديثي مع والدي المبهوت أبتعد زاحفا حتى أصبحت بعيدا عن متناول يديه ثم نهضت مهرولا حتى أصبحت خارج المسافة المؤثرة لمرمى الحجارة توقفت  والتفت نحوه ثم قلت (أبغى اروح عند جدي سلمان)!!. كان قد نزع الميزان من سقف الكهف وأخذ يقلب الإنائين المثقّبين ولم يلتفت نحوي بل قال ( إذهب فلن أضمن سلامتك إذا عرفت أمك مافعلت!!)

أبها
في 9  /  5  / 1435

‫4 تعليقات

  1. مقال مشحون بالكوميديا وذكريات الصبا زمن البياض .. وما زلت أذكر الدكان وموقعه وحادثة الميزان لأن أمي دجرتنا بشنقن كلنا وكنت أنت المتسبب حينها بخدران املبي.
    استمتعت كثيرا بمقالك ولعل مرد ذلك أني حاضر في مشهد ذكرياتك وليس صحيحا إن زامر الحي لا يطرب واتمنى أن أقرأ المزيد من طرائفك في حلقات قادمة .
    وفقك الله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق