مقالات

مرافعة أمام سمو وزير التربية والتعليم

الاستاذ جابر ملقوط المالكي
أ. جابر ملقوط المالكي

ألو، نعم، جهز نفسك، لماذا ؟  هناك مطعم سنتعشى فيه الليلة، ولكني، لم يمهلني إكمال كلامي : أنا عند الباب، احتملت شماغي على كتفي وخرجت مسرعا، ومضينا وبعد دقائق وقفنا أمام مطعم باكستاني، ثم نزلنا ودخلنا تزكم أنوفنا روائح البهارات ويستمطر دمعنا غاز الفلفل الطيار، وجلست مع صديقي على مضض، ثم تناولت بضع لقيمات مع حوالي ( ثلاثة ) لترات ماء وعلبة (ديو) ذات حجم عائلي، ثم عدت للمنزل وسط عطاس وسعال وارتباك أمني جيوهضمي متلبك، وألقيت بجسدي على أقرب مسطح مفروش قابلني، وأسلمت روحي لباريها من غير أذكار فاغراً فمي مع شهيق وزفير عاليين سمعت إيقاعهما ( الشخيري ) على بعد ساعتين نوميتين، وذهبت خلالها لكأس العالم، ورقعت شق الأوزون وغيرت موقع ( مثلث برمودا) ونقلت خط الاستواء، وعرفت موضع (الأحول الدجال) !

وخضت غمار محاكمة أمام سمو سيدي وزير التربية والتعليم ممثلاً للزملاء والزميلات في التعليم العام، ضد أخطبوط بـ ( خمس أرجل ) وعشرة جيوب، وببدلات سكن وعلاج وتنقل فضفاضة يمثل معلم التعليم الجامعي لدينا، ولفت نظري ثوبي القصير وجسدي المنهك بأدواء السكر والضغط والفشل، والمثقل بزبر الديون، ومعاول التقسيط، وفؤوس البقالات، وأزاميل التكاليف المعيشية والصحية، وبأورام السكن الخبيثة، ومما قلته :

سيدي القاضي : أنا أعمل في اليوم سبع ساعات كحصص أصلية وانتظار وفي أماكن نائية لا أراها على خريطة الوطن بالعين المجردة!!، وأزاول مهنتي السامية في أماكن كعلب الصلصة القديمة ،أقف فينطح رأسي السقف، وأتمدد فتخرج قدمي إلى حيث لا أراها، وقد أنفعل فأقع جثة هامدة لعدم وجود هواء يساعدني على التنفس، وأقطع المسافات على ظهر عربة نقل خنثى بين القاطرة البخارية والسلحفاة !! ينقطع صوتي وأنا أصيح وأوجه وأعاتب، وتتشنج أصابعي وهي تحمل الأقلام الملونة تكتب وتمسح، أرسم بسمة وأمسح دمعة، وأوقد شمعة، لطفل بالكاد تجاوز السادسة والوزارة تلزمني بمداراته ومراعاته فأمثل له وبكل إخلاص دور الأب والأم، فأصلح زراره وأراعي مشاعره وأزامله مراهقاً مندفعاً في متوسطته وثانويته محتملاً سوء أخلاقه وفورة غضبه، وأحياناً أتعرض لطعنه ولطمه ولكمه ولا أقوى على حمل عصا أهش عليه بها، بل أسلمه أمري حتى يطرحني أرضاً وعندها يتم نقلي وربما فصلي، أما هو فيوقف أسبوعا في بيته مرتاحاً حتى يستعيد قواه ثم يعود مجدداً، فيما ألملم ما بقي من معالم وجهي، وأتوجه لمدرسه أخرى، وقد أصاب بمرض نفسي أهلوس خلاله فأسير كالمجنون مردداً : واحد اثنين  يخزي العين !!

وأمضي تلاحقني مناشير الديون تقطع أوصالي وتهجر عيالي وتحرمني نوم الليالي، ويداهمني المشرفون فيسدحون ويذبحون!!

سيدي القاضي : أما هذا الأخطبوط فيذهب بكامل هندامه فارداً مراكبه الفارهة وسط مدن حضارية فصولها مدن حالمة، يضغط الأزرار، ويعزف الأوتار، ويسير وسط شباب سبق لنا تهذيبهم وصقلهم، فيبدو ملكاً بين أفراد حاشيته، ثم يقف ساعة أو ساعتين يتحدث في قاعات لجمالها تحاكي عارضات الأزياء في إحدى ضواحي لندن أو باريس، ثم يعود لمنزله الذي تكفلت به الجامعة، وقد يتوجه للمستشفى حيث يجد الاهتمام المنقطع النظير لأن المستشفى تتبع أصلاً جامعته أو المعالج في الحقيقة زميله، وفي نهاية الشهر تتسابق عشرات الألوف إلى جيبه فهو دائم البسمة، رقيق النسمة، جلده ناعم، ووجه مشرق ومناخه ممطر صباح مساء.

سيدي القاضي : نسيت القول بأنني بين مطرقة وسندان الحرمان من نسبة بدل نائي نتيجة شكوى من قبل منسوبي وزارة الأوقاف وهيئة الأمر بالمعروف يطلبون منحهم ( 20 أو 30 % )  أسوة بنا، و( إنا لله وإنا إليه راجعون ) !!.

وقبل أن أكمل مرافعتي ضرب سمو القاضي الكريم بيده على صدره قائلا : ستجد مني يا بني كل خير، فنسبتك لن تنقص بل تزيد وستمنح بدل سكن وعلاج ،واستمع لحكمي، وهنا صاح سموه : محكمة، وصحوت على وقع المطرقة ، وبقية العائلة عند رأسي يصيحون : يا رب    يا رب    يا رب.  

 

 

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق